الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مشاركة في دراسة، الشابى، او، على هاش اربع رسائل

Share

فى سنة 1966 نشرت 34 رسالة للشابى كان بعث بها إلى صديقه الأديب محمد الحليوى من سنة 1929 إلى سنة 1934(1 ) ؛ فكان لنشرها شأن لدى جمهور الباحثين والأدباء والقراء . وفي السنة نفسها نشرت مذكرات الشاعر ) 2 ( ، فجاءت وثيقة مفيدة للدارسين

ورأينا أن ننشر اليوم أربع رسائل له يسبق نشرها ، تفضل أصحابها باطلاعنا عليها ، إثر المشاركة التى قدمناها فى " مهرجان الشابى " سنة 1933 - 3

وما كنا لننشط لاعدادها والتعليق عليها ونشرها لو ألفيناها رسائل شخصية صرفا لا تفيد الباحثين . ولكننا رأينا - بعد النظر فيها - أنها وثائق تكشف عن جوانب من شخصية شاعرنا الكبير وطبعه وحبسه وأدبه . فكر هنا ان نستأثر بها .

ورأينا كذلك أن نشفع هذه الرسائل بدراسة تكون مشاركة فى زيادة التعريف بالشابى منا ان صاحب " أغاني الحياة " ما زال جديرا بالتعريف والدرس ، وأن البحث لم ينفذ بعد إلى حقيقة أمر الرجل ولا إلى حقيقة أدبه . . .

على هامش الرسالة الأولى

تاريخ ولادة الشابي : " 3 صفر 1327 " / 24 فيفري 1909

إن الرسالة الاولى التى ننشرها - وهي بتاريخ 17 محرم 1346 ه / ) جويلية 1927 ( تتميز بحظ غير قليل من الغموض . فهى ليست كتابا عاديا . إنما هى " وثيقة " ترجم فيها أبو القاسم لنفسه بنفسه ، منذ سنة ولادته حتى سنة 1927 . وقد كتبها على نسق المذكرات ، فلم يثبت فيها اسم المرسل إليه الذى لا نعلم عنه شيئا سوى انه " صديق " له ، رغب فى أن يعرف نبذة عن حياة الشاعر

فهل كانت هذه الوثيقة موجهة الى محمد الصالح المهيدى ؟ قد يذهب بنا الظن ، بادىء الامر ، الى أنها كانت اليه مرسلة ؛ فهى من " محفوظاته " ، وهو - فيما نعلم - أول من أظهرها ، وان لم ينشرها . إلا أن هذا الظن لا يلبث أن ينقلب شكا فرفضا لبريق الفكرة الاولى . ذلك أننا حادثنا المرحوم المهيدى فى أمر هذه الوثيقة ، فلم نسمعه ذكر لنا أنها كانت اليه موجهة . واكتفى بأن وعدنا " بجلسة أخرى " فى شأنها ، حال دونها - يا للأسف - ما لم يكن منه بد

ونحن نعلم أن الايجاز المقصود له حالاته الموجبة له أحيانا ، فلم نلحف فى السؤال ! فلنا أن نستنتج انه ليس هو الذى طلبها من أبى القاسم ، ولم تكن له حاجة الى مثل هذه الوثيقة سنة 1927

إننا نرجح أنها كانت موجهة الى زين العابدين السنوسي ، بل نكاد نوقن بذلك . فقد كان المرحوم السنوسى يعد فى ذلك العهد كتابه " الأدب التونسى فى القرن الرابع عشر " ؛ وقد يكون رغب الى الشابى فى أن يمده بنبذة عن " نشأته " و " حياته الأدبية " حتى يترحم له فى كتابه . وحسبنا أن نقرأ بعض ما جاء فى مقدمة " الأدب التونسى " لنرى حرص السنوسى على تدوين نراجم الأدباء ، قال : " كنا فى تأليفنا هذا مهتمين بالجمع ، منصرفين بكل

