الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية :, كيف لا احب النهار ؟, مناظر المسرحية

Share

أشخاص الرواية

عيسى ........................ صبايحى بدار المراقب الشاذلى ( شيتة ) .............. صبا يحيى بدار المراقب مسعود ........................ زنجي سائق المراقب ميشال ......................... المراقب مرغريت ........................ زوجة المراقب

التجاني ................ ابن الحاج أحمد البوزيدى الحاج البوزيدى ......... شيخ العشيرة ، ومن اعيان البلدة البشير ................ أخ الحاج البوزيدى مصباح ............... مؤدب الحى الأم ................. زوجة الحاج أحمد

فوزية .......................... زوجة الهادي عبد العزيز ..................... موظف بمصلحة البريد أحمد . ........................ شاب مثقف انقطع عن التعليم الرجل الأول .................. أهالي السجناء الرجل الثاني الرجل الثالث جندريان ....................... رينو                                     آلان

الفصل الأول : ويضم مشهدين ، تجرى حوادثهما امام بناية دار المراقب المدنى . لفصل الثاني : مشاهده خمسة ، تدور حوادثها فى منزل الحاج أحمد البوزيدى . الفصل الثالث : تقع حوادثه فى غرفة عبد العزيز الموظف بمصلحة البريد ويحتوى على ثلاثة مشاهد . * *

الزمن : حوادث الرواية تستغرق ثلاثة ايام . وتقع فى الفترة التاريخية ما بين 48-1947 .

المكان : بلدة تونسية .

الاخراج

اكتست المسرحية احيانا صبغة تجريدية . ولكنها غير مستعصية على الاخراج ، ففي الامكان المزاوجة فى هذه المسرحية ما بين النمطين الواقعى والتجريدى ، بدون ان يسب ذلك اى تناقض او غموض ، سواء بالنسبة للنص المقروء ، او النص الممثل .

ولقد تركت حرية اختبار الديكور للمخرج مع اعطاء اضواء بسيطة مكملة للنص .

( الفصل الثالث ) (*)

( المشهد الاول ) فى ساعة مبكرة قبيل الفجر . ينقر أحمد على نافذة صغيرة فى بيت عبد العزيز ، فيفتح له عبد العزيز الباب ويجتازان سقيفة مظلمة ، بها دكتان من الطين ، مفروشتين بالحصر . يدخلان غرفة صغيرة ، يسكنها عبد العزيز فى منزلهم العتيق .

الكتب والصحف مبعثرة ، وبعض اوراق منضدة على المائدة التى يأكل عليها ، ويكتب عليها ، والجدران مكسوة بشتى الرسوم التى تمثل انواعا مختلفة من احدث سماعات الهاتف . وصور صحارى وجبال مرشقه باعمدة الهاتف . وصور فتيات وقفن فى اوضاع مغرية ، وهن ممسكات بسماعات ويبسمن فى غنج وتدلة . مما يدل على ان ساكن الغرفة يعمل بمصلحة البريد .

يجلس أحمد على حافة السرير . بينما يعود عبد العزيز الى الاستلقاء على الفراش متظاهرا بمقاومة بقايا ما فى عينيه من نعاس .

عبد العزيز : ( مداعبا صديقه ) اهلا وسهلا بمن لا ينام . ولا يترك الناس نياما .

أحمد : أو قل بمن يحلم بالمواعيد والصباح الجديد . عبد العزيز : أين الجماعة ؟ أحمد : لقد سافروا هذا الصباح . ودعتهم حتى المحطة . عبد العزيز : واعلمتهم بما وقع من اعتقال الهادى ؟ !

أحمد : لم افعل . خشيت ان يتسبب لهم ذلك فى بعض الاضطراب . هذه فكرتى أنا الخاصة . أما الجانى فقد أراد أن نعلمهم.  ولكنني أخفيت . أخفيت عنهم خيفة أن يتخيلوا انفسهم مطاردين ، فيوقعهم الاضطراب فيما لا يحمد عقباه ، وانت تعلم أن القطارات فى هذه المدة بالذات ، معرضة للرقابة والتفتيش المستمر . من اين لى ان اقول لهم شيئا ؟ ، ونحن لا نعرف مدى تحملهم ... مقابلاتنا معهم كانت دائما فى انطاق محدود . ضيقة الزمان والظرف .

