الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مشكلة التربية الاخلاقية والدينية، في البلاد النامية

Share

من اعظم الانجازات التى تحققت فى القرن العشرين الميلادى تحرير العديد من شعوب آسيا وافريقيا من ربقة الاستعمار .

فان هذه الشعوب التى تحررت تشكل الكتلة المهمة من الشعوب التى تنعت (( بالشعوب النامية )) .

إن مصطلح (( الشعوب النامية )) يستعمل فى عصرنا هذا للدلالة على الشعوب التى حققت استقلالها السياسى أخيرا وهى طامحة الى القضاء على التخلف فى حقلى العلوم والتقنيات . ثم إنها تسعى لتطبيق مبادئ اعلان حقوق الانسان ، وفى مقدمتها الحريات الاساسية ، على حياة شعوبها . وبكلمة أخرى فالشعوب النامية هى تلك التى تطمح الى بناء مجتمع جديد ذى مستويات صحية واقتصادية واجتماعية أفضل وذى نظم سياسية تقدمية .

ولتحقيق هذه الاهداف تحمست هذه الشعوب بالاقبال على التربية والتعليم ذلك لان التربية والتعليم هى أضمن وسيلة لتحقيق الاهداف الاجتماعية .  ولكن التربية لأجل ان تكون ناجعة ومثمرة ينبغى ان تؤسس على قواعد روحية واخلاقية .

ما الذى حققته الشعوب النامية فى حقل التربية والتعليم ؟

ان العديد من هذه الشعوب استوردت أنظمة تعليمية من الخارج او رسخت الانظمة التى وضعها لها حكامها السابقون .

إن هذه النظم التربوية ربما تكون قد حققت ما أريد منها فى الماضى ولكنها على المدى البعيد وعلى نطاق شامل قد لا تكون ملائمة لاحتياجات الشعوب النامية . إنها نظم تؤكد عادة الحفظ اللفظى للدراسة الاكاديمية وتقتصر على استعمال الكتب من دون تطبيق فلا تعنى عناية كافية باخلاق الطالب وبناء وشخصيته الامر المطلوب من اية تربية حقيقية . ولذلك فالتربية الاخلاقية قد تترك فى أغلب الاحوال للصدف وللاهتمام العرضى ذلك اذا لم تنس وتهمل تماما . ففى الحياة المدرسية الاعتيادية قد يكتشف المرء أحيانا ظاهرة المحاباة والحسد والغش والتعصب .

نحن نعتقد بأن كل نواحى الحياة فى الشعوب النامية تتطلب اعطاء الاولوية من العناية الى الاسس الاخلاقية والروحية .

فهذا أرادت الشعوب النامية اكتساب العلوم والتقنيات مثلا فلا بد لها من ان تدرك بأن العلوم والتقنيات مدينة فى وجودها ونموها الى بعض السجايا الاخلاقية الضرورية التى بدونها لا تقوم علوم ولا تقنيات . ومن هذه السجايا : حب البحث عن الحقيقة والدقة فى البحث وهما يتطلبان النزاهة والاخلاص فى العمل ، الصبر والمثابرة وهما يتطلبان الغيرية والوعى وصفاء الذهن وهما يتطلبان العفة والطهارة .

ان التنمية الاقتصادية الصحيحة للبلاد النامية تتطلب أيضا أسسا اخلاقية . إنها تتطلب تعليم الفرد ان يكون أمينا ، محبا للعمل ، مجتهدا ، دقيقا ، مثابرا ، متعاونا مع الغير ، يساعد الغير ، محافظا على المواعيد ، مرتبا ، نظيفا ، مستعدا لتقبل افكار جديدة . وكل ذلك يعنى غرس سجايا اخلاقية فيه .

