.. وفي الصباح كنت أجول فى شارع " الحميدية " فى دمشق وهو شارع يأخذ شبها من زميله شارع " سويقة " عندنا ، إلا فى " زحلقته " و " مطباته " التى أصبح يشكو منها الشبان والشيوخ على السواء . . ولا يشبهه - كذلك - فى " صندقته " أعنى مظلته التى تهددها الرياح ، كما تتوعدها الامطار . . فإن الموضوع لا يحتاج إلى إفصاح . . !
كفى هذا استطرادا . . ولادخل فى صميم الوصف ، وصف هذه الرحلة التى دعوتك - أيها القارىء - للطواف معى فيها . . لأضع يدك فى يدى وأسير بك فى ربوع الشام ، ثم فى مغاني لبنان ثم فى مراتع إيطاليا وبعدها في مصايف سويسرا إلى أن أعود بك - على جناح السلامة طبعا - إلى أرض الوطن.
وكنت أبحث عن كتاب تاريخي كلفني بشرائه والدى فأرشدني الناس إلى " مكتبة عبيد إخوان " وأخبرونى فى " معتبة عبيد أحوال ، وأخبروبي أننى واجد أياه هناك . . وعثرت على واجب إياه حبات وخبرت على هذه المكتبة الكبيرة فى أحد الشوارع الفرعية ، فدخلتها مسلما على صاحبها واجلت بناظرى قليلا حتى أدركت انها مكتبة كبيرة ولكنها لبيع الكتب والمؤلفات لا للمطالعة والبحث . .
والحق يقال أنها مكتبة قيمة نسقت تنسيقا بديعا ، غير أنها جامدة لاحراك فيها ولا حرارة . . فالخدم من النوع
الثقيل ، والكتاب - أقصد الموظفين من الصنف الذى يؤمن " باللامبالاة " واشتريت كتابي المطلوب وخرجت لا ألوى على شىء فقد كان على أن ازور فى ذلك الوقت " المكتبة الظاهرية "
وهى من كبريات المكتبات فى سوريا وعندما سألت عن موقعها ، أوصلتني قدماى إلى شارع ضيق أقرب إلى الزقاق منه إلى الشارع ، والواقع أن مكتبة قيمة كهذه يستحسن إظهارها فى مكان كبير : ميدان فسيح أو شارع رئيسى فخم ، بدلا من تركها بين بيوت قديمة ، وفي زقاق ضيق قذر ، تقديرا لما تحتويه من التراث العلمى والأدبى وتخليدا لأثر فكرى إسلامى سيظل على مر الأيام وتوالى السنين
وأخيرا دخلت هذه المكتبة العلمية النفيسة وفي نفسى إحساس قوى بأنى ملاق فيها ما يروى ظمأى وتعطشى وإنى أرى فيها من روعة التنسيق ، وجمال الترتيب ، وكمال العناية بهذا التراث الثمين - ما يجعلني أعدها فى مصاف المكتبة الأهلية بباريس ، ودار الكتب بروما . . غير أن الذى شاهدته فيها سبب لى كثيرا من الحسرة وكثيرا من خيبة الامل !
وليس المجال هنا عرض نقائص هذه المكتبة العربية ، وما تفتقر إليه من التنظيم الحديث فى غرفها . . والتنسيق الجميل فى خزائنها ، بل وفى سجلاتها كذلك . . والتعديل
الشامل لطريقة عرض الكتب وتقديمها للراغبين فى مطالعتها ومراجعتها - فأن سيادة مديرها الشهم وبقية رجالها القائمين بأمرها أعرف منى بتلك النقائص الطفيفة مظهرا والكبيرة مخبرا واكثر مني إحساسا ورغبة فى إصلاح أمرها . . فقد قال لى أحد موظفيها - وهو خريج جامعي - أنه نوه فى تقاريره أن الدار تحتاج الى إصلاحات عامة وتنظيمات شاملة ، تتطلب ألوفا والوفا من الليرات - على حد تعبيره - ومئات ومئات من الأيدى المتحركة ! واظن القارىء العزيز ليس فى حاجة إلى تفسير ما هدف إليه هذا الموظف الشاب ، فعببارته ناطقة تلميحا بما لمسته وتأثرت به . .
وتقدمت إلى غرفة المطالعة واخترت مقععدى فى ركن قصى بغية أن أعيش ساعة فى جو مشبع بأريج العلم وعبق المعرفة . . فى جو لا تسمع فيه غير حفيف الورق ، وصريف القلم أن كان للأقلام الحديثة صريف وجاء الموظف المختص وسألنى عن اسم الكتاب الذي أريد مطالعته . . وكان السؤال همسا ، فأجبته فى همس أيضا : أريد كتاب " تاريخ بعلبك " فقال : هو فى طريقه إليك ، وخرج مسرعا فى خفة ممثلى المسارح . . .
وشعرت بالفرح لأن عبارته وسرعته وخفته أوحت إلى أن الكتاب المطلوب سيكون أمامي خلال دقيقتين على الأكثر وكم كانت دهشتي عندما عاد الموظف بعد ثلث ساعة . معتذرا بعدم عثوره على الكتاب واحتمال وجوده عند أحد
رواد الدار الذى لم يحضر في ذلك اليوم !
وضغطت على أعصابي قليلا وضبطتها على مضض ، وكانت الساعة وقتئذ قد قاربت الثانية ظهرا فوجدت ساقي قد أضربنا عن الحركة إلا إذا أسعفت الجهاز الهضمى بشئ من الغداء أو بشئ من الفاكهة على الأقل . . . فخرجت من الدار والحسرة تعصر فؤاد والخيبة تدب فى كيانى وفى غمرة الجوع وفلتة الأعصاب نسيت " الإتيكيت " وتقدمت على سيدة أوروبية وأنا أهبط الدرج فى وثوب وتعجل زائدين . .
إن دور الكتب والمكتبات تقف جنبه لجنب مع المعاهد والجامعات عند الأمم المتحضرة لتعطى الدليل واضحا على مدى تقدم أمة من الأمم وهي المعيار الصحيح لقوة ثقافتها واتساع دائرة الآفاق عند بنيها ، وهي المقياس الأول لرقيها فى مضمار العلوم ، وميادين المعرفة الكاملة . . فكيف تغرب هذه النقطة المهمة عن بال رجال " المكتبة الظاهرية " بدمشق فيتركون مكتبة علمية هامة كهذه على تلك الحال التى لا يرتضيها غير مواطني سوريا . . فكيف بمواطنيها الكرام ؟ إنني أكتب هذه الإشارة والألم يفتت قلبي والشعور بالحسرة يحتوي والأسف على بقائها بذلك الوضع يخز فى نفسى
وفى المساء ذهبت إلى " شلالات الربوة " وهي تقع على مسافة ثمانية عشر كيلو مترا فى طريق بيروت وهذه الشلالات الطبيعية تشكل منظرا
خلابا . . فالماء يتساقط من أعلى الجبال فى قوة كبيرة محدثا خريرا فى نغم موسيقى يشنف الأذن ويطرب النفس المكلومة . وقد ظللت تحتها ساعة كاملة أفكر فى صنع الله الذى أتقن كل شئ ، كيف يظل هذا الشلال مستمرا ليلا ونهارا ، تصدر عنه هذه
الأنغام المشجية ، فيؤلف منظرا جميلا يجذب المئات من الناس إليه فى الصباح والمساء . . لكى ينعموا بنظرة إلى هذا الحسن الساحر الجميل . . وفي العدد الآتي إن شاء الله أسير بك إلى مصايف الشام ثم إلى ربوع لبنان وجباله الخضر