عبد العزيز : كان من الافضل أن يعلموا . هم قبل كل شئ اخواننا . لهم علينا حق الصراحة . أحمد : ولكننا اتخذنا الاحتياطات اللازمة لحمايتهم . رتبنا معهم كل شئ وجرت الامور على احسن ما يرام .

عبد العزيز : الصناديق والاوراق ... أحمد : والدوسيات ، والمنشورات ، كل شئ اخفيناه فى شكاشر البصل والثوم ، وصناديق الخضر ، ليلة بكاملها ونحن ترتبها . ثم وسقناها باسماء مستعارة . عبد العزيز : كالمرة الفائتة ؟ أحمد : واكثر من هذا أعلمنا على رحال صديقنا في السكك الحديدية بأن يتولى مراقبة البضائع . اثناء تحويلها من محطة الى أخرى .

عبد العزيز : وهل سمع التجاني بالخبر ؟ أحمد : لست ادرى .. عبد العزيز : من قابلة بالامس ؟ أحمد : قابلته أنا لحظات خاطفة في الطريق . ولم نكن بمفردنا . فلم أشأ أن أتحدث معه فى مثل هذه الامور . عبد العزيز : يكفى أنهم سافروا . ليكن الله فى عونهم . أولئك رجال حقيقيون يا احمد . تحس من أول لقاء معهم ، وكانك تعرفهم منذ زمن

بعيد ... كان الهادى يسميهم اسود المناجم . حراس كنز تونس تحت الارض ..

أحمد : لكم سألوا عنه . وفي كل مرة كنت اختلق حكاية جديدة . وأحيد بهم عن الموضوع . ما استطعت ان اكذب عليهم . ولا استطعت أن أصارحهم . وبقيت معذبا مقهورا . حتى انهم لاحظوا بعض ما اعترانى من الاضطراب والنكد .

عبد العزيز : ولو قلنا الحقيقة لما اقتنعوا . أحمد : بأن امرأته هي التى وشت به . وان صهره الحاج هو الذي ابلغ هذه الوشاية الى المراقب . كلا . محال ... اسطورة . كيف تتصور ان يصدقك ناس مثل عمال المناجم ، ابدا ، واذا صدقونا عند هذا الحد ، هل تتصور ان يصدقوا باننا نحن الذين دفعنا صديقهم الى السجن ، وهو الذى طلب بان يكون كبش الفداء بمحض اختياره ؟

عبد العزيز : ( فى شبه تأثر ) لأنهم لم يعيشوا مطاردات البوليس ، وكوابيس الشبهات الحائمة حولنا . أحمد : ولا عرفوا معنى التكتيك . عبد العزيز : ولن يدركوا مهما شرحت ، وأوضحت المغزى الكامن من وراء قضية الهادى لماذا دفعنا به الى السجن ، او بالاحرى لماذا اراد أن يخرج بقضيتنا من طى التكتم ؟ ولماذا كان هو ولم تكن أنت أو أنا ، أو التجانى ، أو أحدا آخر . هذه مشكلات عويصة الادراك عليهم .

أحمد : وعلى ذكر هذا بالامس ، لمحنا " سعدون " ، ونحن نجتاز سوق الخضرة ، وبأيدينا الاكياس والصناديق .. واستشعرت انه يتعقبنا ، فلم أجرؤ على اعلامهم لئلا يتخرجوا ويتضايقوا ، وبقيت اتردد بين نصب الخضارة ، وأساوم الى ان أوهمته بطريقة لبقة أن الذين معى هم من التجار ، فانصرف بعد نصف ساعة من المطاردة الخفية بيني وبينه ، وهم لا يعلمون عنا شيئا .. وتريدني ان اعلمهم بقضية الهادى أو غيرها من المسائل ! .

عبد العزيز : يا أحمد ، من وجهة نظرى الخاصة ، لا بد لنا ان نستلفت انتباههم فى المستقبل ، ونعلمهم مبدأ الشك والحذر فنعطيهم فرصة للفهم ، والاصطدام مع ما يدور حولهم .. فبالتدريج يمكن ان يعوا حاجات صعبة نحن أحوج ما تكون الى ان يشاركونا فى ابداء الرأى فيها .. أحمد : هذه هى نقطة الخلاف الدائم بيني وبينكما انت والتجانس ، ان ما تريانه فى هذا الشأن غير ممكن على الاقل الآن . بدليل أن على قرماش عندما اراد ان يسلك هذا المسلك ، مسلك وعى

جماعته لما يقومون به ، وقع فى المأزق ، وانفض الجماعة من حوله .. بعضهم بعضهم انقلب ضده تماما وكشف عنه .

