الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

مسرحية :, كيف لا احب النهار ؟

Share

* أشخاص الرواية *

عيسى  ............................... صبايحى بدار المراقب الشاذلى (شيتة ) ...................... صبايحى بدار المراقب مسعود ............................... زنجى سائق المراقب ميشال ................................ المراقب مرغريت ............................... زوجة المراقب التجانى ................................ ابن الحاج أحمد البوزيدى الحاج البوزيدى ........................ شيخ العشيرة، ومن أعيان البلدة البشير ..................................أخ الحاج البوزيدى مصباح ................................. مؤدب الحى الأم ..................................... زوجة الحاج أحمد فوزية ................................... زوجة الهادى عبد العزيز .............................. موظف بمصلحة البريد أحمد .................................... شاب مثقف انقطع عن التعليم       الرجل الأول ...................... أهالى السجناء       الرجل الثانى .......................       الرجل الثالث ...................... جندرميان ................................ رينو                                            آلان

عاد الشبان الثلاثة من العاصمة ، بعد ان اتم اثنان منهم تعلمهما وانقطع الثالث عن مواصلة دراسته لاسباب سياسية فاشتغل الهادى فى التعليم ، وبقى زميله التجانى يعيش على ثراء والده الحاج أحمد البوزيدى شيخ البلدة ، واكبر اعيانها ، اما ثالثهم وهو أحمد الشاب المندفع الذى جرت عليه ميوله الوطنية ، ووعيه المبكر ان يطرد من المدرسة . فيعيش مع اسرته الفقيرة عالة عليهم ، مما جعل حماسته وغضبه على الاستعمار يعنف ويزداد .

اجتمع ثلاثتهم بحكم زمالتهم فى السابق على رغبة واحدة هى تكوين خلية حزبية وتم لهم ذلك بفضل ما للهادى من ذكاء وتجارب ، وبفضل تجاوبهم فيما بينهم ، وتأثرهم بما رأوا فى البلدة من ظلم مسلط من قبل المراقب ، وتأكيدا لهذه العلاقة الصادقة ارتضى التجانى ان يزوج اخته فوزية من الهادى رغم معارضات والده شيخ البلدة الذى يانف مصاهرة الطبقات التى ليست من مستواه . وانعكست آثار هذه الزيجة فى البيت الجديد الذى جعلوا منه مقرا لاجتماعاتهم بعد ان انضم اليهم عبد العزيز الشاب الوديع الطبع،موظف مصلحة البريد . واصبح اربعتهم يعملون فى الخفاء ويوزعون البطاقات والاشتراكات والمنشورات . وامتد نفوذهم الى القرى المجاورة التى يعمل بها عمال المناجم ، فاستطاعوا ان يخلقوا بينهم وبين هؤلاء جوا من التلاؤم والتساجم .

ويتضح اخيرا للجماعة ان عملهم السرى ليس ايجابيا . ولم يكن مجديا ، خصوصا بعد ان اكتشفوا انهم اصبحوا محل شبهات البوليس .

وخيفة ان يلقى عليهم القبض وهم فى مخابئهم كالجرذان كما يقول احد الابطال ، يتطوع الهادى لان يكون كبش الفداء ، وان يغامر بنفسه فى سبيل ان تاخذ قضيتهم طريقا آخر ، هو طريق النضال العلنى . فيوعز الى زوجته فوزية بالاتفاق مع اخيها وصديقه التجانى بان ترفع بعضا من التقارير والبطاقات مزورة الى والدها الحاج مدعية انها وجدتها فى جيوبه ، وهو يتولى مهمة ابلاغها ا لى المراقب المدنى . ويعتقل الهادى وتنحصر الشبهات فيه وتسلط الاضواء عليه بينما يخلو الجو للجماعة ليفكروا من جديد كيف يستطيعون ان يجعلوا من مشكلة الهادى قضية وطنية من خلالها يبرهنون على غضب البلدة كلها وتشوفها للحرية ، ورفضها للظلم .

الى جانب هذا نرى الفريق الذي يقوده الحاج أحمد البوزيدى وجماعة من الاعيان ، يقوم هو الآخر بتنظيم موكب من النساء والرجال والاطفال للاعتذار باسم البلدة للمراقب عما صدر عن الهادى . ونلمس بوضوح مدى التباعد الذهنى بين جيل وجيل . ونتحسس الانشطار الذى تعانيه البلدة .

