قبل سنوات بدأت موجات الهجرة ، من مختلف اصقاع العالم العربى والاسلامى ، الى هذه البلاد ، نتيجة لثلاثة عوامل :
أولها : الامن المستتب في كافة ربوع هذه المملكة واصقاعها ، مما يحمى الارواح والاغراض والاموال .
ثانيا : هذه الثروة الطائلة المتدفقة على البلاد أخيرا من حقول النفط الغنية . ثالثا : قدسية هذه البلاد ، مما يجعلها مهوى أفئدة المسلمين بطبيعة الحال خاصة إذا اقترن ذلك بهذا الامن المنتشر الظلال ، وهذا الثراء الطائل .....
وقديما قال الشاعر الحكيم :
ما أحسن الدين والدنيا اذا اجتمعا واقبح الكفر والافلاس بالرجل
وقد نتج عن هذا الوضع الطارىء ، شعور السكان الاصليين - السعوديين - بان هناك شيئا من الضغط الاقتصادى يوجه الى مواردهم الخاصة والعامة ، نتيجة مشاركة هذه الطوائف المهاجرة لهم فى كثير من مرافق الحياة الاقتصادية العامة والخاصة التى يزاولونها وقد غمرت الاسواق ببعض هؤلاء المهاجرين ، واظهر كثير منهم براعة فى عالم البيع والشراء والتجارة واظهر بعضهم براعة فى عالم الصناعة اليدوية التى يعمل فيها الاهلون وظهر تفوقهم وكاد بعضهم يحتكر بعض الاسواق فى مكة والمدينة وجدة والطائف وغيرها ونتج من توافدهم المتوافر المنهمر شىء غير هذا ، ألا وهو " ازمة السكن " وغلاء الاجور ، ثم هذا لون جديد من الدم واللون والتقاليد يقتحم البلاد دفعة واحدة . . وقد قامت الحكومة نتيجة لكل هذا ، ومسايرة لسياستها الرشيدة التى ترمى الى تطهير المملكة الفتية من دعاة السوء ، وحملة المبادىء الهدامة ، بسن القوانين التى من شأنها ان توصل الى الحد من الهجرة المتدفقة ، والى تأمين رفاهية المواطنين
السعوديين والى ضمان الافادة من ثروة بلادهم الى اقصى حد ممكن . دون سواهم من الطارئين...فعدلت نظام المهاجرة ، وعدلت نظام الاقامة ، وعدلت نظام الجنسية السعودية ، ولا تزال تسن التشريعات والانظمة التى ترمى الى حفظ ثروة البلاد فى البلاد وللبلاد واهلها ، خاصة . وقد لوحظ ان بعض هؤلاء المهاجرين انما يتخذون هجرتهم الى البلاد مطايا للارتزاق وللارتزاف وحدد . و مطايا للثراء وتهريب الاموال الى بلادهم ، وحده . .
ولا ريب ان فى هذه التشريعات فوائد منموسة . . ثم لا ريب فى ان الخير ان نفيد من الحكمة القائلة : " إذا اعترضت طريقك صخرة ملساء شاهقة ، فلا تحاول صعودها عبثًا ، درحولها وسرفى طريقك الى الامام "
وقد كنت فكرت فى هذا الموضوع مليًا ، وقارنت ودرست ، وراجعت وواصلت الدراسة والمقارنة والتفكير العميق . . وقد وصلت من كل ذلك الى هذه النتائج :
اولا - ان بلادنا واسعة الارجاء ، واكثر اراضيها قاحل وصحارى خالية من السكان . . وهذا نتيجة حتمية لما كان استشرى فيها قبلا من فساد الحكم ومن القلاقل والفتن والامراض التى فتكت بالسكان ، ودهورت تعدادهم الى الضئالة الملموسة . . وقد تكدست فى المدن المقدسة وحدها اكثرية السكان ، وهذه الأكثرية هي موردة ومستهلكة والانتاج فيها ضئيل الى اقصى الحدود . . ولا يفى بشئ يذكر من مطالب الحياة .
ثانيًا_ فى هذه الاراضى كثير من الواحات التاريخية التى يسهن تعميرها ، او اعادة تعميرها اذا هيئت الوسائل الصحية والعمرانية المطلوبة . وكثير مما نرى أنه غير قابل للتعمير والتثمير ، اذا وجهت اليه وسائل العلم الحديثة ، فيه سيكون مزدهر العمران . . فبلادنا من حيث وضعيتها الجغرافية شبيهة بامريكا الجنوبية وقد عمرت امريكا الجنوبية وازدهرت حضارتها وملئت بالسكان والخيرات .
