الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

مشكلات النشر والتوزيع

Share

الكلام في هذا الموضوع متسع ومتشعب . متسع لأن مجاله هو الثقافة نفسها ومشكلاته هى مشكلات الثقافة فى الوطن العربى .

ومتشعب لانه ينتظم صنوفا من القضايا نادرا ما تندرج تحت موضوع مفرد او مبحث محدد .

من اجل ذلك يحسن بنا ان نسارع الى القول ان هذا البحث لا يعدو أن يكون عجالة تلم مجرد المام ببعض اطراف الموضوع ، مع توكيد على الاصول دون الفروع .

1- مشكلات النشر

ونبدأ بمشكلات النشر :

                                       - 1 - فى رأس هذه المشكلات مشكلة هزال كمية المطبوع من الكتاب الواحد فمعدل المطبوع من الكتاب العربى اليوم اليوم يتراوح ، فى أحسن الحالات ، ما بين ثلاثة آلاف نسخة وخمسة آلاف نسخة ، ولا يستثنى من ذلك غير بعض الكتب المدرسية والدينية والجنسية والمعاجم .

ومرد ذلك الى الأمية ، فى المقام الاول ، على تفاوت فى ذلك بين قطر عربي وآخر . وهنا يحسن التبسط بعض الشئ .

ان عدد العرب الأحياء يبلغ نحوا من مئة مليون نسمة . وهو رقم ضخم خليق به ان يحتل ، فى أيما جرد شامل لاعداد المواطنين فى بلدان المعمور منزلة عالية جدا . فقليلة هى الامم التى يبلغ عدد ابنائها مئة مليون او يزيد .

وهذه الامم هي على التوالى ، الأمة الصينية ( 759 مليونا ) ، فالأمة الهندية ( 550 مليونا ) ، فالأمة الروسية ( 242 مليونا ) ، فالأمة الأميركية ( 205 ملايين ) ، فالأمة الأندونيسية ( 121 مليونا ) فالأمة الباكستانية ( 140 مليونا ) ، فالأمة اليابانية ( 103 ملايين ) اى ان الأمة العربية تجيء ، من حيث نعداد المواطنين ، فى المنزلة الثامنة بين أمم الأرض . .

هذا من ناحية . ومن ناحية ثانية فان عدد العرب الاحياء يبلغ ضعف عدد سكان فرنسا ( 50 مليونا ) ، وضعف عدد سكان ايطاليا ( 52 مليونا ) , وقريبا ( * ) من ضعف عدد سكان بريطانيا (55مليونا ) ، والمانيا الغرب ( 59 مليونا ) .

ومحصل هذا كله اننا لا نشكو ، والحمد لله ، قلة فى الأنفس ، ولكن انتشار الأمية بنسبة ثمانين فى المئة بين العرب المعاصرين يهبط بجمهور الكتاب العربى ، من وجهة نظرية طبعا ، الى عشرين مليون قارىء ، أى الى قريب من عدد سكان رومانيا أو أثيوبيا .

فاذا اعتبرنا توزع اهتمامات هذا الجمهور ، الصغير نسبيا ، على مختلف موضوعات المعرفة ، وأضفنا الى هذا الواقع نوعا فريدا من الأمية هو أمية المثقفين - هذه الأمية التى تجعل متخرجى الكليات والجامعات ينقطعون عن المطالعة بعد نيلهم الشهادة الجامعية - أقول اذا اعتبرنا هذا كله لم يبق مجال للعجب من هبوط معدل المطبوع من الكتاب العربى الواحد الى المستوى الذي ذكرنا .