* موكب الحاج الذى انتظم كان من نتائجه حصول الفقراء على بعض أكياس من الدقيق . * والمظاهرة التى كان من المقرر ان يقوم بها الجماعة ردا عليه ، افضت الى اعتقالهم .

ورغم ما بين النتيجتين من تفاوت فقد قال التجانى وهو يسير بين جندرميين فى آخر مشهد من مشاهد المسرحية :  ( ... لم ينته الامر ، اليوم اصبحت قضيتنا أكثر عدلا ووضوحا ، لقد خرجت الى النور . . . ) .

الفصل الأول

بناية شاهقة ، محاطة بحديقة من الاشجار ، مسورة بسور من الاسمنت ، مشبكة أعاليه بأسياخ من الحديد ، رمحية الشكل ، تظهرها و كأنها مطوقة بفرقة من المحاربين الزنوج فى تأهب للصراع . مسحة من السكون الرهيب تغلف المكان . وبداية امسية عابسة تلف أفق البلدة .

أمام البناية طريق عام ، يشق البلدة من وسطها ، يعبر الممر الرئيسى للسكان فهو يصلهم بالسوق ، والحقول وأماكن الحياة الاخرى .

على المسرح يظهر الطريق والبناية فى نصف مواجهة للجمهور ، وفى نهايتهما تلوح البلدة بمآذنها ، واحواشها المبنية بالطوب ، والقباب ، والنخيل . وهى فى أشد حالات الانفراد والوحشة .

هذه هى دار المراقب المدنى ، وأمامها يجلس الآن حارسان من الصبايحية ، يرتديان الزى الادارى . كل منهما يجلس فى مقابلة الآخر .

أحدهما عيسى وهو ممن تجاوزوا العقد الخامس من العمر ، وقد خططت أخاديد كثيرة وجهه الذى تبدو عليه سيماء القسوة ، وحدة الرجل الذى اورثته  مهنته جمود الدارس المتمرس بواقع الحياة . أما زميله الشاذلى وقد وقع تحريف اسمه إلى (( شيتة )) فيشابهه فى النفسية الا ان شعورا بالاثم يسيطر عليه فيحاول دائما ان يخفيه بظاهرة التقرب من الله ، وبافتعال التقوى . الوقت : الساعة الخامسة مساء .

عيســـــى : أسمعت وقع الخطى ؟ . شيتـــــــــة : لقد حان الوقت ... عيســــــى : وماذا تنتظر ؟ شيتــــــــة : ( يتململ فى كرسيه بضجر ) . لنستعد لأداء التحيه لجنابه . عيســــى : ( يسوى حزامه ) . قال لى ذات مرة : ان ضخامه كرشى ،            والهيئة الحربية لشواربى توحيان بالثقة الادارية . شيتـــــــــة : عادة الناس ، يهابون السمين . ما الفرق بينى وبينك ، مع            ذلك فعندما تكون أئت معى فى الحراسة أصبح انا بلا عمل . عيســــــى : انظر كيف سأقابله بها .

شيتــــــــــــــــــة : عندما تتقاعد سيفقد مسيو ميشال ، هيبة الادارة ، وستحل               كارثة بالسلك الادارى للصبايحية . عيســــــــــــــى : سأطلب لها من جنابه معاشا خاصا لتظل محتفظة بوقارها               وبماضى السلطة .               ( تقترب الخطوات من الباب . . . فيسكتان . يخرج رجل فى                مقتبل العمر ، وسيم الوجه ، عليه مخايل النعمة . وهو من               المعروفين ومن اثرياء البلدة ) .

عيســــــى : أرأيت استعدادنا كله ؟ ! شيتــــــــــــة : كان من أجل ولد الحاج أحمد البوزيدى ... عيســــــــى : نفخة البطن ، ٠٠ مورد الخدين . . مكحل الاجفان . . البقر ..             والذهب ، والكلاب . زوج أخته فى الحبس ، الهادى . . نعم             يلزم الحبس . (( يأكلون الغلة ويسبون الملة )) .

شيتــــــــــــــة : عندما أدخلت البرقية . وجدته وعلى وجهه علامات استجداء              واستعطاف . لا بد انه جاء لطلب العفو . عيســــــــــى : وماذا تعتقد أن تكون النتيجة ؟ . شيتــــــــــــــــة : غدا يخرج الهادى من السجن . عيســــــــــــى : قضيته صعبة ؟ . شيتـــــــــــــــــة : تتوهم أنها صعبة .