قوانا الى تدوين مادة الكتاب وتدوين التراجم ، الأمر الذى استفرغنا فيه كل قوانا . . " ) 4 ( . ثم إننا نلاحظ أن الوثيقة كتبت فى محرم الحرام سنة 1346 ( جويلية 1927 ( وأن كتاب السنوسى ظهر فى نفس السنة ) 1346 ه 1927 م ( . فهل من الصدفة أن يظهر تاريخ ولادة الشابي أول مرة فى هذا الكتاب ؟ والشاعر لم ينكر ذلك التاريخ كما نعلم ؛ فما هى علة هذا الرضى ؟ يسير أن نستنتج من هذا الرضى أن الشابي نفسه كان مصدر ذلك التاريخ المذكور فى كتاب السنوسى ، نعنى " 3 صفر سنة 1327 " ( 24 فيفري سنة 1909 - 5

على أننا نقرأ الوثيقة التى تعنينا ، ونقرأ ترجمة الشابى فى كتاب السنوسى ، فلا نجد هذا أفاد منها شيئا سوى تاريخ الولادة ! بل إنه يقول : " لا أعرف عن الرجل شيئا شخصيا حتى يمكنني أن أدرس ماضيه ومنابع روحه الغريب المتمرد ، فلم أعرفه إلا لماما ، ولم أقابله إلا مقابلات تكاد تكون رسمية " ) 6 ( . فهل يعقل أن يهمل هذا الجماعة وثيقة لها من الاهمية ما ترى ؟ وهى بين يديه ! فيكتفى بذكر تاريخ الولادة دون سواه مما جاء فيها ؛ نحن تعتقد ان السنوسى لم يظفر بها عندما فان بصدد " تكوين مادة الكتاب وتدوين التراجم " ، لأنها قد تكون وصلت إليه بعد التوغل في الطبع أو الفراغ منه ؛ وقد يكون الشابي أفاده بتاريخ ولادته شفويا ، ريثما يدون الوثيقة ويرسلها

وصلت الترجمة إذن بعد الفراغ من طبع الكتاب ، أو بعد طبع القسم الخاص منه بالشابى ، فاحتفظ السنوسى بها .

ومرت السنون ، وبدأت شهرة شاعرنا تسير على صفحات الجرائد التونسية ، وما هي إلا أن " زكاه " أحمد زكى أبو شادى على صفحات مجلة " أبولو " ؛ فاستأثر بالوثيقة صاحبها ، وقد أصبحت من ثمين المخطوطات المحفوظات .

أما رحلتها بعد ذلك الى غير السنوسى ، فقضية لا تعنينا فى هذا المقام .

السر المكتوم "

هذه الترجمة أو هذه " الكلمة " كما يقول الشابي " مقتضبة غامضة " ؛ وهو يؤكد هذا المعنى قائلا : " أجل ، إنها مقتضبة ، لأن أعظم ثورة أيقظتها لأيام فى نفسى ، فحولت في قلبي مجارى الحياة ، لم أصارحك بها ولن أصارحك بها ، بل إنها ستبقى سرا مكتوما هائما مع أحلامي في ظلام الفؤاد وستبقى طيفا غامضا الى الأبد " .

فهل من سبيل الى الكشف عن هذا " السر المكتوم * ؟ ليس لنا أن نقول هنا قولا إلا من طريق الحزر والحدس ؛ أفلا يكون الحدس ، مثل الشك ، طريقا الى اليقين ؟

قد لا نبعد إن قدرنا أن هذا السر المكتوم كان عشقا فى نفس الشاعر عميق الأثر ، برح به فأضناه . فلا عجب أن يكون أبو القاسم قد وجد بفتاة أو فتيات فى رأس الجبل ، أو فى زغوان ، أو فى تونس بحى الصباغين وسوق البلاط ، أو فى غير هذا البلد أو ذاك من الارض الواسعة . . . إنها فترة المراهقة العسيرة ، فيها تجيش العواطف جامحة ناعمة فى آن ، وفيها ترق العواطف حتى يرى المرء فى كل امرأة لها حظ من جمال " ريحانة " ومثلا أعلى بين النساء ؛ ولا غرابة فى ان يكون شاعرنا قد أخفق فى حبه ذاك الصادق العميق المبرح ، إما " لموت الحبيبة " إن كانت ، وإما لارتحاله عن " الديار فى طلب العلم بالعاصمة ، أو لمناعة حماها . .