والحق اننا لا نزال حتى فى الثلث الاخير من القرن العشرين أمة أمية ، وفي احسن الحالات ، أمة لا تقرأ . وان قراءنا هم فى الأعم الأغلب طلاب المدارس الابتدائية والثانوية وطلاب الجامعات . ومن أسف ان قطاعا كبيرا من هؤلاء لا يكادون يتقنون واحدة أو اكثر من اللغات الاجنبية حتى ينصرفوا عن مطالع الكتب العربية الى مطالعة الكتب الانكليزية أو الفرنسية ، وبذلك نفقد جزءا جديدا من جمهور القراء المفترض ، من حيث خيل الينا اننا كسبناه ، ولعل مرد ذلك الى فقدان الثقة بالكلمة العربية المطبوعة ، سواء أكان الكتاب مؤلفا أو مترجما ، ولعل لهؤلاء المتحولين الى التثقف على الكتاب الاجنبى عذرهم لأن مؤلفينا ومترجمينا لم يعرفوا كيف يحتفظون بحسن ظنهم .

ولسنا فى حاجة الى القول ان هزال كمية المطبوع من الكتاب العربى الواحد يؤدى الى رفع كلفة انتاجه ، وبالتالى الى غلاء ثمنه ، والى تدنى ارباح الناشرين وزهدهم في النشر الا اذا ضمنوا رواج الكتب - كأن يكون كتابا مدرسيا أو جامعيا مقررا أو مفروضا على الطلاب - كما يؤدى من ناحية ثانية إلى هزال فاضح فى عائدات الكتاب ، وبالتالى الى زهدهم فى التأليف والترجمة .

وخير علاج لهذه المشكلة الاولى ، من مشكلات النشر ، مكافحة الأمية فى جدية صارمة حتى لا يبقى فى العرب انسان واحد يجهل القراءة والكتابة وتنشئة الجيل الطالع على حب المطالعة ، وانما يكون ذلك بتخصيص ساعة او ساعتين من ساعات التدريس للمطالعة - وهي طريقة اتبعتها بنفسى يوم كنت مدرسا للغة والادب فآت احسن النتائج - وبتعديل البرامج على نحو يخفف من نزعة الطلاب الى الاعتماد على الحفظ من غير فهم ، فى اكثر الاحيان ، ويؤكد على الثقافة الصحيحة التى هى حصيلة المطالعة فى المحل الاول . ولعل من المفيد هنا ان نقترح ادراج مادة جديدة فى الامتحانات الرسمية هى مادة الثقافة العامة يكون الفوز فيها ثمرة من ثمرات المطالعة الحرة .

ولا يفوتنا هنا النص على ضرورة تعزيز المكتبات المدرسية بضروب الكتب المثقفة ، وباهداء المتفوقين من الطلاب مكتبات صغيرة تكون نوى لمكتبات منزلية محترمة . وقد قرأت في العدد الاخير من مجلة " العربي " ان حكومة الكويت درجت مند فترة على اهداء هؤلاء المتفوقين خزائن للكتب تغريهم فى نهاية المطاف بتزويدها بما يروق لهم من نتاج الفكر ، وهو تقليد صالح أتمنى ان تأخذ به وزارات التربية فى اقطار العروبة كلها .

ليس هذا فحسب ، بل انى ارى كحل جزئي لهذه المشكلة ، ان تعنى هذه الوزارات بانشاء مكتبة عامة فى كل مدينة او بلدة او قرية عربية ، وبانشاء المكتبات المتجولة التى تتيح للمواطنين مزيدا من امكانات القراءة والاطلاع على النتاج الحديث ، وان ترصد كل وزارة من وزارات التربية العربية اعتمادات سنوية لشراء عدد لا يقل عن المئتين من كل كتاب عربي جيد تصدره دور النشر ، وبذلك يتعود العربى المطالعة ، وتنتعش صناعة الكتاب ، وتتعاظم عائدات الكتاب والمؤلفين .

                                     - 2 - المشكلة الثانية من مشكلات النشر هى غياب النقد الصحيح . وهي ظاهرة مستجدة ، بمعنى انها لم تكن قائمة أو لم تكن على مثل هذه الحدة ،

قبل ثلث قرن ، يوم كان النقد يحيا عصره الذهبى مع العقاد والمازني وطه حسين وأمين الريحانى ومارون عبود ، ويوم كانت المقالة النقدية قادرة على ان ترفع كاتبا وتخفض كاتبا .

