الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

مسرح الاشباح

Share

كانت القدر موضوعة على ثلاثة احجار ، والدخان الكثيف يتصاعد حولها فيحجبها احيانا ويبديها احيانا وكان الاطفال الثلاثة يجلسون القرفصاء ، ويتجهون بانظارهم إلى القدر ، اما الأم فكانت تختفى فى البيت وتظهر فتكشف النار المنبعثة فى ظلام الليل عن هذه الصورة التى اغفلها الرسامون رغم حرص النار على إبرازها واعطائها ملامحها وظلالها ، وفى هذا الصمت كانت الجدة تلهى الاطفال المنتظرين القدر فتقص عليهم ( قصة الاشباح الثلاثة ) لم تكن الجدة التى أتحدث عنها فصيحة اللسان واضحة البيان ولكنها على الرغم من ذلك كانت تتحدث أحاديث لا توصف بالعذوبة وليس لها جاذبية وانما هى أحاديث غير مألوفة لذلك كان الصبيان يستمعون اليها بكثير من الانتباه تقول الجدة ( التى كانت النار تكشف عن تجاعيد وجهها أحيانا ) حدثتنى جدتى بانه يقيم بقصر الجم ثلاثة اشباح يختفون بالنهار ويظهرون بالليل . فتخيل أحد هؤلاء الاطفال المنتظرين الاشباح الثلاثة ، ولفه صمت عميق صمت لو لم يفق منه لما كان لكم ان تعرفوا هذه الاشباح ، ولقد أخفى شرود هذا الطفل وانتقال رؤيته من الحاضر المشاهد الى التخيل أخفى عنه ما كانت تتحدث به جدته عن مكر هذه الاشباح وبطشها وقالت الجدة كلمة لم يستمع اليها الطفل الشارد ، لم يدخل القصر طارق بالليل دون ان يضيع فيه . دخول بلا عودة بلا رجوع ، وأخذ الشعور بالخوف يلف الاطفال ، والخوف والجوع القدر أمامهم والاشباح تقيم داخل نفوسهم ، فلا القدر أطعمتهم ولا لق لاشباح انفصلت عنهم الا الطفل الذى لفه ذهول بعيد ، بقى الطفل ينظر الى اللهب الراقص تحت القدر وهو لا ينظر ويفكر وهو لا يفكر انما هو أمام مشهد الاشباح الثلاثة واقف لا يتحرك يستنطقها فلا تتكلم ومضت تلك الليلة بسلام ونسى الاطفال مع الصباح ما كانت جدتهم حدثتهم به بالليل وجاءت الليلة الثانية وانتظرها الصبى الذاهل

انه أصبح يحس بأن له علاقة مع الليل . الليل هذه المدينة العظيمة التى يسكنها الاشباح الثلاثة ولو لم تقل الجدة بأن الاشباح يسكنون القصر لاصبح هذا الطفل يراها فى كل مكان وحتى لو لم تكن لاوجدها هذا الطفل الباحث عن عالم غير مشاهد تسلل الطفل من فراشه عندما تأكد بأن الليل نام تسلل الى القصر فكان الطفل لاول شبح يشهده القصر وانتصب الطفل فى فناء القصر يبحث عن الاشباح الثلاثة . جدته لم تصف مكان الاشباح ولم تحدده فى أى مكان يا ترى تنتصب هذه الاشباح ورفت أجنحة سود من الظلام لم ير الطفل الاجنحة ولكنه لاحظ الحركة فعرف مكان الاشباح الثلاثة وتسمر فى مكانه وأخذ يستكشف بعييه الصغيرتين هذه الخلقة الجديدة وخيل إليه أنه يشاهد هيكل الشيخ الاول أنه هيكل عظمى يشبه هيكل الاموات غير ان عظامه كانت تضئ وتنطفئ مشهد مريع ونظر الطفل الى يمين المشهد والى يساره يبحث عن الشبحين الآخرين فرآهما وأحب الطفل أن يستمع الى هذه الاشباح تتحدث اليه لانه كان قبل ذلك يجهل حديث الاشباح .

فقال الشبح الاول : ما زال أهل هذه المدينة يجهلون مكان الكنوز العظيمة التى خلفها لهم آباؤهم :

فقال الشبح الثانى : وهم لا يبحثون عنها

الشبح الاول : وكيف يبحثون عن كنوز لا يعرفونها ؟

الشبح الثانى : البحث والمعرفة أمران لا يجتمعان فالانسان يبحث ليعرف فاذا عرف لا يبحث .

الشبح الثالث : تتحدثون بكل طلاقة الا تخافون ؟

الشبح الاول : مم نخاف أيها الجبان ؟

الشبح الثانى : ألا ترى أن الحديث عن الكنوز يعرضها للتلف . والضياع ؟

الشبح الثالث : وماذا يخيفك ؟ هل يخيفك ضياعها ؟

الشبح الثانى : ومتى استفدت من هذه الكنوز ؟

لقد استمع الطفل الى الاشباح تتحدث عن الكنوز وعن الخوف وعن ضياع الكنوز وعاد الى مخدعه فى الكوخ الصغير ، ذلك الكوخ الذى كانت تحرسه

كلبة جائعة تعوى عواء الذئاب لانها لا تملك القدرة على النباح فما ان احست الكلبة بالطفل يعود الى البيت حتى اخذت ترحب به ، كلبة جائعة ترحب وتظهر الفرح بعودة سيدها وكم من جائع له طبيعة هذه الكلبة وأريحيتها ؟ فالانسان ليس أقل من الكلاب شأنا ، الانسان له مزاياه يثور عندما ما لا يحب ان يثور ويرضى عندما يجب ان يثور ، الانسان غير صادق مع غريزته وهو فى ذلك على خلاف الحيوان الخوف يكيف افعاله ويغطى وجهه فلا تراه وان دققت النظر .

واخذ الطفل ينظر الى هذه الكلبة وهو يود ان يحدثها عن هذه الاشباح الا انه أحس بضيق شديد عندما عرف أن الكلبة لا تعى حديثه ولا تهمه وعاد الى نفسه يحدثها وفى النفس وض عن الآخرين .

وعاد الصباح من جديد ليمحو الاشباح ويطوى حديثها وأخذ الطفل يفكر هل يقص على اقرانه ما شاهده بالليل ؟

يهم ولا يفعل وله أن يتردد فهو يخاف أن يضحك منه اقرانه وان ينزلوه منزلة المجنون خير له ان يصمت وحتى جدته التى حدثته عن الاشباح الثلاثة أخفى عنها الامر ولم يجد من نفسه باعثا على مكاشفتها بالامر ، خوفا من ان تكذبه .

قد تكون جدته عن الاشباح الثلاثة حديث من لا يعتقد بوجود الاشباح والكنز اخذ الكنز يشغل بال الطفل الصغير لو عثر يوما على هذا الكنز ؟

اشترك في نشرتنا البريدية