عبد العزيز : ان اعتمادنا على سلوكهم العاطفى هو استغفال لهم ... أحمد : ولكن العاطفة هي الخطوة الاولى من خطوات الاقتناع ، الانسان يحب الاشياء بقلبه ثم تتسرب الى عقله تدريجيا ، وهم لم يصلوا بعد هذه المرحلة

عبد العزيز : دعنى من نقاشاتك التى لا توصلني إلى نتحة ، رجال فى صلابة الايمان وجرأة الحقيقة ، لهم من التجارب والخبرات ما يجعل العقل نفسه يؤمن بهم ، تدعي انه يجب قيادتهم بالشكل الذي تقترح . ابدا لا يمكن أن أوافقك .

أحمد : توافق أو لا توافق ، لا شأن لى بهذا . الصحيح أين خبأت الرسائل والدوسيات التى أتى بها عبيد من بيت الهادى ؟ عبد العزيز : ( يشير الى مكان بالسقف ) هى هنالك فى تلك البقعة. أحمد : اعتقد ان هذا السقف سيدخل التاريخ في هذا اليوم ، فاذا اصبحت لنا قضية وراء الهادى ، فهو بدون شك المخبأ السعيد الذي ستنطلق منه الحقيقة محلنة ميلادنا على رؤوس الملأ . واذا فشلنا فسيكون القبر .. والذكرى ..

عبد العزيز : وربما انهار على صاحبه . من قبل الجنود الذين سيحلون ويهدمونه ، بحثا عن الكنز المفقود . أحمد : لن تموت قبل أن نعلن كما كنت تتمنى دائما ، أن لنا قضية وان لنا من ورائها رجالا . عبد العزيز : نعم ها هى لنا قضايا ولنا رجال نجتمع من اجلها ومن اجلهم لندبر ونفكر ، أو لم يرتض الهادى أن يغامر فى ضباب الشك والارتياب ، حتى لا يلقى علينا البوليس القبض ونحن في مخابئنا كالجرذان .

أحمد : كان يقول بشحاعته المعهودة ، بدلا ان يصنع قضتنا فى الظلام ، لماذا لا نصنعها فى الشمس وامام الناس .. وها قد بدأ ، وعلى مرأى من الناس .. عبد العزيز : واليوم سنحقق نحن الخطوة الثانية ، سنقود المظاهرة ، لنعلن أننا وراء قضية ، ولن تتبدد خطط الهادى .

أحمد : ولكن التجاني تأخر . قربت الساعة السادسة الآن . مبد العزيز : قد يكون ثمة ما حال دون وصوله فى الوقت المحدد . أحمد : افتح احدى مصاريع النافذة ، ربما ابصر الغرفة اكثر . عبد العزيز : ( ينهض من مكانه ويفتح النافذة ) ، وماذا أعددت انت ؟ احمد : حاولت أن اجمع ثلة من الناس ، وشرعت في اتصالات سرية . فما راعنى الا وعبيد يدق على الباب ، ويأمرني بانه

موفد من قبل التجاني . وانه تلقى منه الامر ، بعدم تسريب اية اشاعة أو دعاية أو اعلام الناس بالمظاهرة .

عبد العزيز : ولم يعلمك بالغاية من وراء هذه الفكرة . أحمد : ومن اجل هذا بكرت فى المجيء اليك قبل الوقت لأتزود منك بمعلومات اوفى عما جد . عبد العزيز : ( يتمشى فى الغرفة ، يطل من النافذة على الطريق ) ، هناك شبح فى البعيد ...

أحمد : انظر مرة اخرى وتمل منه .. عبد العزيز : ( ينظر مرة أخرى ) قامته هو .. بدون شك ، يحمل شيئا ما فى يده اليمنى . . لقد وضحت قامته . واقترب من المنزل . أحمد : قد يكون فى الامر مفاجأة ، ولا يستبعد ان يحمل معه حتى السلاح ، أليس زميله فى الدراسة ، وصهره ، لا بد ان فوزية دفعته الى ان يأتيها بالهادى . . لم تصبر عن الفراق ..