كل ما عندنا اليوم لا يعدو ان يكون تقريظا مجاملا ، او تجريحا متحاملا ، او مجرد تعريف مبنى على ضرب من التلخيص المخل لمادة الكتاب ، او الاستعراض الجاف لفهرسته ، او الاستشهاد الخفيف بفقرات من مقدمته .

وهكذا يفتقد جمهور قرائنا المحدود من يدله على الكتاب الجيد فهو اشبه بالسابح الغر يتخبط فى خضم متلاطم الامواج من الكتب التى تقذفها اليه المطابع اسبوعا بعد اسبوع ان لم نقل يوما بعد يوم ، ويفتقد الناشرون من بقدم نتاجهم الى الجمهور فهم يضطررون ، فى كثير من الاحيان ، الى ان يكتبوا المقالات عن منشوراتهم باسماء مستعارة لتدرج فى المجلات الادبية والثقافية لأن هيئة التحرير فى كل منها لا تضم ناقدا بصيرا قادرا على تقييم الانتاج ، و لأن ميزانية كل منها تعجز عن تكليف ناقد ما ، لقاء اجر معين ، بوضع دراسة عن أثر من الآثار الفكرية .

ومن هنا تضيع المقاييس ويستوى الغث والسمين تحت باب " الكتب التى وصلت الى المجلة اخيرا " . . فى حين تخصص الصحف والمجلات في البلدان المسهمة فى العمل الحضارى صفحات بكاملها لدراسة ثمرات الفكر وتقييمها بموازين موضوعية تهدى الجمهور الى الكتب القيمة الجديرة بان ينفق عليها القارىء ماله ووقته . وقد بلغت ثقة الناس برأى الناقد ، فى تلك البلدان حدا أصبح معه مجرد التنويه بكتاب ما ، فى الصفحة الادبية من جريدة ، او فى باب النقد من مجلة ، شبه تكريس لذلك الكتاب ، وآية على جدارته باهتمام الناس . ولن يستقيم امر النشر عندنا الا حين تأخذ صحافتنا نفسها بالعناية بالنقد الموضوعي الصحيح وتجند له ابرع الاقلام واعمقها ثقافة . وعندئذ فقط يستيقن الناشر انه ان طالع الناس بكتاب بعيد الاثر فى حياة الجيل لم بمر هذا الكتاب مر السحاب من غير ان يشعر به احد ، وهو ما يحدث اليوم كل يوم تقريبا .

                         - 3 - هذا الكلام المقتضب على غياب النقد يسلمنا الى المشكلة الثالثة ، من مشكلات النشر ، اعنى مشكلة الحرية ، لكأن الكتاب العربى لا يكفيه ضيق مجاله الحيوى - بسبب من أمية الأميين وأمية المثقفين - ولا يكفيه غياب الاقلام

المثقفة القادرة على تقيمه وتقديمه الى جمهور القراء حتى يصطدم بجدار غليظ من الرقابة حيث يبقى فى الادراج اسابيع ريثما يفرغ له الرقيب ، وحيث بحكم عليه بالاعدام ، فى بعض الاحوال ، من غير ان تتاح له فرصة الدفاع عن النفس .

فكم من كتاب منع في هذا البلد العربى او ذاك بدعوى الثورية حينا ، ويدعوى الرجعية حينا ، وبدعوى المحافظة على الاخلاق او التعرض للنظام القائم احيانا او لمجرد ان الرقيب لم يفهم حقيقة مراميه او أساء فهم مراميه وكثر ما يتردد الرقيب فى اصدار الحكم على كتاب ليعمد آخر الامر الى وضع العلامة الحمراء عليه ايثارا للعافية . ذلك بان احدا من رؤساء الرقيب لن يناقشه اذا منع ، فى حين قد يفقد هذا الرقيب نفسه منصبه اذا تجرأ فأجاز .