والتصريح بالحب يومئذ حرام ، وإن كان حبا عفيفا غير زقاقى نظيفا ؛ فليبق فى النفس " طيفا غامضا " وفي القلب " سرا مكتوما " نارا وقودها الحس والأيام ؛ والخجل على كل حال يقضى بأن تبقى تلك العواطف فى الصدر غامضة ؛ وقد يهون الأمر أن تصاغ فى قصيدة يرصعها الخيال ، فالشعراء " يقولون ما لا يفعلون " . . . . أما ان تدون فى وثيقة بها " يدان " صاحبها فذلك الاثم الكبير !

ذلك هو " السر المكتوم " حسب رأينا ، ويتقدم الزمن ، ونصل الى سنة

1956 ، فنجد السنوسى يلمع إليه فى سياق من الكلام يذكر بسياق نص الوثيقة المحفوظة ، فيقول : " واذا كنا لم نعرف تحديد الاشهر التى عاشتها ( رفيقته الغضة اليانعة ( بعده ) أى بعد فراقه إياها عندما قدم الى تونس للتعلم ( ، فاننا لسنا على شك من نهاية تلك الفاجعة . فهى قد ماتت . وهو قد تأثر لموتها ( ٠٠٠ ورأيناه فى شرخ فتوته وشبابه ينفح الدنيا بأدب يرشح مرارة وألما وتحرقا . . . ولكنه لم يتمكن من كتابة وثيقة عن ذلك الالم المرير . . . إلا بعد سنوات هضم بها ألمه واستوى فيها عقله ومداركه النامية مع ألم روحه التى لم تفارقها ذكريات جنتها الضائعة . . . " ) 7 ) .

ونقطع مرحلة أخرى من الحدس الى شبه اليقين عندما نقرأ ما كتبه الشابى فى أول يوم جلس فيه الى " كراسه " ، يدون مذكراته التى ما كان يحسب انها ستنشر على الناس فى يوم من الأيام . فقد كتب فى غرة جانفى سنة 1930 ذاكرا ، فى شبه غموض ، " سره المكتوم قال : جالس وحدى فى سكون الليل استعرض رسوم الحياة ، وأفتكر بأيامي الجميلة الضائعة ، واستثير أرواح الموتى من رسوم الدهور . ها أنا انظر الى غيابات الماضي ، وأحدق بظلمات الأبد الغامض الرهيب ) ٠٠٠ ها هى تلك الريحانة الجميلة التى ابتها فى سبيل أنامل الحياة ؛ ها هى تنظر الى بعينيها الجميلتين الحالمتين بأحلام الملائكة ، ثم تشير الى براحتها الجميلة الساحرة وبأناملها الدقيقة الوردية ( ٠٠٠ ) " (8) .

من هي ؟ ستبقى " طيفا غامضا الى الأبد " أو الى حين . . . فما يدريك ؟ ) 9 ( .

على هامش الرسالة الثانية

الشابي طالبا بمدرسة الحقوق التونسية

أحرز الشابى شهادة التطويع الزيتونية فى نهاية السنة الدراسية 1927 - 1928 ؛ وانتسب الى مدرسة الحقوق التونسية فى بداية السنة الدراسية . 1929-1928

ولعل انتسابه الى تلك المدرسة كان مرحلة لها شأن فى إثراء ثقافته وفى يقظة حسه خاصة . فقد خرج من " علوم جامع الزيتونة وأسالبه " الى علوم لم يكن له بها عهد وأساليب فى التعليم جديدة . وإليك صفحة تدل على مدى تأثير هذه الدروس في نفسه ، دونها فى مذكراته يوم الثلاثاء 28 جانفى سنة 1930 ، قال : " مسكينة هاته النفوس ما أصغرها وأحقرها وأضيق آفاقها ! كنا اليوم بدروس الاستاذ - مسييو لاموت - الذى ندرس عليه دروس " العقود المسماة " . ولما جاء الاستاذ وأراد الشروع في درسه أراد أن يحدثنا عن " العقل الباطن " و " العقل الواعي " اللذين طالما حدثنا عنهما . وفتح جريدة " السياسة الاسبوعية " ، ودعا أجهرنا صوتا لتلاوة فصل بها يتعلق بالموضوع وبسطه . وما إن أخذ التلميذ فى تلاوة الفصل وأخذ الاستاذ فى تبيينه حتى رأيت بسمات هازئة ووجوها سائمة وملامح متضحرة . ذلك لأنها نفوس ألفت أن تعيش فى منطقة ضيقة من مناطق الحياة والتفكير ، لا تستطيع أن تحيا فى سواها أو تعدوها . لم تألف غير علوم جامع الزيتونة وأساليبه ، ولم تقرأ من غير ذلك إلا دروس الحقوق ؛ مسكينة هاته النفوس مسكينة . . !  ) 10 (