عبد العزيز : لا تظلم المسكينة .. هي امرأة شهمة حقيقة . استطاعت ان تلبى رغبة زوجها ، وتسهم معه بجدارة فى التضحية . . شاء القدر ان يكفر الابناء عن الآباء . أحمد : لست ادرى كيف استطاع التجاني ان يخدع الحاج بهذا المهرب فى آخر الليل وبابهم لا يفتح الا مع الضحى . ( يدخل التجانى )

عبد العزيز : انتظر ناك على أحر من الجمر .

( المشهد الثاني )

التجاني : ( وهو يتنفس من الاعياء ) وهل كنت أقدر على الخروج من ( القلعة ) قبل هذا الوقت ، والاحمرة تتناهق من كل جانب ، والدجاج يعوعش ، والكباش تتناطح كأنها مظاهرة . أحمد : ومتى ستبدأ هذه المظاهرة ! ؟ ، أرسلت تقول انك لا تريد رجالا ولا نساء ، تريدها مظاهرة صامتة تريد احتجاجا بوذيا ٠٠

التجاني : أولا ، استطعت ان اخدع الحاج بانى مسافر فى رحلة الى تونس العاصمة ، تستغرق يومين ، وها هى - فليزتى - . أحمد : ما دخل الحاج وسفرك في موضوعنا ، المظاهرة ، المظاهرة ماذا تدبرنا لها . التجاني : ( يبرود وامعان في التشويق ) ثانيا .. ثانيا .. المظاهرة انتظمت ، وانتهى كل شئ أحمد : أتعنى موكب الاعيان الذي انطلق أمس بقيادة الحاج الى دار المراقب ، أتلك مظاهرة ؟ ؟

عبد العزيز : دع التجانى في انتشاءته ، ترفرف على وجهه البهجة ، والنصر ، لا بد ان فى اعماقه اشياء هامة . التحاني : كلمه يا عبد العزيز ، يا من علمك رنين الهاتف ، واصوات الناس التجلد والتحمل ، قل له ان التجاني لا يهزل حين يدفع باعز زملائه الى السجن ، ويغامر بسمعة عائلته وشيب والده ، من اجل ان تصبح لنا قضية ، كلم أحمدنا . . . أحمد : لا داعى لان يكلمني في هذا ، أعرف كل شئ . . أنا اتحدث الآن عن المظاهرة التى اتفقنا على ان ننظمها اليوم ردا على استنكار الحاج ، والتعريف بقضيتنا .

التجاني : هكذا أعرفك ذكيا ، تشيم المخبآت ، اطمئن على المظاهرة ، هى جاهزة . وستتولى قيادتها انت بنفسك ، لا أحد غيرك . أحمد : وسيكون عبيد الى جانبى . عبد العزيز : هو لا يصلح لغير الصياح والتهريج . وهذه فرصته الذهبية . التحانى : أما أنا فسأظل هنا ، مكبلا فى اكذوبة السفر التى اصطنعتها ، وعبد العزيز سيتولى كما اتفقنا قطع خيوط الهاتف ، وشل كل اتصال بين دار المراقب ودوائر الامن ، مدعيا ان المتظاهرين هم الذين فعلوا ذلك . أليس كذلك يا عبد العزيز ؟ ..

أحمد : والآن اين المتظاهرون ؟ التجانى : لم يحن الوقت بعد لان يخرجوا ، هم فى هذه الفليزة ، سوف يكونون أمامك عند الحاجة . عبد العزيز : والمراقب وزوجته ، هل اتصلت بهما ؟ التجانى : أول أمس ، وفي الوقت المحدد ، الساعة الخامسة بالضبط كنت الى جانبهما فى المكتب . عبد العزيز : وتحدثتما فى المشكل .

التجانى : حاولت ان اطرحه بصيغة القضية ، مبينا لهما ان الهادى ليس شخصا عاديا وانما هو رجل قيادى ، قلت لهما انه كان زميلى فى الدراسة ، ورغبت فى مصادرته وان كنت اختلفت فى الراى معه ، ولكن هذا يمنعني ان اصار حكم كما عودنى والدى بايمانه بما يقوم به . أحمد : وطبعا ، ابعدت التهمة عن نفسك ، وجئتنا بخرافة مظاهرة فى فليزة .

التجاني : بل تلقيت منهما الشكر ايضا على اخلاصى ، حتى فوزية احسست انهما يحبانها ويكنان لها الاحترام أرأيتما كيف تطور المشكل ؟ وكيف اتجه ؟

عبد العزيز : فى رأيى أن هذا سيساعدنا اكثر عن العمل والتنظيم السرى . التجاني : حتى الرقم الذى كتبته فى تلك البطاقة الصغيرة التى وضعتها مع باقة النوار 5670 رقم بطاقة الهادى الحزبية ، وعدد انخراطه ، لمست انهما لم يتفطننا اليه .