عيســــــــــى : والبطاقات والاوراق ، والدوسيات . امرأته هى التى وشت              به . تكرهه . أجبرها التجانى على الزواج منه . وادلت بشهادة              ضده . عائلات ، غنى ، ثراء . . اشياء غير مفهومة . شيتـــــــــــــــــة : الله يسترنا يا عيسى . عيســــــــــــى : نعم ( يتابع بنظره سيارة التجانى ، وقد بدأت تتحرك من خلال              صف الرماح ) مر قدامنا ، ولم يمتعنا حتى بنظرة احتقار .              ( يبصق وراءه بتأثر ) ما شاء الله على الشبعة .

شيتــــــــــــــــة : ومتى بدأت تحس بهذه الكيفية .؟ عيســـــــــــى : كلما خلت هذه الساحة من الفقراء ... شيتــــــــــــــــة : وعمرها الذين يعرفون كيف يعاملوننا .

عيســـــــــــــــى : بالاحتقار . . بالصمت ، والامعان فى اللامبالاة . أهذا حقنا                يا شيتة ؟ أأنت أيضا ؟ شيتــــــــــــــــــــة : أنا ابن فاطمة الهجالة . رحاية القمح ، حناية الاعراس والاعياد ،               والدى مات ، وانا صغير السن فلماذا اطلب احتراما .

عيســــــــــــى : نعم الفضل فيه لهما ( ينظر الى زنديه ) هما تحملا المتاعب              والاعباء ( يتفطن الى مراقبة شيتة فيستدرك بتخابث ) مسيو              ميشال والمدام ، كانا قد انقذانى من الاحتياج بمجرد ان طلبت              عملا منهما ( يعيد النظر فى زنديه ) . . بهما تسلقت هذه              الدرجات ( يشير الى درجات البناية ) وجلست على هذا              الكرسى . وازدادت هذه البطن انتفاخا . . والآن .

شيتـــــــــــــــــــــة : لا خوف عليك ( يغرق فى الضحك ) . تربيت فى ديار                الجنرلات . وعلى بقايا الموائد ، علموك الكلام واعطوك منطق                الثعالب . تتحدث عن يديك أم عن المراقب وزوجته . عيســــــــــــــــى : عن كليهما ياشيتة . بالامس سألنى ابنى متى ستموت ؟ لأنه                شاهد جنازة الطاهر الحفناوى ، والبكاء عليه فانتزعت الخبز من                بين أصابعه ، وأغمضت عينى ، واخرجت لسانى لأخفيه فبكى .

شيتــــــــــــــــــة : وللمرة الثانية تظهر لى فى هذا اليوم فى صورة فيلسوف . عيســــــــــــــى : فيلسوف . . فيلسوف . . ولم لا ؟ ! . . قليل فى حق رجل               جاوز الخمسين . شيتـــــــــــــــــــة : ويزن قنطارا من اللحم .

عيســــــــــــــــــى : ولا يملك من الارض سوى ، حصان (( البايلك )) وبندقية ،                 وحفنة من الأوامر . ( يلتفت مشيرا باصبعه الى الاشجار ) غدا                 يأتى الخريف يا شيتة ، ونأكل البرتقال من هذه الاشجار التى                 رعتها أيدى السجناء . غدا يزهر حقل البنفسج ، ويينع                 وتقطفها المدام . ولنا الذكريات . . وما من احد يمكن أن يسمع                 أحلامنا . . .                  ( تتلاشى نداءاته فى سجف الظلام التى تبدأ مع تكاتف ظلال                   الاشجار . . وتدق الساعة ، صافية ، وحيدة من الداخل ست                    دقات على اثرها يسمع صرير الابواب وحركة جلبة ، ثم ارتطام                    حذاءين قويين ) .

عيســــــــى : سيكون هو القادم من غير شك . شيتــــــــــــــة : ونحن الوقوف .

عيســــــــــــــــى : دائما على استعداد للواجب .                ( يتهيآن للتحية ، فيبرز من الباب وجه مسعود سائق المراقب ،                  وهو زنجى ، بهى الملامح . . ضحوك ينفجر بالضحك حين                 يشاهد استعدادهما ) . مسعـــــــــــــــــود : مسيو المراقب خرج من باب الفيلا . عيســـــــــــــــــــى : واستبدلنا الله به وجهك الاسود ( ببرود ) وأراحنا منه ، ومن                 نظراته الزرقاء المستعرة . جموح بحر الظلمات ، وخليج                 الخنازير ، وصلف جبال الآلب ، عينان من جليد .