انا اعلم ان لكل بلد عربيه الخاص وضروراته الخاصة ، وان بعض الكتب التى تصدر عن المطابع العربية ينطوى على ما يفسد الخلق او يسئ الى قضية النضال الوطني ولكن الخطر يكمن دائما فى المغالاة في استخدام هذا السلاح او فى استخدامه لادني شبهة . ولعل افضل علاج لهذه المشكلة ان يعهد بأمر الرقابة على الكتب الى اتحاد الكتاب فى كل بلد عربي فذلك أدعى الى الانصاف ، وأدنى الى الاصابة فى الحكم . وقد كان من دواعي سرورى أن أعلم أن بعض البلدان العربية تفكر جديا فى القيام بهذه التجربة الرائدة .

                          - 4 - فاذا سلم الكتاب العربى من آثار أمية الأميين ، وأمية المثقفين ، وأمية بعض المسؤولين عن شؤون الرقابة وتمت له بذلك اسباب النجاح كلها ، لم بسلم من آفة مستحدثة ناشئة عن نجاحه بالذات ، هي آفة التزوير ، وتلك هى مشكلة النشر الرابعة ، ولعلها أدهى تلك المشكلات وأشدها مضاضة على النفس ، ومردها هذه المرة الى ضرب آخر من الأمية هو أمية للناشرين انفسهم .

وتفصيل الأمر ان فى عالم النشر اليوم فئة من الدخلاء ليس لها هم الا ان ترصد الكتب الصادرة عن دور النشر والطباعة ، فلا تكاد تتسامح بأن كتابا بعينه قد حظى ببعض الرواج حتى تعمد الى اصداره فى طبعة تجارية شائهة تطرد الطبعة الاصيلة من السوق كما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة .

وهذه الآفة تتخذ اشكالا متعددة . فاذا كان الكتاب الناجح مترجما عمه المزور الى شراء نسخة منه وأجرى على بعض كلماتها وفقراتها تعديلات يحاول فيها ان يوهم الناس بان صنيعه ذاك مجرد ترجمة جديدة يدفع بها الى الاسواق بنصف ثمن النسخة الاصلية أو أقل ... واذا كان الكتاب نسخة محققة عن أثر قديم أدخل على الحواشى والشروح تعديلات غبية تدمغ الكتاب بدمغة الرخص المعنوى والمادى .

حتى اذا ناقشته فى ما صنع اجابك بقوله ان الكتاب المترجم ليس ملكا شخصيا لك ولكنه جزء من التراث الانسانى ، وان النسخة الممسوخة من الطبعة المحققة هي قطعة من التراث العربي او الاسلامي الذي لا يجوز أن لكون حكرا لأحد - هذا إذا لم يلبس مسوح سدنة الثقافة الناذرين انفسهم لخدمتها فيزعم ان كل همه ان ييسر على الناس اقتناء الكتاب باضفاء الصفة الشعبية عليه ...

وهكذا تضيع جهود المترجمين الحقيقيين والمحققين الثقات ، وتمتلئ الاسواق بما اصطلح على تسميته بكتب " الستوك " التى تحمل على العربات لتباع بسعر الكلفة تقريبا . وقد كان لهذا أثر بعيد فى تزهيد المترجمين بالترجمة , والمحققين بالتحقيق ، والناشرين بالنشر ، وتلك نكسة اصيبت بها صناعة الكتاب فى السنوات الاخيرة الماضية على نحو لم يعرف له مثيل من قبل .

ولكن البلاء الاعظم يكون عندما يحلو لقرصان النشر هؤلاء كتاب من نأليفك او تحقيقك حظى برواج كبير او متوسط فيسارعون الى اقتناء نسخة منه ويدفعونها الى مطابع الاوفست لتخرجها طبق الاصل حاملة اسمك نفسه ، واسم دار النشر التى اخرجت كتابك ، وحتى تاريخ الطبع ايضا , فى محاولة الى اخفاء الجريمة من طريق التقليد الكامل ، على طريقة مزورى الطوابع او العملة .