عبد العزيز : ودخلت قضيتنا " فيلتهم " من غير أن يعلموا . أحمد : وستدق عليهم اليوم ابواب الحديد فى مظاهرة صاخبة . التجانى : اوصيك خيرا يا أحمد بمارغريت . أحمد : لن أقتلها . التجانى : تتحدث بكل هذه الجرأة ، أنت ذاهب لقتل الناس ، نحن لنا قضية عادلة لا تستوجب سفك الدماء .

عبد العزيز : الا اذا اضطرنا الموقف . أحمد : دعونى ولو مرة واحدة ، افعل شيئا ، اطعن ، اغرز موسى ، اطلق النار . مظاهرة بلا دماء ، بمثابة احتجاج نسائى . عبد العزيز : أرأيت ما اصعبه هذا الأحمد ؟ التجانى : سيثأر من مارغريت المسكينة التى يحبها كل الناس . أحمد : والتي لا تحب أحدا من الناس حتى التراب الذي يمشون عليه . ( نقرات سريعة على باب غرفة عبد العزيز يطفئون الضوء ، ويختبئون فى الانحاء ) .

عبد العزيز : من ؟ مسعودة : قم يا ولدى ، أطاروا النوم من جفوننا ، كسروا البيت . عبد العزيز : أمي ماذا وقع ؟ . مسعودة : مثل الليلة السابقة ، هجموا على الدار ، وفسوا ما فيها وقلبوا رأسها على عقب . عبد العزيز : من هم يا أمي ؟ من هم ؟

مسعودة : العتروس والمعزات ، ابوك توضأ . . وترك باب الخربة مفتوحا . فخرجوا منه .. فعلوا بنا ما فعلوا . تعال .. قم يا بنى ..

عبد العزيز : سوف آتى بسرعة يا أمي  . ( يخرج عبد العزيز ويبقى فى الغرفة أحمد والتجانى  بمفردهما ) .

أحمد : سافروا ورتبنا أمورهم على أحسن ما يرام . التجانى : افضل من أن يحضروا المعمعة .. وربما اشتبه فى امرهم ، وسيقوا الى البحث وهم لا يعرفون غيرنا فى البلدة . أحمد : المظاهرة التى تتحدث عنها ( فى فليزتك ) ؟ . التجانى : والتى ستؤكد قضيتنا ، وتجعل المراقب وجماعته يجزمون بان الهادى له انصاره ، وله قضية ها هى موجودة . ولقد وقع ذلك فى كل البلاد من الشمال الى الجنوب . فهل يعقل ان نبقى معزولين هنا فى ظلام البيوتات والغرف الخانقة . نبيع البطاقات فى السر .

أحمد : كنت دائما أحاول الوصول بذهنى الى مثل هذه النتائج . التجانى : وعندما وجدنا الهادى يتطوع لان يدخل السجن ويعلن ان هناك قضية نضال وحرية لهذه البلدة . الا يمكن ان نواصل الطريق معه ؟ . أحمد : نواصله . نعم نواصله ، وبنفس الحماس والحدة . اعطني مظاهرة فقط . . اعطني رجالا فقط .. ( يدخل عبد العزيز عليهما وهو فى حالة اضطراب ) .

عبد العزيز : الساعة الآن السابعة والنصف صباحا . السيد الوالد دخل من المسجد . هو مؤشر الوقت عندى وعبيد لم يأت الى الآن . التجانى : لا حاجة لنا به .. أحمد : ربما كنا نحتاجه لجمع الناس فقط . فها نحن فى انتظار حل التجانى للمشكل .

عبد العزيز : وهو من غير شك يعلم بكل ما نعلم .. التجانى : ومتى كانت تهمه اعمالنا .. لولا بعض ما نعطيه من الدراهم ، يشترى به شجائر او خمرا .. عبد العزيز : افادنا على كل حال ..

التجانى : بقدر ما استفاد منا . بقدر ما كنا نمد ايدينا الى جيوبنا . عبد العزيز : إذا حضر الآن فلن نستغنى عنه ، واذا لم يحضر قلت له ان عبيد وحده يستطيع ان يقود المظاهرة بيسر ..