شيتـــــــــــــــة : ( يصطنع الجد ) : هذا رأيك انه فيه ؟ عيســـــــــــى : رجل يعرف الناس . ألديك ما تقوله ؟ فى حكم عيسى على               الأشياء . شيتــــــــــــــــــــة : عيسى الذى لا يقدر معنى النظرة التى حرمنا منها . إنه يوم لا                أتصوره كيف سينتهى . كان طيفه يتسرب الى ، ويجثم على                بطنى ، يدفعنى الى الحذر والنوم . وماذا ساصنع الليلة بدون                نظرات ميشال .

عيســــــــــــــــــى : ستهزك هذه البطن ، حتى ترقد ! شيتـــــــــــــــــــــــة : ( يواصل فكاهته من غير مبالاة بكلام عيسى ) . . . وعندما                 أفيق أجد زعرة قد ادخلتنى بين فخذيها ، وشدتنى لتهدئ من                  ثورتى . اعرفت الآن مفعول نظرة ميشال . عيســـــــــــــــــــى : عرفت خوفك منها ...

شيتـــــــــــــــــة : ارنى شجاعتك . تحدث . طالما قلت ان له عينين رهيبتين . عيســــــــــــى : يا شيتة . . . انا الرجل الذى ينام معانقا امرأته ، ويحس ان              بجانبها مرقريت تزاحمها الفراش . فيأبى الا ان يؤثر الزوجة              المحترمة . . . روائح العفص والتوابل ... والقرنفل ،             والمسحوق على جسدها . فما بالك بنظرات زوجها .

شيتــــــــــــــة : أم العشرة أطفال . عيســـــــــى : نعم أم الرجال العشرة ... مسعـــــــــود : ( يتدخل فى النقاش وهو لا يزال واقفا على المدرج بينهما ) وأنا              عندما أنام ، تسول لى نفسى اننى اصبحت كلبا كبيرا . حين             آخذ طريقى الى بيت ميشال ، وادخل غرفة النوم من الشباك .             و بينهما اندس فى الملاءات الدافئة ، فتمتد فى غطيط النوم يدا

ميشال بلا وعى الى ظهرى ، تتخللان نعومة شعرى وتتعلقان برقبتى . . وتمتد يدا مرقريت تتلمسان نعومة جلدى فاهز ساقى وارقص لهما ، ارقص حتى الاغماء .

عيســــــــــــى : أرأيت أمانى مسعود الطموح ؟ شيتــــــــــــــــــة : خيالات هوجاء . . . عيســــــــــــــى : ولكنى سأحققها له ، ويدخل الفراش الذى تمناه رغما عنك ...                من اليوم يستطيع مسعود ان يسمى نفسه الكلب المأمول . بعد                 ثلاثة اشهر فقط ( يعد بأصابعه ) جانفى ... فيفرى ...                  مارس ... سوف أخلقك كلبا اصنع ذيلك من الصوف                  والوبر . . . وارجلك من العاج والابنوس ... وراسك من                   الجلد . تصور نفسك بهذا الشكل . وأنا اقودك فى ليلة أول                   أفريل إلى دار المراقب من قلادة مرصعة بالودع والعدس والسمسم                   ( ينفتل نحوه ويحدق فيه ) حينما أومئ اليك أن أجلس فى                   حجره بتأدب . ستناديك المدام وتعطيك الحلوى وتضع كفها                    على انفك .

مسعـــــــــــــــود : واشم عطور باريس الحلوة . عيســـــــــــــــــى : وعندما أهم بالانصراف ( يطيل التفكير ) . مسعــــــــــــــــود : ألحس وجهها واهرب معك . شيتـــــــــــــــــــــــــة : انه أبله ، لا يصلح أن يكون حتى مجرد كلب يقدر المواقف . عيســــــــــــــــــــى : بدلا من ان تعضها تلكا واعصنى فاهديك اليهما . وتصبح                 الكلب الاعجوبة ، كلب افريل .

مسعـــــــــــــــود : ( تلمع عيناه بفرح طفولى ) ولا تنس ان تقول له ، ان هذا الكلب                 لا يرقد الا بين زوجين لانه من سلالة بشرية ممسوخة . شيتـــــــــــــــــــــــة : مسخها عيسى النجار .               ( يظهر ميشال ومرقريت مقبلين من الجانب الآخر للحديقة ،               ومن ورائهما كلبهما ) . عيســــــــــــــــــى : بسرعة . يا مسعود افلت من هنا . شيتــــــــــــــــــــــــة : ناحية المستودع .