ولكن الاستاذ الذى كان الشابى يكن له فائق الاحترام فى مدرسة الحقوق ، ويكبره لعلمه ، وإخلاصه فى عمله ، وحدبه على تلاميذه ، هو السيد محمد المالقى الذى بعث إليه الشاعر بهذه الرسالة فى اكتوبر سنة 1929 .

هذا الكتاب ليس " رقعة اعتذار ادارية " كما يقال ، جافة العبارات كما

تقضى بذلك الحال . إنه - كما ترى - عربون اعتزاز طالب صاحب جد فى الدرس باستاذ هو له نصير وعليه عطوف ) 11 (

ولئن بدا عطف الاستاذ على تلميذه أمرا عاديا اليوم ، فانه لم يكن الشأن كذلك فى العقد الثالث من هذا القرن ، وبعد العقد الثالث أيضا . . . !

كيف ينشط أستاذ تونسى ليحث تلاميذه التونسيين - حازما - على الجد فى الدرس ، ويجهر بالعطف عليهم والانس لهم ؟ إنها " شبهه " قد تؤدى إلى " سوء المصير " فى ذلك العهد الذى فيه من ذوى المناصب والرتب من يخجله الانتساب الى وطنه تونس ، وقد استولت التقية على نفوس الكثير من الناس ، وعسر القول فأحجم الناصر للحق عن القيام بما يلزمه ؛ على أن الاستاذ المالقى استهان يومئذ بما يكمن فى " الشبهات " من خطر ، وقرأ في وجوه تلاميذه " إرادة الحياة " التى " سيستجيب لها القدر " ؛ فقالها - قبل تزكية أبى شادى لشاعر تونس " الغريب " - : " إن أبا القاسم مؤلف شهير ! " .

فلا عجب ، بعد هذا ، أن يكبر شاعر تونس الكبير أستاذ القضاء التونسى الكبير ، فيكتب عنه في مذكراته ، يوم السبت 18 جانفى سنة 1930 ، قائلا : " كان يومنا هذا يوم توزيعنا على الدوائر المختلفة . وفي الساعة التاسعة والنصف كنا أمام بيت أستاذنا محمد المالقى . وما هو إلا قليل حتى خرج الاستاذ . وبعد التحية سار بنا فى منعرجات العدلية ) ٠٠٠٠ وكم كنت مشفقا على هذا الاستاذ الكريم من كل ذلك النصب الذى يجشم به نفسه فمن دائرة العدلية الى دوائر الدريبة ، ومن هذه الى تلك ، وهو يذرع منعرجات المعابر ويقطع درج الادارة بسرعة تكاد تكون عدوا ، حتى لقد صارحت رفيقا من رفقائى باشفاقي على الاستاذ . وبدأ الاستاذ عمل التقدمة بالطائفة التى أنا منها . ودخلنا الى الرئيس الذى سيكون اليه مرجع نظرنا . فقدم اليه واحدا إثر واحد مكتفيا بقوله : أقدم لك فلانا ، أو بزيادة " ابن فلان " ؛ ولما وصل الدور الى قال : " أقدم لك أبا القاسم الشابى المؤلف الشهير ، ولا إخالكم إلا قد سمعتم باسمه " . فأخجلنى جدا ) ٠٠٠ وفي الحقيقة فان هذا

الاستاذ الكريم قد أصبح لى من ذلك اليوم الذي أهديت له فيه كتابى نصيرا " ) 12 ( .

هذه صورة أحببنا أن نثبتها على هامش رسالة الشابى الى أستاذه المالقى ، حتى تقنع بأن مدرسة الحقوق لم تكن أهون خطرا فى تكونه الفكرى من الزيتونة ، والخلدونية ، والنادى الادبى لجمعيه قدماء الصادقيه . ولئن كان الشاعر بكره أن ينصب نفسه قاضيا بين الناس ( 13 ) ، فانه كان معتزا بشهادة الحقوق ، حريصا على ان يعرف الناس عنه ذلك .