وعندى ان هؤلاء القرصان اخطر على المجتمع من اللصوص العاديين . فالللص العادى قد يقدم على السرقة سدا لحاجة ، او تفريجا لضيق مالى ، اما هؤلاء فانما يقترفون ما يقترفون طمعا فى مال حرام يجنونه من عرق المؤلفين - وقد لا يكون لهؤلاء المؤلفين موارد مالية غير مؤلفاتهم - او يختلسونه من نصب الابتام الذين لم يخلف لهم آباؤهم غير هذه التركة الهزيلة يستعينون بها على العيش . والأمثلة على ذلك كثيرة ، فقد زوروا كتب المنفلوطى ، وطه

حسين ، وتوفيق الحكيم ، وعبد الرزاق السنهورى ، ووصل بهم الامر اخيرا إلى تزوير قاموس المنجد ومراجع اخرى عربية واجنبية ، والبقية على الطريق .

والذي أراه ، علاجا لهذه المشكلة ، ان يصار الى وضع تشريع خاص يحدد فيه مفهوم التزوير تحديدا واضحا ويعتبر فيه التزوير جريمة تستحق اقصى العقوبات ويقع تحت طائلتها لا المزور وحده بل طابع الكتاب المزور وبائعه على حد سواء . وان تعمد اتحادات الناشرين فى البلاد العربية الى التشهير بكل من تسول له نفسه السطو على افكار الآخرين أو على حقوقهم الادبية على الشكل القسح ، وطرده من عضويتها - ان كان عضوا فيها - والى مقاطعة كل صاحب مكتبة يشترى او يروج أيما كتاب مزور أو يتعامل مع المزورين بأى شكل من اشكال التعامل .

وقد درجت وزارة الاعلام السورية حديثا على خطة حميدة فى هذا الباب تقضى بعدم السماح بدخول أية شحنة من الكتب الى الاراضى السورية ما لم نكن مرفقة بفاتورة رسمية من الناشر الشرعى ، وبمصادرة كل شحنة يشتبه بانها صادرة عن " مصانع القرصنة " التى اتسع نشاطها فى الآونة الاخيرة اتساعا يهدد مستقبل النشر كله ، فى العالم العربى ، باعظم الاخطار .

                     - 5 - بقيت اخيرا مشكلة فوضى الترجمة واحياء التراث .

اننا نعيش اليوم فى عصر نستطيع ان ندعوه عصر الترجمة ، ونحن فى هذا العصر محتاجون الى ترجمة روائع التراث الانسانى شرقيا كان هذا التراث أم غربيا . وبدلا من أن تنظم حركة الترجمة وفقا لسلم قائم على اساس الاولويات نجد الناشرين يسارعون الى ترجمة كل كتاب يعتقدون انه جدير بان يعود عليهم بالربح العاجل ، ويتسابقون الى ترجمة الكتاب الواحد احيانا فتصدر منه طبعتان او ثلاث طبعات او اكثر ، على حين ان ترجمة واحدة جيدة تكفى ، وعلى حين ان خزائن التراث العالمي حافلة بالكتب التى لم يخطر لاحد حتى الآن ان ينقلها الى العربية .

ولعل من ابرز اسباب هذه الفوضى ان بعض الناشرين يعمدون الى ترجمة لكتب من غير ان يستأذنوا اصحابها فى ذلك أو من غير أن يدفعوا اليهم بدل الترخيص بالترجمة . ولا شك فى ان البلية تكون أدهى وأمر حين يشترى

ناشر حق الترجمة ثم يفاجأ باكثر من ترجمة غير شرعية للكتاب نفسه ، فتكسد طبعته فى الاسواق ، ويضطر الى اللجوء الى القضاء ، وقد يلجئه ذلك من بعد الى اختصار الطريق فيصدر كتبه المترجمة من غير اذن او ترخيص . ومما يساعد على استشراء هذا الداء ان بعض البلدان العربية لم تلتزم حتى الآن باتفاقية برن ، فى حين ان بعضها الآخر التزم بتلك الاتفاقية ، مما يضيع على ناشر الرحمة الشرعية فرصة استعادة ما دفعه ، ويؤدى الى نشوء منافسة غير متكافئة بين ناشرى بلد عربي وناشرى بلد عربي آخر .