مرقــــــريت : ( تستند الى باب الحديقة منادية ) كحلوش . . . كحلوش . . . عيســـــــــــــى : ( يضخم النداء ) مسعود ... كحلوش ... يا كلب المستقبل              (يشده من يده ويقوده الى مرقريت ) ... ها هو ...

مرقـــــــــريت : ( تمد اليه مفاتيح السيارة ) اركبه فى الكرسى الاول               بجانبك . . . عيســـــــــــــى : احمل الكلب بين يديك ، انك مرشح للمنصب ...               ( يخرجون ) . عيســـــــــــــى : سرعان ما اختفوا عن الانظار . . غابوا . . وابتلعهم الطريق .               كأننا لم نكن معا هنا . شيتـــــــــــــــــــــة : وهل اعطيتها الباقة ؟

عيســـــــــى : بعثتها الى البيت مع مسعود ... شيتــــــــــــــة : هى جميلة . هدية أبناء الملاكة . منسقة ورشيقة . . . عيســــــــــى : قلت لك انها مقدمة لاطلاق سراح الهادى . شيتـــــــــــــــة : ولكن سراح الهادى ليس فى حاجة الى رشوة . مجرد كلمة من              الحاج ، فينفتح السجن .

عيســــــــــى : ومن قال انه يرضى التدخل . شيتــــــــــــــــة : إذا لم يكن هو الذى دفع ابنته للشهادة ضد زوجها . عيســــــــــــى : عجيب هذا الزمان . الزوجة تسجن زوجها . الصهر يهدى              الورود تعبيرا عن رضاه بسجن صهره ، وصمت مطبق يغلف               كل القضايا .

شيتــــــــة : ونحن نتلقى الاوامر عيســـــى : الضرب والعصى . . . السباط ... يجب ان لا تكلم السجناء ،            ابصق فى وجوههم ، احتقار . ليرفعوا المساحى وينبتوا ازهار            البنفسج فى الحديقة . . ماذا نقول للاوامر غداة تنزل ؟ !  شيتــــــة : ( بتهكم ) نقول لها . انى سأفارقك فى الساعة السابعة .

عيســــــــى : ولا تنتظر مقدم مسعود . شيتــــــــــــــة : ولماذا انتظره ؟ عيســــــــــى : الا تهمك الاخبار والجديد من الحكايات والنوادر. شيتــــــــــــــــة : لست فى حاجك الى ان اشغل بالى بأمور أخرى . عيســــــــــــى : حتى أمور مرقريت وميشال ... شيتــــــــــــــــــة : ولا غيرهما .

عيســـــــــى : انتظر ، سوف يأتى مسعود ، ويحكى لنا عن هذه الليلة ، واين             قضوها ( يشير الى نفسه بكبرياء دفين ) يا لكم صاحبنا             جنرالات وكومندات الى حفلات ليلية ، وسهرنا ننتظرهم أحيانا              معلقين فى سطح او جدار ، نسترق النظر اليهم ( يظهر فى آخر              الطريق جمع من الفلاحين آيبين من الحقول على ظهور أحمرتهم              وهم يغنون ) الناس كلهم هكذا يعودون فى الظلام ، وفى مثل              هدا الصمت ، مواكب حزينة كابية ... تركناهم على هذه الحال              وذهبنا الى الحرب وعدنا منها ولم يغير الزمن شيئا منهم ...              نفس الطريق . . .  نفس الوجوه . . . نفس الاغنيات والبهائم             ( ينهض من مكانه وهو ما يزال ينظر الى البعيد ) اسمع              يا شيتة :

شيتـــــــــــــــة : ( يتصنع مفاجأة من قوطعت نجواه مع ربه فيجيبه بذهول ) نعم             اشهد ان لا اله الا الله ... عيســـــــــى : ( لا يأبه له ) وصلنا إلى منطقة الفوزج ، وكان الليل قد داهمنا ،             وحاصرنا الخوف من كل ناحية وبدا الجوع يعض احشاءنا . وفى             الطريق لمحنا على يسارنا وراء تلة بعيدة ضيعة واشجارا ،             وبناية ، تكاد تكون الوحيدة التى لم يهتد الدمار اليها . فقال             الجنرال : مل بنا الى هناك .

