الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

مشاهدات كاتب, طف معي حول هذا الكوكب!!...

Share

فى اوائل شهر ذى الحجة الماضى وقع نظري - صدفة - على نشرة تجارية جاء فيها ان ثمة معرضا كبيرا يقام فى مدينة  بارى " الايطالية , تعرض فيه الشركات الايطالية وغير الايطالية صنوفا من المنتجات . .

وانواعا من المصنوعات الحديثة ، وفى الوقت نفسه نشرت الصحف السورية واللبنانية والمصرية ان هناك معرضا عظيما تجرى الاستعدادات لاقامته فى دمشق فى اوائل شهر سبتمبر الماضى تشترك فيه جميع الدول العربية . وبعض الدول الشرقية . . والأوربية ايضا ! . .

خبران عاديان لا اهمية فيهما ولا خطورة . . ولكنهما هامان بالنسبة

لشخصى فقد شعرت بعد قراءة هذين النبأين ان هناك شيئا يعتمل فى نفسى ، ويتفاعل فى سريرتى بصورة لا استطيع وصفها على صفحات هذه المجلة الحبيبة الى نفوسنا ، القريبة من قلوبنا ، الضرورية لفهومنا وعقولنا

لقد احساسست بدافع غريب في نفسى يحرضنى على الاغتراب عن وطنى لبضعة أشهر لا لشىء الا للاستطلاع الصحفى ، والاستنفاع الكسبى . . ومشاهدة جزء صغير من هذا الكوكب المستدير الذى نعلم عن حياته الشئ الكثير ، ونجهل عن حالته الشئ الكثير ايضا . . ذلك لان هذا الكوكب زاخر بالوان شتى من الحيوان ، وصنوف شتى من الماديات لا نستطيع الوقوف عليها ، حق الوقوف ، عن طريق الكتب والمجلات والمذياع . . بل يتحتم علينا القيام برؤيتها رؤية العين . . استكمالا للمعرفة ، واستزادة من منهلها ! . .

وكنت أزمعت السفر مع رفيق واحد لا ثالث معنا ، غير انى وجدت نفسى محاطا بخمسة رفاق آخرين كلهم على أهبة الرحيل لمرافقتى من أول الرحلة الى آخرها . . فى سرائها

وضرائها . وفي عجائبها ومتاعبها . . وفيما الاقيه فيها . . . سواء فى سويسرا او مغانيها ! . .

وعقدت مؤتمرا مع رفاقى الخمسة قبل موعد السفر اتفقنا فيه على كل شئ ما عدا انواع الطعام . . والغلو فيما لا يفيد من الكلام ، وعدم احداث الشخير اثناء المنام ! . . وقال رفاقي : نسافر بطائرة لبنانية ، ولكنى أعترضت على اقتراحهم . . وتشبثت برأيى الذى كان يدور حول " الوطنية " وواجباتنا نحوها ، واقنعتهم بضرورة السفر فى طائرة تحمل كلمات " الركن الاول فى الاسلام " وشعار الوطن العزيز !

ولم يغمض لى جفن ليلة السفر ، بل ظللت أعد النجوم . واستمتع بوجه القمر بين الغيوم . . وسحت بفكرى وخيالي في متاهات وهمية . . قبل ان اسوح بجسمى وروحى فى " البندقية " مدينة الحب والجمال والانغام العاطفية !

وانبلج الفجر ثم أصبح الصباح فوجدت نفسى فى " سفينة الجو " يقودها طيار مملاح . . وتسيرها قدرة فالق الاصباح . . ولم تكد أن تمر دقائق معدودات على طيرانها وصعودها فى الجو حتى يممت مرة أخرى شطر جدة . . وهنا شاع التهامس بين الركاب ، فمن قائل ان الطائرة تريد ان تأخذ ركابا آخرين تأخروا عن الوصول فى موعد قيامها . . وآخر يقول : ان الطيار نسي حمل الرخصة والأوراق التى بموجبها يستطيع الهبوط فى مطار الدول الشقيقة . وثالث يتشاءم بأن الطائرة قد اصيبت

بالعطب واضطرت الى الاياب قبل تفاقم العطب ! . .