على هامش الرسالة الثالثة

الشار حامل لشهادة الحقوق التونسية -

هذه الرسالة الصغيرة رقعتها ، القصير نصها ، نابهة حقيقتها ، كبيرة فائدتها . فالنص المطبوع على وجه " البطاقة " يثبت أن أبا القاسم متخرج من الزيتونة بشهادة التطويع ، ومن مدرسة الحقوق التونسية بشهادة الحقوق ولئن كان فوزه بالشهادة الاولى أمرا شائعا بين الناس معروفا ، فان من الدارسين من يتحدث فى شبه حرج - كأنه الشك - عن تخرجه فى القانون لذلك وقفنا عند هذه الرسالة لعلنا أن نقنع بعض من يؤلف الكتب فيدون فيها من الاخبار العجيبة التى لا يجسر عليها إلا من لم يتعلم الشك فى المشكوك فيه تعلما . من ذلك ما كتبه طه عبد الباقى سرور عن الشابي سنة 1958 ، قال : " يجمع مؤرخو الشابي على أنه لم يكن يعرف لغة أجنبية فرنسية أو انجليزية : وما نعرفه عن مناهج التعليم فى تونس ، بل مناهج التعليم فى أى بلد عربى يؤكد لنا أنه من غير المعقول أن تكون دراسة الحقوق الجامعية باللغة العربية وحدها . بل لعله ترجيح يبلغ درجة البقين . ولعل الشاعر فكر وقدر ، وأعد

نفسه يوما للالتحاق بجامعة تونس لدراسة الحقوق ، تخلصا أو تهربا من جامع الزيتونه ، ثم أعجزته ظروف حياته البالغة القسوة عن تحقيق الفكرة والأمنية " ) 14 ) .

أليس من حقنا أن نسأل هذا الكاتب - وهو " العارف بمناهج التعليم فى نونس " - ماذا يعرف عن دراسة الحقوق التونسية فى عهد الشابى ؟ ما هو نظام مدرسة الحقوق يومئذ ؟ متى أنشئت " جامعة تونس " ومتى رتبت فيها دراسه الحقوق ؟ من أين وكيف علم أن الشابى أراد أن " يتخلص أو يتهرب من جامع الزيتونة " ؟ ٠٠ .

هذه أسئلة إليه نسوقها ، وهي تكفينا مؤونة النقاش والمعارضة . . .

الشاب شاعر الحياة والأمل

لئن كان أبو القاسم مع غير خلطائه محتشما خجولا ، فانه كان من أصدقائه ( بشوشا كريما ، وديعا متأنفا ، طروبا لمجالس الأدب يحب الفكاهة الأدبية " ) 15 ( ، " وكان محبا لبلاده صادق الوطنية ، يؤمن بأن لقادة الفكر رسالة إنسانية سليمة ، حاول أن يحققها فى أثناء حياته القصيرة قولا وعملا " ) 16 ( .

" وانك تقرأ شعره - وانت في حال الطرب - فتحد للرجل " حساسية ورقة نفس " هما عماد فنه ومصدر فلسفته ، ويستهويك فنه ، لغة وأسلوبا ، صورا وخيالا ، وزنا وموسيقى ، وتلهمك فلسفته حب الحياة فتنتشى بطيب الرجاء وانت " قوى جبار " ! ) 17 (

كذلك هو لم يكن فى سيرته الاجتماعية منطويا على نفسه معتزلا الناس ، وما كان متشائما ، ناقما " يحمل معولا ليهدم كل شئ " ) 18 (

أمتشائم ناقم هادم من شق بحدة حسه سجوف الظلام ليرى من خلالها تباشير الضياء ، وهو بتونس هائم ينشد :

أنا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت أى سباحه

شرعتى حبك العميق وإنى قد تذوقت مره وقراحه

إن ذا عصر ظلمة غير أنى من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر مجد شعبى ولكن سترد الحياة يوما وشاحه !

أمتشائم ناقم هادم من يقول : " إن أكبر الشخصيات فى عالم الأدب والفنون إنما هى تلك الرؤوس المفكرة التى تعتز بما لها من مواهب ، وبما عندها من شعور ، والتي تشعر أن لها كيانا مستقلا ) ٠٠٠ وأن لها عزة لا ينبغى أن تهان . . . " ) 19 ) !

