" باب جديد ، اقترح علينا بعض قرائنا الاعزاء فتحه بالمنهل ، لنحلل به مشاكل المجتمع المختلفة ، من اقتصادية وثقافية واجتماعية وعمرانية وغيرها . وسنتقبل فيه آراء القراء الحصيفة ، والنزيهة ، كما اننا سنوالى ان شاء الله الكتابة فيه ، متوخين الحقيقة ، وعارضين ما نراه من أطيب الحلول "
مشكلة الهجرة
- ١ -
لا ريب أن الهجرة المتدفقة الى هذه البلاد ، هي احدى المشاكل الاجتماعية فيها .. وينصب إشكالها على مساهمة الوافدين زرافات ووحداناً للمواطنين فى ارزاقهم ومساكنهم وفى كل شئ .. مع ان البلاد فى حقيقة واقعها العمرانى والزراعى والصناعى لا تكفى لتموين المواطنين الاصليين ، وناهيك اذا أضيف اليهم فى كل عام المئات من المهاجرين .. ويظهر النقص بارزا فى موارد الطعام والكساء حينما تنشب حرب عالمية ( لا قدر الله ) .. فهناك تبرز ازمة الغذاء والكساء جلية للعيان ، فان البلاد مستوردة لأغلب ذلك ، والذى تنتجه منه لا يكفى - كما قلنا - لتموين كافة اهلها .. ويضاف الى ذلك موارد التعليم ، والتثقيف ؛ والتوظيف .. وقد لاحظت الحكومة هذه الظاهرة الاجتماعية الطارئة فسنت تشريعات ونظما لتقييد الهجرة من جهة ، وللافادة من طوائف المهاجرين من جهة اخرى .. وكان من بين هذه التشريعات نظام الاقامة والدخول الى البلاد ، ونظام التجنس ، وما أضيف إليها من تعليمات وأوامر ..
وجلى مع ذلك ان هذه البلاد هى مهوى أفئدة المسلمين من جميع الاقطار ، وموطنهم الاول والأخير حينما ينالهم الاضطهاد الاستعمارى فى بلادهم .. من دول الغرب ولذلك تراهم يهرعون الى " منطقة الامان " الوحيدة الباقية لهم كلما هزتهم هزات الاجانب الدخلاء فى مواطنهم ...
فالحيلولة بينهم وبين الاقامة فيها بتاتاً إذا كانوا صالحين نافعين ، أمر لا تتوخاه حكمة الحكومة ، وقد قال الله تعالى : ( سواء العاكف فيه والباد )
وما أمر اللاجئين الفسطينيين عنا ببعيد .. واذن فلم يبق لنا الا ان ندور حول الصخرة بدلا من ان نحاول كسرها ، حتى يحتاز العقبة بسلام وبنجاح .. ولذلك أرى أن من المتيسر قبول دخول المهاجرين من اخواننا المسلمين الى هذه البلاد ، ولكن بشروط وبضمانات .. وانا هنا لا اريد ان اشير لما سن من أنظمة وتعليمات ، فهذه الانظمة والتعليمات ضرورية ولازمة فهى كصمام الامان .. وانما أريد ان أضيف إلى ذلك شيئا آخر هو محاولة الافادة لعمرانيات البلاد وزراعتها وصناعتها من هؤلاء المهاجرين
من المعلوم ان مساحة المملكة واسعة شاسعة وانها مترامية الاطراف .. وكثير منها لا يزال صحارى وبرارى خالية من السكان ، وفى هذه البرارى والصحارى اماكن عديدة ، بعضها واحات مخصبة ، وبعضها كانت مزروعة ، وبعضها قابلة للعمران .. ولكن تنقصها الايدي العاملة .
ومن المعلوم ان كثيرا من اخواننا الوافدين لهم يد فى الزراعة والصناعة والتجارة .. وواضح ان الكثرة الكاثرة من هؤلاء انما تنتجع غالبا المدن المزدحمة كمكة والمدينة والرياض وجدة، لتقيم فيها مع اسرها وجالياتها . وبذلك تزيد الطينه بلة ، وبذلك تزداد كفة العجز العمرانى والزراعى ثقلا ورجحاناً ، فيصبح التنافس بين السابقين واللاحقين فى فى ابتغاء موارد الرزق أمراً ملفتا للانظار وتزيد ازمة المساكن استفحالا ،
وتضيق رقعة المدن عن استيعاب هذه السيول من الوافدين فى كل عام . وناهيك اذا وقعت حرب عالمية لا قدر الله فهناك يزداد الحال ضغثاً على ابالة ...