وعدنا إلى المطار سالمين . . وقبل هبوطنا بدقائق ، قال مساعد الطيار : من المستحسن ان نأخذ طائرة من طراز " صاحبة الجو " فهى مريحة من هذه التى اضطررنا الى العودة بها لوجود عطل فى احدى محركاتها . . وظللنا فى مقصف المطار ننتظر الطائرة الجديدة مستملحين النكات ، والطرائف ، وما يسرى عن النفس المهمومة . . غير مكترثين للتأخير الذى حصل . . ولا للتعطيل الذى نجم عن الخلل ! . .

واخيرا اعتلينا الجو مرة ثانية فى طائرة جديدة بين بسمات الركاب وضحكاتهم . . وتحركت الطائرة بسم الله مجريها ومرساها ، واغمضت عينى لاجول بفكرى وخيالى مرة اخرى لافكر في أمر هذه الرحلة العجيبة التى واتتنى الفرصة للقيام بها مع رفقاء خمسة . . وظل خيالي يسبح فى اودية سحيقة من التفكير ، كما ظل عقلي يهيم فى مجالات واسعة من التأمل العميق ، والاستلهام المؤثر اللذيذ ،

وبقيت الطائرة تشق عباب الفضاء - واستميح لهذا التعبير - فى قوة واندفاع زهاء خمس ساعات الى ان اطل جبل " الشيخ " الشامخ بقمته وسطحه . . وهو الجبل الذى يحسب له الطيارون الف حساب لارتفاعه الكبير ، وتكاتف الضباب والسحاب حوله بكثرة . . وهنا فقط أستيقظت من أغفاءتى لافسح لانفي لاستنشاق نسائم " الفيحاء " العبقة ! . .

وانتهيت من الاجراءات الجمركية بعد لأى ، ووصلت الى الفندق بعد

ان قطعت الطريق الذي زانته من الجانبين سلسلة طويلة من الاشجار وسلسلة اخرى من المبانى الجميلة ،

ومزارع خضر مسجاة بأشجار التفاح والبرتقال والكمثرى وانواع اخرى من الفواكه يسيل لها اللعاب ! ولما كان " المسجد الاموي " من اعظم التراث الاسلامي الذي بقى : ينبض بالحياة فى عاصمة الامويين كأشارة إلى ما كان قد وصل اليه الفن المعمارى فى العهد الاموى ، فقد احسست بدافع قوى يستفزنى لزيارة هذا " الجامع " الذى تعتز به العروبة وتفتخر فى معرض الحديث عن الامجاد الاسلامية التى لم تخب اضواؤها مع مرور الزمن ، وتوالى الاحقاب ، وكان اليوم يوم جمعة فاعتزمت اداء صلاتها فيه لاشاهده وهو غاص بالمصلين . . ولأراه - ايضا - وهو خال الا من حجابه ومحافظيه . .

ولست - هنا - بسبيل عرض تاريخ هذا المسجد الكبير ولا بيان مميزاته وجوانب فخامته . فالقراء يعلمون عنه الشئ الكثير . . ولكنى اقول هنا : ان روعته وجمال تصميمه وقوة دعاماته هى مميزاته وسبب

شهرته .. وقد انشىء هذا المسجد فى عهد الوليد بن عبد الملك بعد ان وضع له تصميم رائع . . ومسته يد الترميم عدة مرات ، كما غير سقفه في العهد العثمانى بعد حدوث حريق فيه اتى على جانب كبير من السقف ، ويلاحظ هذا التغيير فى القسم الشرقي والشمالى بوضوح ، كما يلاحظ ضيق البابين الواقعين فى الجنوب مما يسبب الازدحام وقت خروج الناس ودخولهم اما الترميمات الاخرى التى جرت فى العهد التركى وفى عهد الاستقلال الحالى فطفيفة لا تستحق التسجيل هنا . . وانما الذى ينبغى تسجيله هو ما تقوم به الجهة المختصة المنوط بها أمر المساجد من العناية والاهتمام بنظافة المسجد وابقائه في شكل راق وصورة جميلة . . فالاروقة تغطى ارضها السجاجيد والبسط المزخرفة والجدران يزينها طلاء ابيض صاف,

فلا غبار ولا عثار بداخله الا في بعض الاركان . وفي العدد القادم سأروى بقية مشاهداتى فى المكتبة الظاهرية بدمشق ، ودار الآثار ومصايف الشام ان شاء الله . .

اشترك في نشرتنا البريدية