شيتــــــــــــة : من من الجنرالات هذا ؟ الآن اصبح عددهم ستة فى حسابى            الخاص . عيســـــــى : ( يعتصر رأسه كمن يتذكر ) على ما أظن هذا آخرهم ويدعى             بورودو ( ينظر اليه نظرة من يريد التأكد من اقتناعه )             بورودو . . . نعم بورودو . . هو بو . . رو . . دو . شيتــــــــــــة : قد اعرفه ... كثيرا ما كانت ترد على فرقتنا اسماء من هذا             النوع .

عيســـــــــى : إلا بورودو . لانه مات بعد هذه الليلة بيومين . شيتـــــــــــــــة : قد يكون . عيســـــــــــى : وصلنا الى الضيعة ، فاستقبلتنا فى بابها امرأة شابة ، كانت              قد لاحظت سيارتنا تتجه نحو بيتهم . شيتــــــــــــــــة : كم يكون عمرها ؟ عيســـــــــــى : ( يفتل شاربيه فى مظهر رجولى ) لا يزيد على العشرين سنة أو              أكثر بقليل . قدمنى الجنرال اليها باسم كومندان . ورجانى              ان انتظره ريثما يجرى تفتيشا .

شيتـــــــــــة : ودخل هو الى البيت . عيســـــــى : دخل ولم يخرج منه حتى منتصف الليل . شيتـــــــــــــة : وطبعا لم تفعل شيئا . عيســــــــى : ظهر انه نسى وجودى . وحسب أن الرتبة الكاذبة التى قلدنى             اياها امام المرأة كافية لان تنسينى الاحتقار . . كيف لا افعل             شيئا . . أبقى انتظره ؟ عساه يبقى فى السرد والخلاء ووحشة             الغربة ( يمثل افعاله بحر كات من يديه وجسمه ) . قمت وطفت             بالضيعة وجوانب الفيلا ، واهتديت الى كوة صغيرة ، أطللت             منها فرأيتهما يشربان ، والجنرال محمر العينين وسرواله مرمى             على الارض .

شيتـــــــــــــــة : ( يبتسم فى استهزاء ) ولم لم تكسر الباب وتقتله ... والحرب               هى المسؤولة . . . عيســـــــــى : لاننى فكرت فى مكيدة انجع واحكم . شيتـــــــــــــــة : ( بتهكم واستغراب ) انجع واحكم ! عيســــــــــى : نعم . اقتلعت شجرة وربطتها فى حزامى ، وانغرزت الى جانب              الاشجار . وعندما خرج المسكين نادى ... صرخ ... بحث              عن كومندانه الجديد فلم يعثر عليه . . ولما اعيته الحيلة ركب              وارتحل ظنا منه ان الالمان اختطفونى . . . ألم يكف انى نجوت               من العسكرية بهذه الطريقة . أليست هذه حيلة ؟ .

شيتـــــــــــة : ومكثت مع المرأة . . . عيســـــــى : مدة قصيرة فقط ، اعتقلت من طرف الالمان . وعندما              قادوني الى ٠٠٠ شيـتــــــــــــة : ( يهم بالقيام ) يكفى الليلة ، قف عند هذا الحد . عيســــــــى : ( يقلع عن مواصلة الحكاية ، لكنه يتجاهل ملاحظات شيتة ويبقى             يحدث نفسه ( فى المعسكرات حياة اخرى . . . عوالم . . .             عذاب وقتل وتجويع ( يتحول بالموضوع فجأة ) ومسعود يسهر             الليلة خارج حانة أو منزل فى العراء والنسمات . مسكين قليل             فى حقه أن يتمنى مسخه الى كلب .

( المشهد الثانى )

تتغير الانارة ، فيظلم المسرح ويتوغل الوقت فيما بعد السابعة مساء . ينهض شيتة للصلاة ومغادرة البناية لانتهاء عمله . ويبقى عيسى بمفرده في الساحة ، فيطل من الباب على الساعة المعلقة ويقابلها بالتى فى يده . ثم يقترب من السور ، وينادى من فوق الرماح بلهجة آمرة على جمع من الناس ينتظرون بالباب .

عيســــــــــــى : عشاء المساجين ... بسرعة . . كل واحد يأتى من جهة               الباب . . . أمش ... تقدم . أ لأ و ل  : هذا عشاء عبد الله . عيســــــــــــى : عبد الله سارق البغلة . تبارك الله ! الثــــــــــــــانـى : هذا عشاء مختار . عيســـــــــــــى : مختار الاقرع بياع التكرورى . يستاهل الطاعون . الثـــــــــــــالث : هذا عشاء الهادى . عيســــــــــــــى : آصهر الحاج . من عند من ؟ من الذى ارسله ؟ الثــــــــــــــالث : من دار عمى الحاج .