أحمد : هات هذه المظاهرة .. هاتها .. اين هى ؟ التجانى : فى الساعة الثامنة والنصف بالضبط ، ستلبس قشابية ، وتتنكر فى اثواب قذرة متسخة ، وتتجه من هنا وبدك قفة ، مهترئة الى رحبة الغوث سيدى عبد الله وهنا ستجد جمعا كبيرا من النساء والرجال والاطفال والشيوخ .

أحمد : جمعتهم انت . التجاني : كلا .. هم سيأتون بطبيعتهم لاخذ دقيق الصدقة الذى اهداه المراقب بالامس للعشيرة عندما ذهب الحاج ، والاعيان للاعتذار له .. ادخل بينهم ، وبث الاشاعة فى ان الدقيق سيوزع امام دار المراقب ، ولا تنتظر ان يتبعك جميعهم ، ولا ان يؤيدوا أو يتشاوروا بعضهم بل تقدم انت ومن معك من الجماعة والبقية سيتبعونك بدون شك ، ويجرى الاطفال والشيوخ حاول ان تجرى انت فى المقدمة ، ثم عند اقترابك من دار المراقب اشرع فى الهتاف ، سيقلدونك من حيث لا يشعرون .

عبد العزيز : وسيفرحون بالصياح والضجيج . . أحمد : وفي النهاية ؟ التجاني : حتما سيفرقونكم بالقوة ، ويعقلون البعض ، وتسرى فى البلاد اشاعة تنظيم مظاهرة ، ويسمع الهادى فى زنزاته اصوات الناس ، ويشعر بانه قوى ، اقوى من الجدران .

عبد العزيز : طريقة سحرية . احمد : وفنية للغاية ، سأطبق فيها كل ما قرات من مغامرات لوبين وهولمز وقصص الجن . التجانى : الآن نستطيع ان ننطلق . عبد العزيز : وانا ايضا .. لقد حان وقت العمل .. الى اللقاء ( يخرجان )

( المشهد الثالث )

عبد العزيز : ( يتحدث مع نفسه وهو يتمشى فى ارجاء الغرفة ) هذا الطريق سيغص بعد حين بالخطى . وسيندفع فيه الناس

راكبين مهرولين .. وسدو ارجاؤها بالهتاف الى الحرية . الشمس فى هذا النهار ستقول لقد شاهدتهم يوما مسرعين ولثمت جباههم ، وقبلت مواطئ اقدامهم ، واعمدة الهاتف ( تشير الى صورة فى الجدار ) التى تقف هنا صامتة فى احدى الصحارى ، وهناك شامخة فى نهاية الطريق ستهزها الاصوات وتنتشى برجعها ، لتعزف على اسلاكها نشيدنا ، وتحمله الى اقصى المعمورة ، الى عوالم الشمس ، وعوالم الجليد ، واذن الهادى ستلتقط كل هذه الاصداء ، فيزداد ايمانا وباسا . متى سيمرون من هنا ، واتملى منهم ، متى سيمرون تحت النافذة . ( يهز الباب بقوة يقرع ، ويقتحم الغرفة جندرميان ومعهم عيسى ) .

عيسى : ها هو الجاني .. ها هو . رونى : التجانى .. كنت تعتقد انك ستفلت من القبضة . التجانى : قبضة من ؟ روني : قبضة السلطة . . العدالة التى تسعى الى تخريبها .. التجانى : انكم مخطئون فى .. آ لا ن : تعنى في القبض عليك وانت مسافر فى العاصمة . . رونى : اين الدوسيات والبطاقات . التجانى : ليس لدى اى شئ منها . .

آ لا ن : فتش .. اين قال عبيد انه وضعها .. اين قال . . في مكان ما بالسقف .. ( يخرج خارطة من جيبه ويقارن بينها وبين السقف ) هناك .. فتش .. قد يكون هناك .. هكذا قال عبيد .. وها هو لم يكذب عن التجانى .. رونى : ( يعتلى المائدة ، ويرفع قطعة من اللوح تحتها الاوراق يدسها فى محفظته الجلدية ) هى نفسها كما وصفها تماما . . آ لا ن : والآن فلنذهب لقد انتهى الامر . التجانى : ( وهو يسير بينهما ) لم ينته الامر ، اليوم ، اصبحت قضيتنا اكثر عدلا ووضوحا .. لقد خرجت الى النور .

( ستار )

اشترك في نشرتنا البريدية