الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

مشكلة "الله"، فى الادب الفرنسي المعاصر

Share

بيار هنري سيمون Pierre - Henri SIMON من خريجي دار المعلمين العليا بباريس - ومدرس الادب الفرنسى حاليا بجامعة فريبور Fribourg بسويرا وهو زيادة عن اضطلاعه بمهمته الجامعية ، كاتب شهير ، اخرج طائفة كبيرة من البحوث النقدية في فلسفة الاخلاق والادب ، ومن الدواوين الشعرية والروايات القصصية . ومن اشهر هذه الروايات : " الاعناب الخضر " Les Raisins teris التى نالت جائزة " الربيع الفرنسي Prix de Renouceanu Francais سنة ١٩٥٠ ، و " الناس لا يرغبون فى الموت " ne vevlent pas mourir Les hommes  التى نالت جائزة السفراء Prix des Ambassadeurs سنة 1954

وينتمى بيار هنري سيمون نظرا لاتجاهاته الفكرية والسياسية - الى وساط الكاتولوكين الاحرار

ولقد كان لكتابه الاخير الذي عنوانه " ضد التنكيل " صدى بعيد في فرنسا كما في افريقيا الشمالية ، وفيه يشهر المؤلف باساليب التعذيب والقمع بالجزائر

وفي مارس سنة ١٩٥٧ ، قام بيار هنري سيمون بزيارة الى تونس ، حيث القى جملة من المحاضرات ، بحث فيها مشاكل الادب الفرنسى المعاصر ولقد تفضل الاستاذ مشكورا بتقديم الفصل التالي لمجلة " الفكر " وهو يحتوى على تحليل لبعض جوانب الموضوع المذكور انفا . وها نحن نبلغ الرسالة لقراء " الفكر " :

من تصدى لدراسة مشكلة نفي وجود الله في الادب الفرنسى ، وجب عليه بادي بدء رفع التباس ، فدعوى الالحاد شديدة في هذا الادب . وانى سأكتفى هنا بضرب امثلة قليلة ، عميقة المعنى ، مع التعليق عليها . ولكن اريد ان اشير الى انى ساقصر همى ، فى هذا الصدد ، على دراسة جانب واحد من المشكلة

الاداب فى القرن العشرين زاخرة بالمؤلفات التى تعج بشتي الآراء . ومختلف الاتجاهات الفكرية ، ولا حرج ان نقول ان الالحاد ليس من ابرز خصائص هذه الآداب ، اذ هو احتل - دائما - مكانا واسعا فى الآداب التى لا صلة لها بالدين

خصوصا فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، ونحن نعرف مدى قوة الاتجاه الالحادى ، منذ عصر النهضة وطيلة العصر الكلاسيكى هذا الاتجاه الذى قضت عليه الظروف بان يبقى مكتوما ، بدون ان تتمكن من الحكم عليه بالاضمحلال وان الالحاد لا يلفت انتباه المؤرخ للاداب الفرنسية بقدر ما تلفته كثرة المؤلفات العديمة الصلة بالدين والتى تعرب عن نظرة لاهوتية خالصة فى شان الانسان والعالم . وحسبنا دليلا ما بمؤلفات بلوا Bloy ويبقى Peguy وكلوديل Claudel ومورياكMauriac برنانوس Bernanos ودانيال روبس Daniel - Rops وتيلهارد دى شاردان Teilhard de chardin من مكانة ممتازة حتى في نظر قراء غير مسيحيين ، وان خطورة هذه الآداب العديمة الصلة بالدين امر يثير فينا بعض الدهشة ، وكذلك المكانة التى تحتلها المسائل الفلسفية والدينية ومشكلة منزلة الانسان في الكون والمجتمع ، فى الروايات المسرحية والروايات القصصية ، وبالإحرى فى التآليف السريعة البسيطة . وانه لنجد هذا النوع من الادب حتى عند كتاب قد يقولون باللاادرية ولا يؤمنون بالله ، كروجى مارتان دى قار Roger Mrtin Du Gard وديهاميل Duhamel وكألان Alain وبندا Benda او فى انتاج كتاب ملحدين الحادا صريحا ، كسارتر Sartre وسالاكرو Salacrou