والحل الذى اراه لهذه الأزمة هو ان تؤلف لجنة واعية راشدة نزيهة متزنة ، لفحص طوائف المهاجرين .. فمن كانوا ذوى زراعة فى بلادهم ، أو ذوى صناعة فى اوطانهم ، أو ذوى تجارة فى مواطنهم ، يفرزون ، وبعد النظر فى احوالهم ومبادئهم والتثبت من صلاحهم وسلامتهم من المبادئ الهدأمة والآراء الضارة ، تجرى الاجراءات الرسمية لهم ، ويعطون الجنسية السعودية ، وتخطط لهم بعض الاماكن التوسطة بين المدن الآهلة ، الصالحة تلك الامكنة لتخطيط المدن ، وترسل اليها المياه وتمد اليها التلفونات ، وتوضع بها ابنية للمرافق الصحية والعمرانية والثقافية والدينية وتبنى بهما المساجد اللازمة ، وتنشأ بها الحدائق وتؤلف شركات أهلية بمساعدة الحكومة لاقامة الابنية اللازمة للسكنى على نظام صحى حديث وينتقل اولئك المهاجرون بذراريهم واسرهم الى تلك المدن وتعمل التسهيلات اللازمة لتأمين المواصلات لهم ، من اصلاح طرق للسيارات وتعبيدها ، ومد سكك حديدية فيها الى بقية المدن . ويعطون كل المساعدات الممكنة ، لازدهار الزراعة والصناعة والتجارة والثقافة ، ويؤمن لهم نقل زراعاتهم وصناعاتهم ومنتجاتهم الى سائر الأنخاء لتدعيم ارباحهم ، ولزيادة رغبتهم فى الاقامة فى مدنهم .. ولا بأس ان يفتح الباب على مصراعيه للمواطنين الآخرين بالاقامة معهم فى هذه المدن الحديثة ، وتوضع المراقبة الادارة والدينية الكافية لتأمين سير كل شئ هنالك على ما يرام .. وكل من ظهرت عليه بوادر الآراء الضارة يحرم من الجنسية وينفى من البلاد اجتثاثاً للضرر ، وكل من كان منهم صالحاً فيعتبر مواطناً صالحاً محبوباً ، لان البلاد تستفيد من جهوده ومن وجوده ، ويفتح الباب كذلك على مصراعيه لتعليمهم اللغة العربية ويفرض عليهم تعلمها وتعليمها فى المدارس المنشأة فى مدنهم ويفرض عليهم التكاتب بها والتخاطب ، ليسرع اليهم الاندماج فى الوطن الكبير بمعنى الكلمة فى أقرب وقت ممكن .
ويفرض كذلك استعمال الزى الوطنى فى مدنهم ، حتى تختفى الفوارق الظاهرية التى تؤثر على المعنويات أثرها العميق .
إننى اعتقد اننا اذا اهتممنا بتنفيذ هذا المشروع الضخم على وجه مُرضٍ واقتبسنا مما عمله المهاجرون الاوربيون وغيرهم الى العالم الجديد .. نكون اذن قد حللنا عقدة من من عقدنا الاجتماعية العويصة خير حل ، فافدنا واستفدنا .. ونكون قد عمرنا بلادنا اقتصادياً ، واحللنا الخصب والنماء الاقتصادى والازدهار العمراني فى هذه البراري الشاسعة الخالية ، محل الجدب والفراغ .. وكم نحسن صنعاً لأنفسنا ولبلادنا ولا خواننا وللعالم الاسلام بهذا الصنيع الجبار ، وسنكون قدوة طيبة للعالم ، وسنجنى أطيب الثمار والمنافع .
وأقترح أن تسعى المدينة التى تنشأ اولا على هذا الطراز باسم ( مدينة سعود ) والثانية باسم ( مدينة فيصل ) وهكذا ..