عيســــــــــى : هو الذى أعطاك اياه ؟ الثــــــــــالث : لا ... التجانى ابنه ( بتخوف ) التجانى قال لى خذه الى               عمك عيسى .                    ( ينصرف الاهالى ويبقى عيسى بمفرده )

عيســـــــــــــى : ( يتحدث الى نفسه ) ماذا لو قمت بهذه التجربة ؟ . عشاء               الهادى أفاويح ولحم وزيت كثير ، أعطيه الى مختار الاقرع .               وعشاء المختار خبز يابس أعطيه الى الهادى ... وعبد الله               المسكين ؟ . أيأكل هذا الكسكسى الجاف ؟ . . لا . يجب ان               اجرى قرعة بينهم . وصاحب الحظ هو الذى يفوز بالعشاء               الدسم . تماما مثل عدالة الارض . . . صاحب الحظ هو الذى                يأخذ ... اختراع جديد من تفكير عيسى .                وزيادة على ذلك سأعرف من خلال هذه التجربة ،                المجرم الحقيقى الذى يكون نصيبه العشاء التعس . خلوا الخريف                ياتى ، لنأكل البرتقال من الشجرة التى شذبتم غصونها                 يا مساجينى المساكين .

صــــدى : خلو الخريف يأتى لنأكل البرتقال يا مساجينى المساكين . . .            ويزهر حقل البنفسج فتحبكم المدام . عيســـــى : ( باندهاش وهو يسمع الصدى ) أصوات أصداء . اما زالت            هناك شياطين ، وفى الليل ؟ . عجيب عجيب لقد كنا نعرفها            عندما كنا صغارا نصرخ فى القيلولة . ذهب شيتة وتركنى .            صلى وذهب كاننا لم نكن معا هنا ( يسمع قرعا على الباب             فيصيح ) من ؟

مسعود : ( مضخما صوته ) مسعود . عيسى : جئت اذن . انت الذى صنعت الشيطان . مسعود : لقد كنت كلبا فقط . والآن كيف اصبحت كلبا وشيطانا . عيسى : من اين الأصوات اذن ؟ . من اين الاصداء ؟ . مسعود : جننت يا عيسى . عيسى : لا شئ كالعادة ، أجاء (( المعلم )) والمدام ؟ مسعود : جئت أنا وحدى . عيسى : والآخران .

مسعود : المراقب سافر ، أبرقوا اليه من العاصمة فى مهمة ادارية .          والمدام ( يغمز بعينيه متخابثا ) ما تزال ساهرة . . . ( يسكت          وهو يستطلع الجواب فى عينى عيسى ) مع احدهم .

عيسى : من العشيق الجديد ؟ مسعود : سمه ان استطعت ؟ عيسى : نيكولا ... سافوال ... دوبري ... مسعود : لا يا سيدى ... عيسى : آلان . . . فيليب . . . ماران . . . مسعود : لا يا سيدى أيضا . . . ( يسكت قليلا ) . هي مع التجانى ولد           الحاج أحمد البوزيدى . التجانى فقط لا فيليب ولا ميشال . عيسى :  ( باندهاش ) التجانى ؟ مسعود : ( يهز رأسه مؤيدا ) هو بعينه تركتهما معا يأكلان ويشربان           ويتناجيان . عيسى : التجانى بعث الآن عشاء صهره الهادى .

مسعود : وهو الذى يجلس الآن فى مظعم التر نزاطلنتيك فى قبالة           مارقريت . عيسى : عرفت منذ العشية ان باقة الازهار ليست سهلة . مسعود : تلك كانت مقدمة الليلة . عيسى : وصهره ينام على الاسمنت فى الغرفة الضيقة . عجبا باعوه لينال          التجانى مارقريت وأبوه مزيدا من السلطة والهيبة فى البلدة .          سأعطيه عشاء المختار الاقرع هو احفظ لكرامته من طعام          الخيانة . لقد باعوا الهادى .

مسعود : ومارقريت اتخيلها الآن تنام فى صدر التجانى وهو يتنشق           عطور باريس . ويدفن وجهه فى اثمن عقود الالماس والذهب . عيسى  : تتركهما ، وتأتينى بخيالاتك وتصوراتك . لم تمكث هناك،            تنغص عليهما الجلسة ؟ مسعود : أمرتني هى بأن آخذ السيارة وان لا انتظرها ، كانت تكلمنى           باحتراز متزايد ، كأن عينيها الناظرتين فى ظلمة سحنتى           تحذرانني من الكلام ، وان اتكتم أكثر من اللازم .