أمتشائم ناقم هادم من يقول سنة 1930 : " إن تونس لفى حاجة لنخوة ابنائها ) ٠٠ تونس لفى حاجة أن تتقدم بخطوات ثابتة الى سبيل النور

والزهور ) ٠٠ ( وفي حاجة أن ترفع رأسها عالية ) ٠٠ ( إن كانت تونس فقيرة الى مثل هذا النوع من أبنائها ليجب على هذا النفر القليل منهم أن ببذلوا كل ما فى جهدهم من عزم وقوة ، وحمية وشباب ، حتى يستطيعوا أن يكونوا نشءا حيا مخلصا شاعرا بواجبه لأمته ، وللحياة ، وللوجود بأسره " ) 20 ( !

هو هذا الذي يشارك فى تزعم الحركات الطالبية فينادى بوجوب تجديد التعليم الزيتونى ) 21 ( ، ويشارك فى إنشاء جمعية الشبان المسلمين ) 22 ( وينشط حازما للعمل فى النادى الادبى لجمعية قدماء الصادقية

ونحن نعلم أن دار هذه الجمعية كانت مأوى الشباب الواعي ، وعرين الحماس الوطني ، وأن ناديها الأدبي كان مدرسة لتجديد الفكر بتونس ؛ وتحت شراف هذا النادى ، ارتفع صوت الشابي - فى قاعة الخلدونية - بتلك العقيدة الادبية والسياسية الاجتماعية الموسومة بـــ الخال الشعرى عند العرب " سنة 1929 .

وإنك تقرأ مذكراته ، فتحده شديد الحرص على تطوير هذا النادى وازدهاره ) 23 ( ، عميق الحزن على تعثره وانهياره ) 24 (

ويفارق أبو القاسم مدينة تونس بعد الفراغ من دراسة الحقوق ليقيم بالشاشية لاسرحها إلا لما ، وقد شغلته ملابسات الحياة وتطورات العلة ولكنه ما نسي النادى الأديبي وجمعية " القدماء " ، وهو - كما ترى - يجتهد فى جمع الاعانة لها ، ويكتب لأستاذه المألقى فى شأنها .

على هامش الرسالة الرابعة

فى قضية طبع " الديوان "

كان الشابى شاعرا يحس بالحياة إحساسا عميقا فى " تنبه " لها و " تهيج "

بها . وإن فنه " مستفاد " من هذا " التوتر " الذى كثيرا ما ينتابه فى ساعات العزلة وأحيان " التشنج والانخفاض " . ثم تكون النشوة ، وتكون اللذة الفنية ، ويكون الرضى : هكذا ميلاد القصيد عنده.

لم يكن بالشعر متلهيا ، ولم يكن به متكسبا ، إنما كان " عبد نفسه ، وعبد ما توحى اليه الحياة ، ولا ما يوحى اليه البشر " ) 25 ( : هكذا نشأة " أغاني الحياة " .

ولكن الناس على حظوظ فى الادراك متفاوتة ؛ ولعل منهم من لا يفهمون فيظلمون ، فيعيش " النبى " بينهم " مجهولا " ، غريبا وهو فيهم ، طريدا وهم حوله ، وفي القلب غصة وفى النفس شوق الى يوم موعود ٠٠ .

فى مثل هذه " الغربة الكبرى " عاش الشابى ! قال : " الآن ادركت أننى غريب بين أبناء بلادى . وليت شعري هل يأتي ذلك اليوم الذي تعانق فيه أحلامي قلوب البشر ، فترتل أغاني أرواح الشباب المستيقظة ، وتدرك حنين قلبي وأشواقه أدمغة مفكرة سيخلقها المستقبل البعيد . . . أما الآن فقد بئست . إننى طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسه الجميلة ، ولا يفهمون صورة واحدة من صور الحياة الكثيرة التى تتفق بها موسيقى الوجود فى أناشيده . الآن أيقنت اننى بلبل سماوي قذفت به الألوهية فى جحيم الحياة " ) 26 (

كان الشاعر على مثل اليأس من جيله ، ولكنه كان قوى الايمان بأن المستقبل " سيخلق أدمغة مفكرة " تفهم أدبه . فكان لذلك كلفا باذاعة شعره بين الناس ، حريصا على نشر قصائده فى هذه الصفحة الادبية أو تلك ، بتونس أو خارج تونس

وما هي إلا أن صح منه العزم على نشر شعره مجموعا فى " ديوان " . وكان ذلك منه سنة 1929 (27) .