ومن حقنا ان نتمنى على البلدان العربية التى لم تلتزم حتى الآن باتفاقية برن أن تبادر الى توقيع هذه الاتفاقية ، وعندئذ يصبح كل نشر لأيما ترجمة غير مرخص بها عملا يقع تحت طائلة العقاب .

هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فاننا نعيش اليوم ايضا عصر احياء التراث العربى والاسلامي . واذا كان هذا الاحياء لا يحتاج الى ترخيص من احد فانه يحتاج على الاقل الى تنظيم . فالآثار العربية الجديرة بالنشر تعد بالآلاف ان لم نقل بعشراتها ، ومع ذلك فاننا نجد ان بعضها لم يحظ من لناشرين بأي اهتمام ، فى حين ان بعضها الآخر ، كالاغاني والعقد الفريد ونهج البلاغة وامثالها ، قد نشر غير مرة ، وفي ذلك مضيعة للجهد والوقت والمال .

وفي امكان دور النشر ان تتعاون على التخفيف من حدة هذه المشكلة عن طريق تبادل المعلومات عن الآثار التى تعتزم احياءها وبذلك تتجنب التورط فى اصدار طبعات مكررة للأثر الواحد وتنصرف الهمم الى بعث ما لم يسبق الى نشره من تراثنا العظيم وانا اقترح أن تعمد الدائرة الثقافية بالجامع العربية ، أو اتحادات الكتاب فى مختلف البلدان العربية ، الى تنظيم جداول مكتب التراث التى نشرت وبتلك الجديرة بالنشر والتى لم تر النور من قبل , ليستهدى بها المشتغلون في هذا الجانب من جوانب العمل النشرى .

تلك هي ، بايجاز كلي ، ابرز المشكلات التى يعيشها الناشرون يوميا ، فلنقدم الآن الى الكلام على القسم الثاني من البحث وهو مشكلات التوزيع . ونظرا لضيق المجال نجتزىء بالاشارة الى ثلاث من هذه المشكلات يخيل الينا انها اكثر الحاحا واجدرها بالمعالجة فى هذه العجالة .

11 - مشكلات التوزيع

                            - 1 - ونبدأ بمشكلة القيود المفروضة على اخراج العملة ، وهي مشكلة يومية كتوى بنارها جميع الناشرين والموزعين بلا استثناء .

هذه القيود نوعان : جزئي وكلى . فاما القيود الجزئية فهى تلك التى تحدد اخراج العملة مجرد تحديد من غير ان تحظره مرة واحدة . وانما يتم ذلك عن طريق منح الموزع اجازة سنوية او شهرية بمبلغ معين يحق له اخراجه من عملية البلاد شرط ان يثبت بما يقدمه من فواتير الاستيراد استخدامه هذا المبلغ فى شراء الكتب من مصادرها المختلفة . ومتى ذكرنا ان هذه " الكوتا" غالبا ما تكون هزيلة بحيث لا تغنى من جوع ادركنا ان مثل هذا التقييد خليق به ان يؤدى فى نهاية المطاف الى الحد من نشاط الموزع ، والى اكراهه على الاكتفاء بتغطية جانب ضئيل من حاجة السوق المحلية الى الكتب ، وبذلك نصاب الحركة الثقافية فى البلاد العربية بمثل الشلل النصفي ، ويحرم المثقفون كثيرا من المراجع التى لا غنية لهم عنها فى عملهم اليومي .

واما القيود الكلية فهى تلك التى تحظر اخراج العملة من بلد الى آخر كلما اتصل الامر بالكتاب والناشرين تحظيرا كاملا . فانت تستطيع ان تسوق منشوراتك فى بعض الاقطار العربية ولكنك لا تستطيع اخراج حصيلة مبيعاتا من تلك الاقطار . وليس عليك اذا رغبت فى الاستمرار فى التوزيع الا ال البحث عن وسيلة للافادة من تلك الحصيلة داخل حدود القطر نفسه ، أو السعى الى اخراجها بطرق ملتوية لا يرتاح اليها ذوو الضمائر الحية .

وتكون النتيجة الحتمية لهذا الوضع توزيع اقل نسبة ممكنة من الكتاب الجيد المهيأة له كل مؤهلات الانتشار ، او التعرض لشتى الاغراءات الى اخراج العملة بطرق يعاقب عليها القانون .

ولست أرى من حل لهذه المشكلة غير رفع القيود ، بصورة استثنائية , عن اخراج العملة بحيث يتمكن الموزعون فى أى بلد عربي من طلب كل ما يحتاجون اليه من الكتب الصادرة فى أى بلد عربي آخر ، وبحيث يتمكن

لناشرون من الحصول على ناتج مبيعاتهم فى مختلف اقطار العروبة . حتى اذا ثبت للسلطات المحلية ان ناشرا معينا او موزعا معينا اساء استخدام هذه الحرية فعندئذ يكون من حقها ان تعمد الى انذاره أولا ، ثم الى تطبيق احكام القانون عليه بعد ذلك .

                                 - 2 - ولننتقل الآن الى المشكلة الثانية من مشكلات التوزيع . انها مشكلة حصر الاستيراد في بعض الاقطار العربية بمؤسسة واحدة او شركة قومية واحدة . ويقتضينا الانصاف ان نشير ، بادىء ذى بدء ، الى ان هذه التجربة قد ساعدت على تنظيم العلاقة بين قطاعي النشر والتوزيع فحصرت التعامل بجهة واحدة يستطيع الناشرون الاطمئنان الى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاههم ، فهم غير مضطرين ، بعد ، الى الطيران مرة كل فصل أو مرة كل سنة ، الى هذا القطر العربي أو ذاك ، لقبض حصيلة مبيعاتهم أو للتهديد باتخاذ الاجراءات القانونية لقبضها .

يد ان لحصر الاستيراد بمؤسسة او شركة قومية واحدة محاذيره التى نححب هذه الحسنة التى قدمنا بها للكلام على هذه المشكلة . ذلك بان فى الحصر ، اولا ، تقيددا لحربة الكتاب ، وتمكينا لفئة لا تكاد تزيد على اصابع اليد الواحدة من التحكم في مصائر الثقافة فى قطر بكامله ، فكم من كتاب جليل لم يصل الى بعض البلدان الآخذة بهذا النظام لمجرد ان المسؤول عن المؤسسة المعينة ارتأى انه غير نافع ، أو غير ضرورى ، أو غير مؤهل للرواج ٠٠٠ ولا نقول لانه ظن به شرا أو خشى منه عاقبة .

وبذلك يوصد الباب نهائيا فى وجه الكتاب ، ويحرم قطاع كبير من القراء من الاطلاع على أثر فكرى جديد كان خليقا بهم ان يفيدوا منه لو قدر لهم ان يتعرفوا اليه .

ومن محاذير هذا النظام ان المسؤولين فى المؤسسات المعنية كثيرا ما بتفردون فى تقرير العدد الذى يبغى استيراده من كتاب ما ، بصرف النظر عن قانون العرض والطلب ، وبذلك يتحكمون فى مصير ذلك الكتاب ويحدون من امكانات رواجه وتسويقه .

ولعل اخطر محاذير هذا النظام انه يحكم " مزاج " المسؤولين عن المؤسسة المعنية لا بمصائر كتب بعينها ، بل بمصائر دور نشر بكاملها . فقد يغضب هؤلاء المسؤولون - لسبب او لآخر - على دار من دور النشر فيحجمون عن التعامل معها احجاما كاملا أو يعمدون الى اهمالها على سبيل العقاب أو لتأديب ، والمرء - وبخاصة اذا كان فى مركز المسؤولية - قادر على ان يضر وينفع . .

انها تجربة جديدة ، وربما فريدة ، فى العالم العربى ، ولقد نجحت في بعض الاقطار ، وأخفقت فى بعض الاقطار ، وكلامنا عليها لا يستهدف التجريح بأى من المؤسسات المنبثقة عنها - كما لا نحتاج الى القول - خاصة وانها تبذل غاية الجهد لاجتاب هذه المزالق .

                         - 3 - بقيت المشكلة الاخيرة وهى فقدان شركات التوزيع .

صحيح ان فى العالم العربى عددا من الشركات المتخصصة لتوزيع المطبوعات ، ولكن هذه الشركات تقصر نشاطها ، أو تكاد ، على توزيع الصحف والمجلات الدورية ، وقد كانت لبعضها تجربة سالفة فى حقل توزيع الكتاب , ولكنها سرعان ما اغلقت هذا الباب مكتفية من الغنيمة بالاياب .

من هنا ان كل دار من دور النشر تجد نفسها مضطرة اليوم الى توزيع كتبها بوسائلها الخاصة ، مستعينة على ذلك بوكيل او اكثر فى هذا القطر العربى أو ذاك . وما اكثر الاقطار العربية التى لم يصل اليها بعد نتاج كثير من دور النشر بسبب من هذا الوضع العجيب .

والواقع اننا فى أمس الحاجة الى قيام الشركات المتخصصة بتوزيع الكتاب على نطاق الوطن العربي كله بحيث يصل الى أيدى القراء فى جميع المدن وجميع القرى . من الخليج الى المحيط ، كما تصل الصحيفة أو المجلة سواء بسواء ، ولسنا نشك فى ان ذلك خليق به إذا تم ، ان يدفع عجلة النشر والتوزيع اشواطا الى الامام .

ليس هذا فحسب ، بل اننا فى أمس الحاجة الى قيام شركات قادرة على توزيع الكتاب العربي على نطاق عالمى ، بحيث يتوافر فى اميركا وافريقيا

و آسا وفي كل مكان ، وبخاصة فى البلدان الاسلامية التى تعتبر سوقا اساسية من اسواق الكتاب العربى ، ولكنها سوق لا تزال حتى هذه اللحظة مجهولة أو مهملة .

ولا ريب فى ان توزيع الكتاب العربى على مثل هذا النطاق العالمى لن يؤدى الى تحسين اوضاع الناشرين والمؤلفين فحسب ، بل انه سوف يؤدى - وهذا اهم - الى نشر الثقافة العربية ، قديما وحديثا ، فى الدنيا كلها ، وهو مطمح ينبغى ان يكون هما من هموم الدائرة الثقافية والاعلامية فى جامعة الدول العربية .

ان نتقدم ، كحل لهذه المشكلة ، باقتراح يقضى بأن تتعاون كبريات دور النشر العربية ، فى مختلف اقطار الوطن العربي ، على انشاء شركة توزيع عربية برأسمال ضخم تسهم فيه كل دار بما تستطيع وعندئذ يصبح فى الامكان ايصال الكتاب العربى الى ارجاء الدنيا الواسعة ، ويصبح فى الامكان ايضا تبادل الانتاج من أيسر السبل فلا يعود التسويق قاصرا على الكتاب المصرى والكتاب اللبنانى دون غيرهما ، بل ينتظم كامل الانتاج الثقافي العربى أيا كان موطن نشره ، فكم من كتاب قيم ظل مجهولا ، وكم من كاتب كبير ظل مغمورا - على النطاق القومى العريض - لمجرد انه مطبوع أو مولو فى تونس أو العراق أو ليبيا ، أو غيرها من ديار العرب ، وليس فى مصر أو لبنان .

وحبذا لو درست اتحادات الناشرين فى البلاد العربية هذا الاقتراح المتواضع وعملت على تحقيقه بطريقة أو بأخرى ، فهي اعرف الناس بخطره , واقدر الناس على تحقيقه .

اشترك في نشرتنا البريدية