إن الاستاذ غونار ميردال الاقتصادى السويدى المعروف وجد فى الاحد عشر بلدا آسيويا التى زارها ودرس اقتصادياتها أن التربية قد قصرت خاصة فى تكوين السجايا الاخلاقية التى أشرنا اليها توا . وقد قال بحق إن المدارس فى هذه البلاد تزود الطلاب بجوازات سفر للهروب من العمل اليدوى .

فالتربية لأجل التنمية الاقتصادية الصحيحة والعادلة ينبغى أن تبنى على أسس اخلاقية .

فالبلاد النامية سوف تدرك ان عاجلا أو آجلا ان العديد من النظم التربوية المستوردة من الخارج والمطبقة فى ظروف تختلف تماما عن الظروف السائدة

فى البلاد التى استوردت منها ليست ملائمة لحاجات البلاد النامية . فانها قد تعنى بتخريج الشبان والشابات الذين يترفعون على العمل اليدوى فيصبحون من ذوى " الياقات البيضاء " فان عدد المحامين والباحثين عن أعمال فى دوائر الدولة قد يزيدون عن الحاجة فى العديد من الحالات .

ولذلك فالجامعات (( قد تصبح )) فبارك (( لتخريج العاطلين )) ، وبينما تراد التربية لتأمين النمو الاقتصادى للبلاد واذا بها تصبح ذاتها مشكلة اقتصادية للبلاد .

هذا وإن دور الاخلاق فى الحياة السياسية قد يكون أعظم مما هو فى الحياة الاقتصادية . فالبلاد النامية تحتاج الى حياة سياسية مؤسسة على احترام حياة الانسان وحرياته وكرامته . وإن الحرية لا بد ان تقترن بالنظام وبالمسؤولية . ثم إنها تحتاج الى تنمية روح التسامح والصبر على استماع الآراء المخالفة وغرس روح الوحدة والانسجام بين أناس قد ينتمون الى قبائل مختلفة أو عناصر متعددة أو مذاهب دينية متضاربة . كل ذلك يتطلب تربية اخلاقية على مستوى رفيع ولا سيما فى نواحى الامانة والنزاهة ( الاستقامة ) وفى الغيرية وفى التآخى وفى الترفع عن الموبقات .

إن الاستقرار السياسى هو من الشروط الاساسية للبناء والنمو فى البلاد النامية اذ بدون استقرار سياسى لا رقى ولا تجديد فى البناء المادى والاجتماعى . نحن نسمع ونقرأ بين الفينة والاخرى عن ثورات أو انقلابات هنا وهناك حتى ان كلمة " ثورة " قد أصبحت شعارا فى العديد من البلاد النامية . نحن نعتقد بان الثورات او الانقلابات الدموية من الممكن تفاديها لو ان البلاد النامية حققت ثورة سلمية بيضاء وذلك بأن يتفق الحكام والمحكومون على احترام مستويات أخلاقية عالية فى النزاهة والغيرية والمحبة والعفة وان يعهد الى التربية بأن تعمل على تحقيق هذه المستويات .

وفى الحياة الاجتماعية نجد البلاد النامية فى العديد من الحالات امام محنة اخلاقية . فبينما كانت المجتمعات القديمة تتمسك بقواعد اخلاقية صارمة وتنظيم اجتماعى صلب وكان على الفرد اى يخضع لهذه القواعد الاخلاقية وهذه التنظيمات واذا بالتربية المستوردة وما يرافقها من وسائل الاعلام ( سينما ، راديو ، تلفاز ، صحافة ) تعمل على فك الارتباط بالنظم الاخلاقية والتقاليد الموروثة وتعوض عنها بالتراخى والتسيب باسم الحرية وباسم التجديد

فالشعوب النامية قد تقفز من تطرف الى تطرف وهذا القفز السريع قد لا يخلو من الاخطار الاجتماعية والاخلاقية .

نحن نعتقد بان المجتمع لا يمكن ان يحتفظ بقوته وحيويته ما لم تتوفر حياة عائلية نظيفة وعدالة اجتماعية مقرونة بالمحبة والرحمة وجهدا اجتماعيا يرتفع على الانانية . أى أننا نجد ان السجايا الاخلاقية المكونة من النزاهة والغيرية والتآخى والعفة هى أساسية لتحقيق التطور الاجتماعى القوى الذى يؤمن الخير والسعادة للافراد وللجماعات .

إن للبلاد النامية نصيبها من أعمال الفوضى والعنف وانعدام البيئة الصحية النظيفة . وللتغلب على هذه العلل إنها تحتاج الى تربية اخلاقية مؤسسة على انضباط ايجابى ( ذاتى ) تبدأ من الطفولة المبكرة .

قبل نحو خمسين سنة عاش فى أميركا ( الولايات المتحدة ) مرب كبير هو الاستاذ ( شاندلر باغلى ) . لقد حذر الاستاذ باغلى المربين الاميريكيين من خطر التراخى فى الضبط على النسيج الاخلاقى للمجتمع الاميريكى . إن تحذيراته لم تؤخذ مأخذ الجد فى حينه ولكن المجتمع الامريكى تيقظ الى أهمية هذا الموضوع اليوم بعد تجارب مرة . فالشعوب النامية قد تحسن صنعا اذا أصبحت حذرة من البداية ولم تخئ فى التساهل والتراخى فى قضية التربية الاخلاقية . فالمجتمع الذى يتوخى الانسجام فى النمو يحتاج الى تربية تؤكد السجايا والقيم الاخلاقية فى كل مناحى الحياة .

- 11 -

مشكلة أخرى تجابه التربية فى البلاد النامية قد تكون أدهى من مشكلة الاهمال النسبى للتربية الاخلاقية وهى ذات ارتباط عضوى بالتربية الاخلاقية أعنى بها مشكلة التربية الدينية . فهذه تعانى من الاهمال النسبى ما تعانيه التربية الاخلاقية إن لم نقل أكثر . فبعض النظم التعليمية الاجنبية قد لا تعترف بوجود شئ فى الوجود لا يدخل ضمن الحس أو القياس  .

وهناك نظم تعليمية أخرى تفصل الحياة الروحية للانسان عن الحياة الزمنية وهى ما يصطلح عليه عادة (( بالعلمانية )) أو ( اللائكية ) .

والحقيقة هى ان اسمى ما فى الانسان هى روحه . والانسان هو المخلوق الوحيد الذى نعرفه على هذه الكرة الارضية والذى فى وسعه أ ن يرتفع بنفسه

فوق نفسه فينظر اليها ويرى الارتباط بينه وبين محيطه الاجتماعى ومحيطه الطبيعى وان يكتشف القوة الخلافة والرابطة فى الكون تلك القوة التى تصدر عن قصد شامل يوجه الحياة والوجود كله الى الخير والحق والمحبة . ولا بد للشعوب النامية من أن تدرك استحالة وجود اخلاق عالمية لبنى الانسان فى كل مكان ما لم يتوفر وعيى بالترابط بين انسان وآخر وبين الانسان والطبيعة وبين الانسان والكون وبين الانسان وخالق الكون . وما لم تتوفر هذه الاخلاق العالمية فلن تتحقق نهضة حقيقية فى الحقل العلمى أو الاقتصادى أو الاجتماعى أو السياسى .

فالانسان بدون إيمان يكون كمن يسافر فى بحار الحياة الهائجة من دون نور أو بوصلة . فالتربية الروحية ( الدينية ) هى أساس كل التربية وهذا ما نأمل أن يضعه قادة التعليم فى البلاد النامية نصب أعينهم .

- 111 -

بعد أن أكدنا على أهمية التربية الاخلاقية والتربية الدينية للبلاد النامية نشير الآن باختصار الى أهداف وأساليب التربية الاخلاقية :

(1) إن الهدف الاسمى للتربية الاخلاقية ينبغى ان يكون مساعدة الانسان على (( معرفة نفسه )) تطبيقا للمبدأ السقراطى المشهور (( اعرف نفسك )) . فالمطلوب من التربية ان تعرف الانسان بأنه أكثر من كائن بيولوجى . لا شك فى أنه كائن بيولوجى ولكنه فوق ذلك هو كائن روحى أيضا . فالانسان قد يحمل فى داخله العديد من الاندفاعات العنيفة التى يشارك فيها الحيوان الوحشى . ولكنه فى الوقت نفسه إنه يحمل فى ذاته القابلية للسيطرة على هذه الاندفاعات وفى وسعه أن يوجهها نحو الخير . هذا وفى وسع التربية ان توجهه نحو الصراط المستقيم .

(2) ومن أهداف التربية الاخلاقية ان تساعد الفرد على الوعى والادراك بانه مرتبط ارتباطا عضويا برفاقه بنى الانسان ويمحيطه الطبيعى وبالكون وبخالق الكون .

( 3 ) ومن أهداف التربية الاخلاقية أيضا ان تساعد الفرد على الادراك بأن الانسان ومحيطه الاجتماعى ومحيطه الطبيعى إنما يسير وفق قوانين وسنن طبيعية واجتماعية ونفسية . منها قوانين التغير والنمو والانحلال . وأن هذه القوانين فعالة فى الكون وان واجب الانسان ان يكتشفها وأان يجعل حياته

وسلوكه منسجمة معها . والاخلاق قد تصبح عبارة عن التوافق والانسجام بين حياة الانسان وافعاله من جهة وبين القوانين الكونية طبيعية كانت أو اجتماعية أو اخلاقية من الجهة الاخرى .

(4) ومن أهداف التربية الاخلاقية ان تعلم الفرد بأن مؤسسى الاديان الكبرى والفلاسفة العظام والمعلمين الملهمين إنما جاءوا ليساعدو الانسان على التعرف على القوانين الكونية والعيش على مقتضاها . ومع أن معرفة الانسان لهذه القوانين وتطبيقه اياها قد تتطور وتنمو تبعا للنشوء الفكرى والحضارى إلا أن القوانين ذاتها وخالقها تدخل فى نطاق المطلق . فالقوانين التى يضعها الانسان هى عرضة للخطأ أو التغيير أما القوانين الالهية فانها مطلقة .

إن هذه النظرة الى الاخلاق توحد بين الناحية الاخلاقية والناحية الروحية من حياة الانسان وتربط بينهما ، كما انها توحد النظرة الاخلاقية والروحية فى الحياة مع النظرة العلمية . ولا بد من وحدة الروح والاخلاق والعلم فى حياة الانسان اذا أريد للعالم الثالث ( البلاد النامية ) ان تتغلب على المشاكل المعاصرة المشاكل الناجمة فى معظم الحالات عن الانفصال والانشطار بين العلم والدين والاخلاق . إن هذا التوحيد بين الايمان والعلم والاخلاق يضمن النمو الاخلاقى المستمر فى الحياة . كما انه يوحد بنى الانسان ويؤدى الى السلام والوفاق فى العالم .

وبعد أن يتقبل المربون فى البلاد النامية النظرة الرابطة والموحدة الى طبيعة الانسان والكون والقوانين الطبيعية والاخلاقية التى سنها خالق الكون يجدر بهم أن يقفوا هنيهة ليحللوا السلوك الاخلاقى ويتدبروا أساليب غرس السجايا الاخلاقية الطيبة فى أنفسهم وفى طلابهم .

على ضوء درسنا لعلم النفس نستطيع القول بأن السلوك الاخلاقى يتكون من العناصر النفسية التالية :

(أ) موقف يتطلب من الفرد سلوكا وذلك إما بدافع داخلى أو بتحريك  خارجى . أشاهد شخصيا يحتاج إلى مساعدة . وقد استجيب بالايجاب فأساعده وقد أتردد فلا أعمل شيئا .

أريد ركوب القطار أو الحافلة وأرى جمعا من الناس يريدون الركوب مثلى . فاما أن أتدافع وأشق طريقى فاسبق الغير فى الدخول أو أن أقف فى خط وانتظر دورى فى الركوب .

فالفعل الاخلاقى اذن يحدث فى (( موقف )) .

(ب) الفعل الاخلاقى يتطلب معرفة تمكن الفرد من التمييز بين الخير والشر وبين النافع والضار . وهذه المعرفة تشمل القيم الاخلاقية الاساسية التى يقرها المجتمع ومصدر هذه القيم قد يكون التقاليد والخبرات الاجتماعية أو التعاليم الدينية أو الابحاث العلمية .

(ج) الفعل الاخلاقى يحتوى على عنصر عاطفى يبرز فى شعور الانسان بالسرور عند عمل الخير والألم عند عمل الشر .

(د) باتحاد الناحية المعرفية مع الناحية العاطفية يتكون (( الضمير الاخلاقى )) . وللضمير الاخلاقى هذا دور مهم فى توجيه سلوك الانسان .

(ه) الفعل الاخلاقى يحتوى على عنصر ألارادة أى الاختيار الحر لفعل الخير . وقد تعمدت ذكر صفة " الحر " للاختيار وذلك للتفريق بين الرجل الحر الذى يتمتع بارادته وبين العبد الذى لا ارادة له اذ أنه ينفذ ارادة سيده . هذا وإن افلاطون هو الذى قرر أن قابلية الاختيار الحر هى التى تميز بين الانسان الحر وبين العبد . إن هذه النقطة ذات أهمية خاصة فى التربية فى البلاد النامية التى حققت تحررها أخيرا من ربقة الاستعمار . فعلى التربية أن تتأكد من أن الجيل الصاعد يقدر نعمة الحرية ويتحمل ما تتطلبه الحرية من مسؤولية .

(و) إن العنصر المتوج للسلوك الاخلاقى هو (( التنفيذ )) تنفيذ ما يختاره المرء من أفعال الخير ، إذ بدون تنفيذ تبقى كل النوايا الحسنة بحكم العقيمة .

فالانسان ذو السلوك الاخلاقى الكريم هو الذى يعمل وينفذ فعل الخير إنه لا يتراجع ولا يجبن . فالرجال العظام إنما يعرفون بافعالهم العظيمة .

(ز) إن تكرار فعل الخير ينتج بالطبع عادة فعل الخير . فاذا كرر الفرد سلوك التأدب والتعاون مع الآخرين مثلا فهو يكون عادة الادب وعادة مساعدة الغير فيصبح بذلك من ذوى السجايا الكريمة .

هذا تحليل مبسط للسلوك الاخلاقى فما هو الدرس الذى يستفيده المربى من هذا التحليل عند تخطيطه برنامج التربية الاخلاقية ؟

إن أول وأهم درس يحصل عليه المربى هو أن التربية الاخلاقية ليست بالدرجة الاولى مسألة نظريات وحفظ دساتير انما هى مسألة سلوك فى موقف فالتربية الاخلاقية تحدث فى المعمل وفى ساحة اللعب وفى دار العبادة وفى الحافلة وفى القطار وفى المكتبة وفى الشارع وفى الحقل بل وفى كل مكان . فالمطلوب من المربى أن يستفيد من المواقف فيغرس السجايا الاخلاقية الكريمة فى سلوك الطلاب . مؤسسة الملك

والدرس الثانى هو ضرورة تزويد الطالب بالمعرفة وبالقيم الاخلاقية وهذه تتحقق عن طريق المشاهدة والمشاركة والحوار ومطالعة الكتب الادبية والصحية والمدنية والدينية ، ومشاهدة الافلام السنمائية والروايات التى تصور مواقف اخلاقية تمارس فيها القيم الاخلاقية النبيلة . وقد يكون من المفيد ان يقوم المربى بإعداد قائمة بالسجايا الاخلاقية التى يريد غرسها فى طلابه وقائمة أخرى بالسجايا التى يرغب فى تغييرها أو قلعها من سلوكهم . كما ان من المفيد أن يزود طلابه بأمثلة من حياة ابطال يمثلون السجايا الاخلاقية النبيلة فى حياتهم ابطال فى مجال الخدمة والتضحية لأمتهم ووطنهم أبطال فى مجال النزاهة والامانة والعفة والعفة والشرف أبطال فى الشجاعة والفروسية والمغامرة والاقتحام ، أبطال فى المثابرة على العمل والاتقان والابداع والنظافة وحسن الترتيب الخ ...

إن درس حياة هؤلاء الابطال يزود الطلاب بالمسميات الاخلاقية ( المثل العليا ) ذلك ا ان تعليم المسميات أى ( المثل االعليا )  هو عامل مهم من عوامل رفع المستوى الاخلاقى للجتمع .

هذا ولا بد من التأكيد على ان التربية الاخلاقية لا تقتصر المسؤولية فيها على معلم معين يقوم بتدريس المادة بل انما هى مسؤولية جميع المعلمين وفى جميع الدروس وكل النشاطات المدرسية . فكل عضو من أعضاء الهيئة التعليمية هو معلم اخلاق . ومن الضرورى أن نعرف بأن السلوك الاخلاقى يمكن أن يكتسب عرضيا وبدون قصد كنتيجة ثانوية لاى درس من الدروس أو أى موقف من المواقف ، ففى درس الرياضيات مثلا قد يتعلم الطالب النظام والانسحام والدقة الى جانب تعلمه الرياضيات . وفى الاعمال اللاصفية ( النشاط المدرسى ) قد يتعلم الطالب المحافظة على المواعيد والتأدب فى مخاطبة الآخرين واحترام النظام والتعاون بين أفراد الفرقة والمباداة الفردية الى غير ذلك من السجايا الاخلاقية .

وقد لقى هذا النوع من التعلم للسجايا الاخلاقية اهتماما فائقا لدى استاذنا المرحوم الدكتور وليم كلباترك وقد نعته (( بالتعلم المرافق )) اذ أنه يرافق الدروس أو النشاط المدرسى من دون قصد مباشر من الاستاذ أحيانا .

لا حاجة للتأكيد على أهمية دور الاسرة فى التربية الاخلاقية فلا بد اذن من التعاون بين البيت والمدرسة للتأكد من صحة النمو الاخلاقى لدى الطفل . كما قد يكون من المفيد ان تنظم دورات دراسية ولقاءات مع الوالدين بغرض مساعدتهم على التعرف على مبادئ التربية الاخلاقية وأساليبها الناجعة ليحسنوا تطبيقها على ابنائهم .

ومن المهام الاساسية للبيت وللمدرسة معا التأكد من ان الاطفال يتمتعون برفقة صالحة . فأثر الصديق فى تكوين اخلاق صديقه مبدأ تربوى قديم وهو مبدأ صحيح سليم . اذ السلوك السئ معد كالمرض المعدى . فالطفل الذى ابتلى بعادات سيئة وضارة لا يجوز أن يسمح له بأن يعدى رفاقه بها . فالمثل الفارسى المشهور (( تفاحة واحدة فاسدة تفسد سلة من التفاح )) يحتوى شيئا من الصحة فيما يتعلق بالتربية الاخلاقية .

وباختصار فان التربية التى تحتاج اليها البلاد النامية هى تلك التى تؤكد على القيم الاخلاقية والتى تطبق فى مواقف حياتية ومشاركة فعالة حرة ذلك مع توفر المثل العليا والقدوة الحسنة والاهتمام بالتعلم (( المرافق )) .

إن الانسان المعاصر قد يجابه مأزقا اخلاقيا فى حياته الجديدة . فهو قد يتبع فلسفة التسيب واللامبالاة فى حياته الاخلاقية ( القاء الحبل على الغارب ) من دون ضبط ذاتى أو توجيه أخلاقى . ونتيجة ذلك قد تكون قيام دولة بوليسية تسيطر على الكثير من سلوكه وتصرفاته وتحرمه من اراداته الحرة إذ قد تفرض القيود على أفكاره وحركاته . ولتجنب هذا المأزق تحتاج الشعوب النامية الى اعادة فحص الموقف الاخلاقى العام بقصد تهيئة جو صحيح ونقى لنمو الحياة الاخلاقية الكريمة والانفاق على القيم الاخلاقية الاساسية وفى مقدمتها : الامانة والغيرية والمحبة والطهارة .

- ١٧-

لقد تناولنا معالجة التربية الاخلاقية وكأنها شجرة فى وسعنا تقطيع اجزائها الظاهرة وثمارها . ولم نبحث بعد عن جذور الشجرة ولا عن التربة التى تنمو فيها وتستمد غذاءها منها . وهنا يأتى دور التربية الدينية . نحن نعتقد بأن كل تربية اخلاقية صلبة ينبغى أن تكون لها جذور دينية صحيحة وان تكون هناك وحدة وارتباط بين الاخلاق والايمان . فالذين يتحدثون عن الاخلاق العلمانية أو الزمنية عليهم أن يدركوا ان شجرتهم ستذبل وتموت اذا لم تسق ولم تغذ بالايمان بخالق الكون الاعظم . ففى بعض المجتمعات الحديثة بدأت شجرة الاخلاق بالذبول وانتابها المرض فعلا . إن الذين يتحدثون عن الاخلاق منفصلة عن الدين والايمان إنما يريدون الحصول على البيضة ناسين أهمية الوزة التى تضع لهم البيضة !

نحن نعرف جيدا الاعتراضات التى تثار ضد تدريس دين البلاد فى بعض البلاد الشرقية والغربية . ولكن هذه الاعتراضات لا تنطبق على الدين الصحيح إذا درس على الوجه الصحيح .

إن الاعتراضين المعروفين اللذين يثاران ضد تدريس الدين هما :

أولا : إن الدين يفرق بين ابناء الاديان المتعددة فى الوطن الواحد . وما يحدث فى ايرلندة الشمالية ومآسى لبنان قد يذكران شواهد على ذلك . جوابنا ببساطة هو ان المشاكل والمآسى فى لبنان وفي ايرلندة الشمالية ليس مبعثها الدين والارجح ان مبعثها هو التقصير فى اتباع الدين الحق . والواقع هو ان الاستغلال السياسى للدين هو المسؤول عما يحدث فى هذين البلدين من مآس . فالدين الصحيح ينبغى ان يصبح قوة موحدة بين ابناء الشعب قوة تعمل من أجل العدالة والسلام والمحبة والاخاء بين بنى الانسان . أما التعصب الاعمى وأما الانقسامات فانها ليست من الدين الصحيح فى شئ بل انها مناقضة للدين .

والحجة الثانية التى تورد فى الاعتراض على التعليم الدينى هى ان الدين مناهض للعلم وهذه دعوى باطلة أساسا . ربما يوجد أشخاص يعترضون على بعض النظريات العلمية باسم الدين كما يوجد اشخاص ينكرون وجود الخالق الاعظم باسم العلم ئ إن الدين الصحيح يدعونا دوما الى البحث عن الحق والحقيقة . والعلم الصحيح يسعى دوما باحثا وراء الحقيقة . ولما كانت الحقيقة واحدة فما على العلم والدين الا ان يلتقيا .

حين نتحدث عن التربية الروحية التى نستهدفها فى تدريس الدين فعنى بها أن فى وسع الانسان السوى ان يرتفع بذاته فوق ذاته فيرى الخطة العظمى فى خلق الكون . والانسان ذاته مع كل مخترعاته انما هو جزء من هذا التخطيط العظيم .

إن ادراك هذا التخطيط العظيم فى الكون مع ما فيه من ترابط وتفاعل بين اجزاء الخليقة يزود الانسان بوحدة الهدف وبالهداية وبالدوافع ليسير فى سبيل تحقيق الحق والخير ولينبهر بالجمال . ان التربية الدينية الصحيحة ينبغى ان تعرف الانسان بموقعه الصحيح فى هذه الخليقة وان تحمله مسؤولياته ليقوم بما يترتب عليه من واجبات لقاء ما يتمتع به من نعم لا تحصى ، كما ان على التربية الدينية ان تحض الانسان على البحث عن القوانين والاسرار العميقة التى أودعها خالق الكون فى الخليقة ، والتى جاء الانبياء العظام والرسل لهدايتنا اليها . إن هذه القوانين الالهية تزود الانسان بالقيم الاخلاقية التى عليه ان يأخذ بها وأن يحترمها اذا شاء البقاء . كما انها تزوده

بالمثل العليا فى الحكمة والحق والعدالة والمحبة والرحمة والسلام وكل هذه من صفات الخالق الاعظم عز وجل .

هذا وان التربية الدينية الناجحة تزود الانسان بالاضافة الى ما مر من قيم اخلاقية ومثل عليا بالمحفزات وبالدوافع الاخلاقية لان يعمل الخير ويتجنب الشر . فالانسان المؤمن بحب الله يتقى الله . ولذلك فانه يسير فى الطريق المستقيم إنه يعلم بأن الله معه اينما كان . فالله فى ضميره ولا يفارقه ، فالتربية الدينية الناجحة فى وسعها ان تحدث ثورة بيضاء فى المجتمع بحيث يمكن ان يعفى الحراس والشرطة من العديد من مهامهم ثم إن التربية الدينية الناجحة تزود الانسان بالقوة وبالدعم حين يضعف امام المصائب والمحن المفاجئة . فالانسان المؤمن يتجه الى الله طالبا العون والهداية . فيجد القوة والسلوى ، وفى حالات الفشل أو الضلالة فى وسع الانسان ان يرجع الى الله طالبا الرحمة والغفران فيغير ما بنفسه ويبدأ بحياة جديدة . فقد ورد فى القرآن الكريم قوله تعالى : (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) .

- ٧ -

إن شعوب العالم فى كل انحاء المعمورة ومن ضمنهم شعوب الدول النامية هم فى حاجة الى تغيير ما بأنفسهم وهم يتوسلون بالتربية لاحداث هذا التغيير ولكن التربية لا تستطيع ان تحقق أهدافها ما لم تكن اخلاقية فى كل نواحيها ومساعيها . والاخلاق لا تزدهر ما لم تبن على أسس روحية صحيحة أسس الايمان بالله ! فلتحقيق السلام والوثام بين الشعوب تحتاج الانسانية الى الايمان بالله اى برب واحد كما أنها تحتاج الى ممارسة الفضائل الواحدة من أمانة ونزاهة وغيرية ومحبة وعفة ثم عليها أن تسعى لاكتساب العلم الصحيح وتمارس العمل الصالح . وهذه الاركان الاربعة الايمان بالله والاخلاق الفاضلة والعلم الصحيح والعمل الصالح هى ما تحتاجه شعوب العالم كافة الشعوب المتقدمة والشعوب النامية على حد سواء . وكل ما نأمله ونرجوه هو ان تدرك البلاد النامية أهمية التربية الاخلاقية والدينية فى بناء نهضتها الحديثة فتعنى بها العناية المطلوبة وبذلك تقضى على ما يعتور نظمها التربوية من فجوات ومطبات !

الجامعة التونسية

اشترك في نشرتنا البريدية