ثالثا_ وما دام اغلب من يهاجرون الى هذه البلاد من طوائف المسلمين الذين فارقوا ديارهم ، اما نتيجة لاضطهاد استعمارى او لغرض استثمارى ، وفيهم الايدى العاملة والرؤوس المفكره ، فمن الخير ان ندور حول الصخرة ، فنعمل ، مع التقييدات النظامية ، على الافادة من مواهبهم ، لصالحنا وصالح بلادنا وصالحهم ، وذلك بان نبحث عن المواقع الصالحة للتعمير والزراعة والصناعة ، ونحصيها ، وتقوم بتخطيطها اولا ، وتنشئ فيها المساكن الاولية ، ونجرى اليها المياه او نحتفر فيها الآبار ، او نجرى اليها العيون ، ونصلح الطرق الموفية إليها والموصلة ما بينها وبين مدن المملكة الأخرى وننشئ وسائل المواصلات الحديثة منها واليها ؛ فاذا تم لنا كل ذاك قدمنا الى عاملي المهاجرين من اخواننا المسلمين ، المتكتلين فى المدن الموردة المستهلكة ، واشعرناهم بان مصلحتهم ومصلحة البلاد ما داموا مهاجرين اليها كمسلمين مخلصين - ان يساعدوا على النهوض بها عمرانيا واقتصاديًا واجتماعيًا ، لا ان يكونوا عالة عليها ومزاحمين لأهلها الأولين على الموارد المحدودة . . وعلى ذلك فان هذه المدن المخططة والمنشأة نواتها ، هي لهم ، يزرعون فيها ويعملون ، وقد اقطعت لهم لغرض مساعدتهم على دوام الاقامة الصالحة المصلحة فى البلاد التى اختاروها موطنا اخيرًا لهم...... وقد هيئت لهم كل وسائل السكنى الضرورية وما عليهم الا اكمال هذا الشئ وتنظيم هذه المدن وتوسعتها وترقية الزراعة والصناعة والتجارة فيها وما ينتجونه يكون لهم اصله وضرورية ، واما زائده وفائضه فسيهل لهم تصديره الى كافة ارجاء المملكة وغيرها ، ضمانًا لمصالحهم وفوائدهم وحياتهم المفضلة . ...
وارى ان بحرة وحدة وذهبان وعسفان وما اشبه ذلك من هذه المواقع الصالحة لأنشاء المدن الجديدة بها واسكان اخواننا العاملين بها ، واعتقد ان هذا التدبير سيخفف الضغط عن المدن ذات التكتل الدينى ، واذا جاء زمن الحج فلسكان المدن الجديدة اداؤه كأى مدن اخرى من المملكة ، ثم يعودون الى منازلهم الخاصة بهم اسوة بسكان المدن الاخرى الذين يحجون ويزورون ثم يؤوبون عن طواعية ومحبة لمدنهم وقراهم فى المملكة ....
وأعتقد ايضا ان هذا سيخفف العبء عن الحكومة ، وسيحيل الأزمة الى نعمة وسيضمن اغتباط العالم الاسلامي والعربى بهذه النهضة الجديدة والاصلاح الجديد.
وأعتقد ايضا ان المواطنين السعوديين سيبتهجون به . . ولا بد ان كثيرًا منهم بحكم المصالح الخاصة والعامة سيساهمون فى إعمار هذه المدن الحديثة وسيشاركون سكانها فى مشروعاتهم الاقتصادية والعمرانية والزراعية .
كما اعتقد ان هذا المشروع يجب ان يؤخذ باهتمام شديد واتجاه حافل كى يؤتى الثمار المرغوبة بدلا من ان يزيد الطين بلة . . واذا قامت الجهات المختصة كل منها بقسطها الموفور حيال نجاحه . فى الصحة ، والعمران ، والتخطيط ، واصلاح وسائل المواصلات ، والمراقبة ، والأمن والثقافة وكل شئ . كان نجاحه باهرا مثل نجاحه فى امريكا الجنوبية والشمالية من قبل .
وبعد فهذا مشروع عمرانى هام معروض للدراسة والتنفيذ ، وان لنا قدرة ملائمة فى هذا الشأن بامريكا الجنوبية المماثلة طبيعة ارضها ووضعها البلادنا . والسعيد من افاد من خبرة غيره ، ومن اذا رأى طريق الخير والصلاح اقتحمه غير مبال بالعقبات ، وذلك بان يدور حول الصخرة حتى يجتازها ويمضى فى طريقه الى الاصلاح والخير آمنا هادئا مغتبطا .