عيسى : وها قد وفيت بالوعد . وكنت عند حسن الظن ( يتوجه بالكلام           الى الاشجار ) . الا يكفى رضى ميشال عن الحاج حتى ينال           الابن رضي عنبية الشعر ، لتزداد البلدة صلافة واستعلاء ،           وتثقل بروتوكولات الدخول والخروج علينا من هذا الباب . مسعود : وتزاحمك العيون فى النظر الى مارقريت . عيسى : اسمع يا مسعود لو يغتر المسكين بها تفسد الدنيا فى رأيى .           نحن نشتم المشاكل ، نشعر بها ، تهب على أنوفنا كرائحة المطر           قبل النزول . وانى لاشتم فى هذه العلاقة مشكلة كبيرة لا اقدر           على تفسيرها .

مسعود : أنت كل الدنيا ملآى بالمشاكل فى نظرك . دعنى من الاوهام .  عيسى : ليس وهما ما أقول يا مسعود . نحن رجال كومباطا ...           تجاوزنا سن الخمسين ... نعرف أشياء كثيرة ولنا أطفال           ( يمد يده ويخرج ورقة من سبورة الاعلانات ) انظر ما هذا           يا مسعود . مسعود : ورقة . . . عيسى : اقرأ ما كتب فيها .

مسعود : ليست هناك كتابة . . عيسى : وهذه الارقام ؟ مسعود : 5670 . عيسى : ما معنى 5670 ؟ مسعود : ما معنى 5670 ؟ عيسى : هذه الورقة كانت ملصقة بالباقة . . باقة الازهار التى بعثها          التجانى الى ميشال مع احد عمال أبيه والتى أعطيتها اليك فى           العشية بعد خروجه واوصلتها الى البيت . مسعود : وكيف عثرت عليها ؟ عيسى : عندما كنت أهم بتنحية وردة ، لمحت الورقة فقلبتها على اقرأ           عليا كلمة مما اعتدنا ان نرى فى الهدايا فلم اجد سوى هذا الرقم ، فانتزعتها .

مسعود : واحتفظت بها . . . عيسى : خيفة أن أطالب بها فاستطيع الادعاء بانها سقطت وانى وجدتها          ملقاة على الارض . مسعود : وبماذا تفسر هذا الرقم ؟ ميسى : بلا شئ . . . لا رأى لى على الاطلاق ... مسعود : هات الورقة لأعيدها الى الباقة . . . الى مكانها ... عيسى : ستظل معلقة الى الابد وراء هذه اللوحة كلما اعود الى هذا الرقم          أتذكر التجانى . فربما كبر يوما وربما تغيرت الاحوال وتقلبت          الدنيا . هذا الرقم وثيقة وتذكار نتسلى بنسج القصص حوله . . . انا وشيتة .

مسعود : يا لك من رجل . عيسى : كومبطا . . . أنياب من ذهب .

مسعود : مكانتك عند ميسو ميشال عظيمة ... سيما عندما ينظر اليك           من الشرفة . . . وانت تتخلخل فوق الادهم حصانك الضارى ،           وتشتت صفوف الناس وتجمعاتهم من أمام البناية . وهو           يلتقط صورك ، ليرسلها هدايا لاصدقائه وعشيقاته بالخارج . . عيسى : لم يعد يهمنى شئ . يا ما صورنا كثيرا من كل الجوانب . . . وفى كل المناسبات .

مسعود : إلا أنت ومارقريت . عسى : حتى هذه تركناها للاطفال الصغار ، يلهو بها التجانى وغيره ،           نحن عرفنا نساء الحرب يا مسعود .          ( يجمع المواعين من على الارض ، ويرتبها فوق بعضها ، ويتجه         بها نحو مدخل السجن المحاذى للبناية . بينما يستعد مسعود للانصراف ) .

مسعود : ليلتك سعيدة . عيسى : ليلتك سعيدة ( يحدث نفسه ) فى غد سوف ينبت البنفسج .          وتينع الاشجار ، وتحفى المساحى ، وتتخشب ايدى المساجين . .           فى غد سوف أروى لشتة قصة التجانى ، صديقى الذى لا يريد           أن يعرف الحكايات .                                  ( ستـــــــــــــار )                                           الفصل الثانى فى العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية