(( لم يبق للانسان المعاصر الا أن يعشق أو أن يقرأ اسبينوزا )) (( توماس اليوت ))
(( ليس المهم هو الأشياء ، المهم وجهة نظرنا عن الاشياء )) (( وليام شكسبير
واضح أن الخيار أصبح بائسا أمام انساننا الحديث فى بحثه عن الخلاص ويبدو هذا الخيار أكثر بؤسا وشراسة كلما ابتعدنا عن عصر النهضة واقتربنا من كابوس ما اسماه دوستويفسكى بـ (( الحزن الحضارى )) . واذا كان توماس اليوت قد جرد عصرنا من البطولة ليمثل هذه القسوة معلقا الآمال فقط على العشق أو قراءة اسبينوزا فان الكاتب بالذات يجد نفسه مضطرا للبحث عن هذا الخلاص لا بواسطة قراءة اسبينوزا فحسب ، ولكن بتمثل رؤية هذا الفيلسوف للوجود بالدرجة الاولى .
ولما آمن الكاتب الحديث بعدم جدوى الشكوى من العصر ومن أمراضه النفسية والاجتماعية فانه اكتشف مدى الحاجة التى تدفعه للتفكير فى سلاح لمواجهة هذا المأزق .
وكان محتما أن يعيد اكتشاف نفسه من خلال رؤيته الخاصة للحياة ، هذه الرؤية التى تستطيع أن تكفل له الحد الادنى من الشجاعة فى مواجهة أزمة الصراع مع الذات والعصر والعالم .
فما هى هذه المشكلة التى تجرأت فاطلقت عليها (( الرؤية الفلسفية )) وما مدى علاقتها بالادب العربى المعاصر ؟
لا شك انه من الصعب بمكان تحديد المشكلات النظرية على طريقة كتابة ((الروشتة)) الطبية خاصة عندما تكون المشكلة على علاقة حميمة بالفلسفة . لقد سأل أحد الصحفين ارنست همنجواى بعد نشره لـ (( الشيخ والبحر )) مباشرة عن المضمون الاليغورى لقصته فأجاب همغواى قائلا بأنه لم يهدف من وراء كتابه (( الشيخ والبحر )) لاى فكرة اليغورية خفية ، كل ما حاول أن يفعله بإخلاص هو أنه كتب عن شيخ حقيقى وطفل حقيقى وسمكه حقيقية وأسماك قرش حقيقة ، وباستثناء ذلك فان من حق كل قارئ أن يستنتج لنفسه ما يراه مناسبا .
وبالطبع فان الفكرة الاليغورية تظل بالنسبة لنا قائمة برغم كونها مستترة ، ورغم تهرب همنجواى الذكى من التصريح العلنى بها ، وذلك لانها لا تمثل رؤيته الفلسفية النهائية لظاهرة الوجود فقط ، وانما تمثل اجابته الخاصة والنهائية على كل تلك الاسئلة الكثيرة التى طرحتها الحياة أو طرحها هو بنفسه فى رواياته وقصصه القصيرة السابقة لـ (( الشيخ والبحر )) . واستخلاص الروح الاليغورية أو الفلسفية سوف لن يحتاج منا الى كثير من الذكاء . وهمنجواى - بتهربه من سؤال الصحفى - لم يفعل سوى أن أكد ما قاله ذات مرة من أن العمل الفنى ينبغى أن يماثل الجبل الجليدى العائم حيث بالوسع رؤية عشره الطافح فوق الماء ، أما الاعشار التسع الباقية فيجب أن تظل مغمورة تحت الماء .
لقد ردد همنجواى بهذه العبارة الحكيمة ما قاله قبله غوتة بعشرات السنين عندما أجاب عن سؤال عن فكرة ((فاوست)) قائلا : ان ذلك يستدعى منى كتابة (( فاوست )) من جديد . .
لا يحضرنى اسم الكاتب الذى اطلق على روايات دوستويفسكى تعبير (( الرواية الفلسفية )) واعتقد انه د. ه. لورنس ان لم تخنى الذاكرة . وفى رأيى أنه تعبير صحيح بقدر ما هو خاطئ ، خاطئ لانه ليس ثمة رواية ذات مضمون جاد يمكن أن تخلو خلوا تاما من فلسفة ما وهو تعبير صحيح لان دستويفسكى هو الكاتب الوحيد بعد - شكسبير - الذى امتلك تلك القدرة الخارقة فى بث الحياة عبر شرايين الفكرة المجردة ، الفكرة الفلسفية المجردة، ليحولها الى مخلوق يدب امامنا على قدمين .
وليس من قبيل الصدفة أن يكون دوستويفسكى - لهذا السبب - الاب الروحى لادب القرن العشرين بأسره لا فى مجال الفلسفة أو علم النفس أو
فى تنفيذ الفكر المجرد أو الفكر السياسى على نطاق الفن فحسب ولكن لاسباب أخرى جمالية وحضارية .
ولكى ندرك كيف تأتى لهذا الكاتب الحكيم أن يحقق هذه المعجزة فيجدر بنا أن نرى كيف كان يؤدى عمله . ففى الطبعة الاكاديمية الاخيرة من أعماله الكاملة نرى أنه قد سخر مجلدا كاملا لمناقشة أفكار رواية واحدة هى (( المراهق )) للنقرأ كيف كان دوستويفسكى يناقش ابطاله - فلسفيا - قبل أن يبث فيهم الحياة ويشرع فى خلقهم الفنى : (( 25 فبراير ، بطرسبورغ )) .
1 - فيرسيلوف على يقين من بلاهة وضياع أى مثال.
2 - هو على يقين من لعنة الغباء التى تلاحق الكيان الاخلاقى فى العالم .
3 - ولكن كل الايمان ينهار ، ولا يبقى سوى هذا الشعور الاخلاقى بواجب امتحان الذات ))
هذا مثال بسيط على شراسة تجربة الخلق الروائى التى تجعل الكاتب يكتب عملين بدل العمل الواحد : عمل فلسفى تجريدى تمهيدى ، وآخر روئى نهائى ، وهى تجربة تدل قبل كل شئ على أهمية العنصر الفلسفى فى العمل الادبى الذى يكفل لابطال الرواية حدا أدنى من الاستقلالية الفكرية والاخلاقية والفلسفية .
وهذا ما جعل النقاد الفلاسفة يؤكدون ان عبقرية دوستويفسكى تكمن بالذات فى قدرته على الغاء عواطفه وعدم اقحام آرائه السياسية والدينية والفلسفية فى العمل الروائى لدرجة تجعل ابطاله الذين يمثلون أعداءه الايدلوجيون والاخلاقيون يتفوقون - فنيا - على اولئك الذين يحبهم ويتعاطف معهم ويشاركهم وجدانيا . فأى مقارنة يمكن أن تعقد بين ايفان كارامازوف وشقيقه اليوشا ؟ أو بين ستاخروغين وشاتوف ؟ أو بين راسكولنيكوف وسونيا ؟ .
أى مقارنة من حيث اكتمال الشخصية فنيا وعقائديا واخلاقيا يمكن أن تعقد بين هؤلاء ؟ فبقدر ما يبدو النموذج الذى يمثل عدو المؤلف مقنعا ورهيبا يبدو النموذج المتعاطف معه مهزوزا شاحبا وبعيدا عن الهدف . فبقدر ما نرى النموذج الاول ، النموذج المعادى لموقف المؤلف ، قادرا عن جدارة على تغيير العالم بواسطة العنف والقوة بقدر ما يبدو النموذج المسيحى المتسامح - الذى
يعتقد دوستويفسكى أنه يحمل نبوته الشخصية فى الدعوة الى مسيحية ارثوذوكسية خالصة تخلص العالم - ضعيفا وسلبيا وغير مؤهل لان يلعب أى دور بطولى .
هذه المفارقة التى أكد فرويد على مرضيتها هى التى جعلت دوستويفسكى ينزل الهزائم الاخلاقية ببرامج البطالة الاصلاحية ليقينه فى نفسه بأنها برامج تدميرية تحمل خلاصا للعالم بقدر ما تجلبه من خراب .
يهمنى هنا أن أسوق مثالا هاما عن الكيفية التى استطاع بها هذا الكاتب أن يحول فكرة سياسية صغيرة إلى فلسفة شاملة التقطها من يديه المفكرون وتناولها الادباء فى القرنين التاسع عشر والعشرين .
ففكرة الانسان المتفوق (( التى خلق بها كنوت هامسن أدبا ملحميا رياديا فى بداية هذا القرن ، وحولها نيتشة الى ايديولوجية عدوانية ، ثم آلت الى مصير تعس على يدى الكاتب الانجليزى المعاصر كولن ولسون ، كان دوستويفسكى قد خلقها متنبئا بفاشيتها منذ البداية .
راسكولنيكوف ... شاب لا تنقصه الجرأة ولا الموهبة دفعه الفقر الى الجريمة نفس الفقر الذى دفع بمحبوبته سونيا الى البغاء ، ولكن الفقر وحده لم يكن ليقنع راسكولينكوف بارتكاب جريمة قتل المرابية العجوز . وهو كأى شاب موعوب ولع بالكتب والنظريات لابد أن يجد مبررا فلسفيا واخلاقيا عاليا لارتكاب الجريمة ، وها هو يجد هذا المبرر فى البونابرتية لماذا يحق لنابليون أن يقتل مئات الآلاف ولا يحق لى قتل مرابية عجوز لا شأن لها سوى ازعاج الآخرين فى حياتهم ؟
وعندما تصل حيرته ذروتها تصبح العملية بالنسبة له مسألة امتحان للذات بالدرجة الاولى ، وكان موقفه هو ارتكاب الجريمة للاجابة على السؤال التالى : هل أنا مخلوق رعديد تافه أم ذات قادرة على الفعل ؟ ثم يتطور الموقف الى شعار : (( كل شئ مباح )) الذى يمنحه المبرر الاخلاقى الاعلى فى ارتكاب جريمته
هذا الشعار الرهيب تطور على يدى ايفان كارامازوف فى (( الاخوة كارامازوف )) فأصبح (( اذا لم يكن الله موجودا فان كل شئ مباح حتى الجريمة )) وذلك لكى يجد مبرره هو الآخر لقتل أبيه ، وفى (( المسعورين )) يقدم ستاخروغين بدافع العدمية والفراغ الى اغرار طفلة ودفعها للانتحار .
فما هو موقف المؤلف من هذه الجرائم البشعة ؟ انه فى كلمة واحدة العقاب العقاب الروحى والاخلاقى قبل كل شئ . فمأساة راسكونيكوف ليست القيام بارتكاب جريمة قتل ولكن جريمته الحقيقة هى انه كفر بالله وبقوانينه الابدية وتمرد على ارادته .
ولهذا فان الكفر بالله وبقوانينه فى رأى دوستويفسكى - هو الذى يرد جريمة راسكونيكوف تلقائيا ، وكذلك الامر بالنسبة لجرائم ايفان وستاخروغين .
الجريمة الكبرى اذن - هى جريمة الالحاد ، وطالما كان الامر كذلك فان العقاب الذى يراه دوستويفسكى ويلحقه بابطاله هو العقاب الروحى .
وبدافع من تفوق النزعة الدينية والانسانية لدى دوستويفسكى أدان -دائما - روح التفوق ... أدان فكرة (( السوبرمان )) لانها معادية بطبيعتها للانسانية .
وربما كان هذا الصراع الشرس هو الذى دعا ويدعو النقاد الى اطلاق تعبيرات مثل (( الرواية الفلسفية )) أو (( تعدد الاصوات )) أو (( صراع الافكار )) على أدب دوستويفسكى .
ولو سلمنا بتحوار هذه الرؤية الفلسفية للحياة الى فكرة سياسية على يدى نيتشة فاننا نفاجأ بعودة هذه الفكرة نفسها من جديد الى الادب من خلال أعمال الكاتب النرويجى الخالد كنوت هامسن برؤية جديدة ، وروح جديدة واسلوب حديد ، وبواسطة نمط تفكير جديد ، فاذا كان راسكولينكوف يغامر بالقتل رغبة منه فى تغيير العالم فان ابطال كنوت هامسن يقومون بمغامرة اخطر من حيث الجوهر وهى محاولة تغيير الذات تغييرا مطلقا ، ولما كان هذا العمل محكوم عليه بالمأساة منذ البداية فان ابطاله يواجهون الانتحار عادة ( كما هو الحال بالنسبة لناغيل فى (( مسرحية دينية )) أو يدفعون الآخرين ليطلقوا عليهم النار (كما حدث للملازم فى (( سيد الغاية )) ) . فالتفوق بالنسبة لراسكولنيكوف أو بالنسبة لبطل ((الشك)) عند كولن ولسون تفوق عدوانى هدام ربما لانه يهدف الى تغيير العالم ، أما التفوق فى أدب هامسن لا يتجاوز حدود الذات ، تفوق على الذات فى سبيل ليس اكثر .
وليس معنى ذلك أن هذه النماذج أنانية لا يهمها مصير العالم ، ولكن لقناعة أولية مأتاها أن الذات هى النواة الحقيقية للعالم ، والاصلاح الشامل مستحيل مالم ينطلق من هذه النقطة الصغيرة . فاذا كانت الذات الانسانية عاجزة عن مقاومة ذلك الشعور الناتج عن الابتعاد أو فراق الحبيب أو انهاء علاقة معقدة مع امرأة معقدة فان هذه الذات تقدم الحق فى الحياة .
هذه هى المعادلة البسيطة التى أخفق كولن ولسون فى التعبير عنها فى كافة أدبه الروائى واعتقد أن السبب لا يرجع الى تسلط فكر نيتشه على الكاتب بقدر ما يعود الى طغيان الايدولوجية السياسية على الروح الملحمية أو الرؤية الفلسفية فى أعماله الابداعية عكس هامسن الذى استخلص من دويستويفسكى - ومن نيتشة ايضا - رؤية للوجود ترتقى الى مستوى روح الكتب السماوية فاستحق بذلك جائزة نوبل عن جدارة .
أما ولسون فقد عجز فى أن يبث وجهة نظره الخاصة فى الحياة - برغم كفاءاته التعبيرية والفنية - لان الفكرة لديه تبدو مزروعة فى العمل الفنى وليست مستخلصة من الحياة ، لانها مقحمة وليست طبيعية ، لانها مفتعلة وليست أصيلية ، ولان الرؤية السياسية السطحية كان من الطبيعى أن تجهز على العمل الابداعى فى النهاية . فالفكر السياسى المعلن يظل عدوا طبيعيا للادب الحقيقى ، وليس من قبيل الصدفة أن يتسطح العمل الفنى وتضطهد الرؤية الفلسفية - التى هى المقياس الجمالى الاول لاى عمل فنى - اينما حلت النزعة السياسية كفكرة مركزية .
وهذا هو سبب محدودية القيمة الانسانية لاعمال كتاب كبار أمثال : جاك لندن ، درايزر آنازيغرس ... وغيرهم .
ان واقعية دوستويفسكى ونزعته الفلسفية وقدرته فى استخلاص رؤية ملحمية شاملة للحياة من خلال الفن هو الذى يجعله استاذا للرؤية أو الرواية الفلسفية على حد سواء ، لقد قام كتاب اليسار الروس باتهامه بالخيالية بعد خلافه معهم الذى انفحر قبيل اعتقاله ، ازداد هذا الخلاف حدة بعد عودته من منفاه فى سيبيريا وكتابته لـ (( الجريمة والعقاب )) التى رأووا فيها تحديا سافرا (( لمثلهم الاعلى )) الذى انتقده بشدة وسخر منه من خلال نموذج راسكولنيكوف . فما الذى فعله الزمن بهذا الاتهام ؟ الواقع أن دوستويفسكى لم يكن كاتبا واقعيا بالمفهوم التقليدى لهذه الكلمة ، لم يكن كذلك بالنسبة
لواقع القرن 19 بوجه خاص فهو خلق واقعية خاصه به تجاوز فيها واقع عصره وهذا هو سر قوته .
فاذا كان حافز تولستوى فى كتابة اعماله الادبية هو نزعته الفكرية ودعوته الاخلاقية الواضحة فان دوستويفسكى ينطلق من أرضية مختلفه تؤدى به إلى النتائج الفكرية والاخلاقية التى تشكل الحافز بالنسبة لتولستوى .
ومهما كانت طبيعة هذه النتائج فان ما يهمنا هو العملية الفنية نفسها ، اسلوب الوصول إلى النتائج ، العملية الفنية لدى دوستوفيسكى اكثر قدرة على الاقناع من وجهة النظر الجمالية والابداعية . والاسباب كثيرة أهمها انفاذ البصيرة الفلسفية من واقع العمل الروائى ، وهو نفس النفاذ الذى يجعله يسخر (( المسعورون )) كرواية سياسية ليعلن بعدها : (( لقد قررت أن اكتب رواية سياسية ، فاذا حالفنى الحظ فى ذلك فاننى على استعداد لان أبعث بمضمونها إلى الحجيم )) . ولكن أى رواية سياسية هذه التى تمثلها (( المسعورون )) ؟ انها نفس الرواية التى أصبحت - فيما بعد - انجيلا للادب الوجودى الابداعى فى القرن العشرين ، لا بسبب عمقها السياسى ، ولكن بسبب عمقها الفلسفى بالذات ، فما الذى فعله الكاتب العربى المعاصر ازاء مشكلة الفلسفة وازاء مشكلة السياسة فى العمل الابداعى ؟
فى البداية ينبغى التأكيد بأن الدافع الى هذا العرض السريع حول النزعة الفلسفية فى الادب الاوربى الحديث لم يكن راجعا الى حقيقة كون الفن القصصى - بالمقاييس العصرية - وليد القارة الاوربية الشرعى بقدر ما هو محاولة لايجاد أرضية صالحة للانطلاق بهدف مناقشة فكرة دور العنصر الفلسفى فى الخلق الابداعى من زاوية ، ومن زاوية أخرى فان الباحث يجد نفسه مضطرا للاستعانة بالتجربة الادبية الاروبية لا لانها تمثل النموذج المثال ، ولكن لان الباحث لا يملك أمامه نموذجا أدبيا عصريا آخر يمكن الاستعانة به فى مثل هذا الموضوع المعقد . وقد أخذت - مضطرا - النموذج النثرى بالذات لان هذه النزعة الفلسفية تبدو فى الشعر الاوروبى المعاصر أكثر تعقيدا وتسترا. فاذا كانت أشعار توماس اليوت الريادية بعد الحرب العالمية الاولى قد احتوت كل التراث الثقافى والفلسفى والدينى المسيحى ، وعادت بالشعر الاوروبى الى روح العصور الوسطى كنوع من التقريب فان أشعار ما يمكن أن نطلق عليه (( المدرسية الايطالية )) تخطت التجربة الاليوتية فاستوعبت هذه النزعة التجريدية الصارمة التى اتسم بها أدب ما بعد الحرب العالمية الاخيرة .
ولعل هذا هو الذى يفرض على الباحث الحذر الشديد لدى تناول التجربة الشعرية الاوروبية المعاصرة بسبب ذلك الحد الادنى من التفصيل الذى تحتاجه اليد .
لا شك أن أعمال كتابنا الكلاسيك المعاصرين حافلة برؤى فلسفية وسياسية واجتماعية مختلفة . نرى ذلك لدى نجيب محفوظ ويوسف ادريس والطيب صالح ومحمود المسعدى وغيرهم .
ولكن الى أى حد يمكن أن ترتقى هذه الرؤى - على اختلافها - الى مستوى ذلك الشمول الملحمى الذى طرح ويطرح فى الادب العالمى الحديث ؟ الى أى مدى استطاع هؤلاء الكتاب أن يستوعبوا مجموعة الاسئلة التاريخية والحضارية والفلسفية التى يفرضها الوجود وتطرحها الحياة البشرية كل يوم ؟ الى أى حد يمكن مقارنة اعمالهم الابداعية بالسؤال الشكسبيرى الخالد عن الكينونة واللاكينونة أو صيحة ايفان كارآمازوف فى المحكمة : من منكم لم يحلم بقتل أبيه ؟ سوف لن نبالغ اذا قلنا أن رؤية الكاتب العربى فى العمل الفنى ظلت مكبلة بشروط الواقع الاجتماعى والسياسى والدليل على ذلك هو هذا الاضطهاد المستمر لـ (( السر الفنى )) أو الرؤية الملحمية الخاصة الذى تقوم به الايديولوجية السياسية أو النظرة الاجتماعية التاريخية المحضة للأشياء .
فاذا كان التيار الادبى الاسلامى الصوفى يلقننا اليوم درسا قاسيا بتقديمه لتلك النماذج الشعرية الرفيعة كما هو الحال عند المعرى - رغم طغيان النزعة الصوفية على الروح الفلسفية - فان أدبنا اليوم يعانى انتكاسة واضحة فى مجال عمق النظرة للأشياء وللواقع وللوجود .
وبرغم هذه المحاولات الجادة لدى كتابنا الكبار فى مجال تجاوز النموذج الاجتماعى التاريخى أو النموذج السياسى فان هذه النماذج تمثل العائق الاساسى فى خلق أدب ملحمى انسانى شمولى عميق النظرة .
ونفس الامر يمكن أن يقال عن أدب الشباب من الاجيال اللاحقة . فالنظرة العدمية الى التراث ، والتقليد الابله لمدرسة (( تيار الوعى )) انطلاقا من اعتقاد مؤداه أن جيمس جويس ومارسيل بروست وحتى هنرى جيمس من قبلهم قد اكتشفوا هذا الاسلوب التحديدى بإرادة الصدفة دون ان يعلموا ان هؤلاء
الكتاب قد استوعبوا - استيعابا شاملا - تجربة الادب الكلاسيكى - فى المشرق والمغرب معا - منذ بدايتها .
وبالطبع لا يمكننا القاء الذنب على الروح الشرقية أو ما يمكن تسميته بـ (( الاسلوب الشرقى فى الادب )) فى تخلف ادبنا العربى طالما أن أمامنا تجربة : الادب اليابانى .
فهذه الروح لم تمنع - بل هى التى ساهمت - فى عالمية أدب باسونارى كاواباتا الذى منح جائزة نوبل على فنه الادبى الذى عبر بشعور فائق عن محتوى اسلوب التفكير اليابانى (( كما ورد فى بيان الاكاديمية السويدية . فما الذى فعله كاواباتا حتى تسنى له هذا الشرف فى التعبير عن روح الشعب اليابانى ؟ .
فى عام 1968 ، بمدينة ستوكهولم استهل باسونارى كاواباتا خطابه بمناسبة منحه الحائزة بهذه الابيات الشعرية المأخوذة عن الشاعر اليابانى الكلاسيكى دوغين ( القرن الثالث عشر الميلادى ) الورود - ربيعا .
الوقوف - صيفا .
وفى الخريف - القمر .
وثلج بارد ناصع شتاء
(( هذه أشكال فنية غاية فى البساطة ، كلمات بسيطة وبريئة ، يمكن القول بأنها رصفت جنبا الى جنب بشكل متعمد ، ولكن هذه الكلمات هى التى تعبر عن مضمون الروح اليابانية )) .
بهذه الابيات وهذه الكلمات استهل كاواباتا خطابه التاريخى . وعندما عاد الى الوطن كتب مقالا بعنوان (( وليد الجمال اليابانى )) علق فيه على تلك الابيات بقوله :
(( ربما تبدو قصيدة دوغين الصغيرة للاوربى بدائية ، شاحبة ، مجرد رصف عشوائى لشكل فصول السنة الفنى ، ولكن رقة هذه الابيات ، وعمق وحرارة الشعور فيها هو الذى يدهشنى )) .
وليس من قبيل الصدفة أن يتعلق كاتب مثل كاواباتا بقصيدة لدوغين مكتوبة بروح مدرسة تسين ، ذلك لان هذه المدرسة هى التى خلقت الادب البابانى الكلاسيكى والادب المعاصر على السواء .
ومبادئ تسين الجمالية والاخلاقية عنصر مهم فى فهم تاريخ هذا الادب العريق . يقول دايسيدزوسود زوكى فى كتابه (( تسين والادب اليابانى )) أن مبادئ التسينية الاخلاقية والفلسفية والجمالية تكمن فى أن اكتشاف طبيعة روح الاشياء يمكن تحقيقه فجأة ، بشكل حدسى وليس بالطرق المنطقية . ولهذا فان الفن مثل الحقيقة يحمل هذه الطبيعة الفجائية ، وتقبل الجمال فى الطبيعة وخلق العمل الفنى هما فى الواقع عملية واحدة من حيث عدم خضوعها للتفكير المنطقى والحقيقة عادة (( خارج الكلمات )) . والعناصر الفنية تصبح : الصمت ، التلميح ، وعدم قول كل شيئ حتى النهاية ، بمعنى خلق ذلك الشر الخفى فى العمل الفنى .
من هنا نرى أن المبدأ الاساسى فى التسينية هو العفوية .. العفوية التى يمكن مقارنتها بالعفوية الطفولية .
هذه التسينية لم تخلق دوغين أو كاواباتا وحدهما ، ولكنها اذكت روح الخلق فى جيل كامل من كتاب اليابان المعاصرين مثل : اكوتاغاوا ، وياماموتو ، وناكامورا وغيرهم . ان مبدأ التسينية فى عفوية الابداع ليس مبدأ بوذيا بحتا بقدر ما هو مبدأ ملحمى يحمل ملامح الادب الاروبى . ولعل سر خلود - أدب هامسن يكمن فى أنه لم - يصل إلى هذه النتيجة فى وجوب التلميح والسكوت وايداع السر فى العمل الابداعى وتحاشى البوح بالاشياء علنا بواسطة التسينية . لقد اكتشف هذا من خلال تجربته الخاصة ، نفس التجربة التى كان محورها يدور حول الطبيعة ، وهو القاسم المشترك بين هامسن وبين أدب تسيين .
واذا اتفقنا على أن الروح الشرقية في الابداع الادبى الغربى ليست سببا فى هزيمته الفلسفية فان اللغة ايضا لا يمكن أن تكون سببا ولا اعتقد أن كتاب امريكا اللاتينية - الذين تخرق شهرتهم آفاق أوروبا اليوم - من أمثال ماركيز وجورجى واماد وكورستار .. قد انتزعوا النجاح الاوروبى لمجرد أنهم يكتبون بلغة اروبية هى الاسبانية ، فالسبب الحقيقى هو نظرتهم للحياة المجردة من الاوهام والعواطف ، وهو ما لم يعه الادب العربى بعد ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فان هؤلاء - مثلهم فى ذلك مثل كتاب اليابان لا يجرؤون على أن
يطلقوا النار على الماضى من مسدس ليقينهم بأن المستقبل سوف يطلق عليهم النار من فوهة مدفع كما يقول رسول حمزا توف نقلا عن الشيخ (( ابو طالب )) هذا فى حين يقف الكاتب العربى من التراث موقف المتفرج : يجهل كيف يعالجه ، ولا يعرف ماذا يفعل به .
لقد حاولت منذ بداية هذه الدراسة أن أطرح تعريفا محددا عن الرؤية الفلسفية ولما كان ذلك مستحيلا بدون الرجوع الى التجربة الاروبيه المعاصرة فان طرح هذه المشكلة تعريف منطقى علمى أصبح أكثر استحالة ، ولكن ها هى التسينية تقدم لنا هذه المقولة فى شكلها الفنى الحقيقى . أقصد فى شكلها الخفى الذى يمنع البوح بالاسرار .
هذه الرؤية - اذن - هى ذلك السحر الالهى الملهم الذى يشارك بالحد الاقصى من العمل الفنى ، انها روح (( ثالثة )) خفية تختلف عن روح الكاتب أولا ، وروح النص ثانيا ومؤهلة لان تلعب دور البطل الحقيقى ، انها سر مستمد من الطبيعة ، انها تلك الاعشار التسعة من جبل همنجواى الجليدى ، انها نوع من روح الكتب السماوية الذى يفوق العمل البشرى الخالص .
والأدب العربى سوف لن يتخطى حدوده الجغرافية ليصبح أدبا عالميا ما لم يستوعب هذه التجربة فى الادبين الاروبى واليابانى ، ما لم يتمثل هذه الروح السحرية الملحمية فى أدب القرن العشرين .
ولا أملك فى النهاية الا أن أردد مع شكسبير على لسان هاملت عندما يقول ليس المهم هو الاشياء ، المهم وجهة نظرنا عن الاشياء .
واعتقد ان مفتاح هذه الروح كامن فى هذه العبارة التى تحمل من عمق الحكمة بقدر ما تحمل من سحر الشعر .