وتمضى الايام ، والرجل يعاني الشعر فى ظلام الليل تارة وضوء النهار فى ظلام الليل تارة وضوء النهار طورا ، متمتما به حينا ، مرتلا إياه - حينا آخر - ترتيلا تتحرك به شفتاه ولا تسمعان صوتا . إنها " الحال " الشعرية التى وصفها السنوسى وصف شاهد عيان ، قال : " وقد لا تفارقه تلك " الحال " حتى يستفرغ ما جاش به صدره ، شعرا محكما ، وبعدها ينام كما لو أنهكه جهد بدني مرهق . . . " ) 28 ( .

فمنذ الفترة التى أعلن فيها عن قرب صدور " أغاني الحياة ، أى سنة 1929 ، وحتى سنة وفاته ) 1934 ( ، حصل لديه ما يربو عن نصف الديوان المعروف اليوم ) 29 ( .

وكان كلما أتى بقصيدة زاد تعطشا الى نشر " الديوان ، حتى ما لبث أن أضحى بهذا الأمر مشغولا ، وأمسى به مهموما ، وأصبح عليه حريصا ؛ ففتح باب الاكتتاب لطبعه ، مستعينا بالأصدقاء ، وأصدقاء الاصدقاء لترويج الاشتراكات ؛ وفي ذلك كتب الى الحليوى ، فى رسالة بتاريخ 12 نوفمبر 1933 ، قال : " لعلك رأيت فى الصحف أننى قررت العزم على طبع ديوانى وفتحت باب الاشتراك . وإننى لمذنب كل الذنب إذ لم أكتب إليك بهذا العزم قبل أن يعلم به الناس " ) 30 (

وشاع الخبر بأن الحلبوى سكتب له المقدمة . ثم كره ، وفضل " إرجاء كلمته عن شعر الشابي الى ما بعد صدور الديوان " ) 31 ( . ولسنا ندرى هل فى الأمر قصة ٠٠٠ .

والواضح هو أن سنة 1933 كانت فترة الشروع الحاسم في إعداد الديوان بنسخه ، وبث مقتطعات الاكتتاب حيثما امكن بثها : فى تونس والقيروان ، والكاف وباجة ، ومنزل بوزلفى وبنى خلاد ونيانو ) 32 ( :

وتمضى سنة 1933 ، ولم يفرغ صاحب الديوان من نسخه ، ولا يكون له ذلك إلا فى صف سنة 1934 ، على أن يطبع في مطبعة " أبولو " بمساعدة أحمد زكى أبو شادى .

كانت سنة 1934 سنة " إعداد الديوان " ، ولا " ديوان " ! فيها جشم الشاعر العليل نفسه متاعب جمع " أغانيه " وترتيبها ترتيبا تاريخيا ، ونسخها مستعينا ببعض الصديق ؛ وفيها كان يبث الرسائل الى هذا وذاك من أحبائه ملتمسا منهم وملحا عليهم فى أن يوافوه بحاصل " ترويج الاشتراكات " ، وقد أزعجه ر لود سوق الفكر فى تونس وإعراض الناس عن الادب والثقافة ) 33 (

والحق أن خلصاءه قد اجتهدوا فى طلب الاكتتاب ، وهو عمل عسير عند الذين يعلمون مرير ، فيه حرج للسائل وإحراج للمسؤول

وهذه الرسالة التى بين أيدينا صورة أخرى من حرص الشابى على طبع ديوانه ، كتبها الى صديق له حميم ، وعد فوفى .

هكذا عاقت الشابى عن نشر ديوانه مصاعب عديدة مختلفة ، مادية بالخصوص وصحية أيضا . . ٤ وما يدريك ، لعله صدته " متاعب " أخرى ؟ ( 34 ) .

ودخل الشاعر على الصمت الأبدى ، ونفسه " مترعة بآلامها " .

اشترك في نشرتنا البريدية