هل الله موجود ؟ هل المسيح هو الله ؟ هي ذى المشكلة - وهي فى حقيقة الامر واضحة ، مضبوطة ادق الضبط التى تتألف منها اشد اجزاء الادب حياة وابلغها دلالة ، بصرف النظر عن نوع الحلول التى توجد لها . وهذا ما يحقق تقاربا بين الفلسفة والادب : اذ الادب يعتبر اليوم - اعتبارا يزداد رسوخا شيئا

فشيئا وعي العصر ، اجلى الوعى وادقه ، لجملة شؤونه وقضاياه ، حسب  شارل دي بوص Charles du Bos. اهم عنصر فى الادب هو الشهادة لقضية الانسان . لا نريد - بهذا التحقير من شان القيم الجمالية في الادب : فاسلوب الكاتب امر جوهرى بالنسبة لنوع شهادته واللهجة التى يبرزها فيها . بيد انه لا نزاع في ان الكاتب ياتى بشهادة ، وان هم عظماء الكتاب ، فيما يبدو ، هو ابراز تآليفهم لتكون بمثابة جواب على المسائل الفلسفية ، والمسائل الماورائية او الدينية البحت احيانا

وحسبي ان ادرس هنا رغبة فى الايجاز مشكلة نفى وجود الله فى ادب اليوم . وسابدا بذكر نص لساتر ، نشر بمجلة " العصور الحديثة " Les Temps Moderues في مارس ١٩٥١ ، بعد موت الكاتب جيد Gide بقليل

يقول سارتر:

" لقد عاني جيد جملة أفكاره ، وتشبع على الخصوص بفكرة : صوت الله ( ٠٠ ) مشكلة الله مشكلة انسانية ، تهم علاقة الناس بعضهم ببعض . هي مشكلة جامعة يقدم لها كل انسان حلا يستوحيه من حياته برمتها . وهذا الحل صورة من الموقف الذي توخيناه ازاء الناس وازاء انفسنا . ان اثمن شئ يقدمه لنا جيد هو عزمه على انه يعيش - حتى النهاية - مشكلة احتضار الله وموته . لقد كان يمكن له - كما فعل كثيرون غيره - ان يراهن حسب ادراكات عقلية ، فيبت منذ سن العشرين في امر ايمانه او الحاده ، وان يثبت على ذلك طيلة حياته . الا انه فضل - عوض ذلك - ان يمتحن علاقته بالدين ( ٠٠٠ ). فمجادلاته الطويلة للكاتولوكيين ، واحاديثه المسهبة ، وسخريته المتكررة ، ودلاله اللاذع ، وصمته الفجئى ، وتطوراته ، وتلكؤاته ، ورجوعه مرارا إلى الجدال في القضية ، وغموض معنى كلمة الله فى تاليفه ، واصراره على الا يعرض عن الله في حين انه اصبح لا يعتقد في غير الانسان ، كل هذه التجربة المتينة الثابتة أجلت لنا الامر جلاء تعجز عنه مئات البراهين .( ٠٠ ) فلو بت جيد في امر الحاده - وهو في العشرين من عمره ، بتا نظريا ، لكان هذا الالحاد خاطئا . الا ان جيد " ظفر " بالالحاد شيئا فشيئا فكان بمثابة نجاح كل المساعى التى بذلها كاتبنا طيلة نصف قرن في البحث والتفكير ، حتى تبلور في صورة حقيقة ملموسة ، يؤمن بها ، كما نؤمن بها نحن ايضا . ومن نقطة البدء هذه ، يمكن للانسان ان ينطلق اليوم ليصير حقيقة جديدة . "

هذه الصفحة مقدمة جيدة لهذا المقال الذي اريد ان اكتبه اليكم . لنلاحظ اولا ان سارتر يعتبر انه يوجد امر يهيمن على التفكير المعاصر : وهو نفى وجود الله ، هذا النفي الذى اصبح اليوم شيئا حاصلا . وللانسان المعاصر ان يامل في حل مشاكله ، باعتبار هذا النفي نقطة انطلاق . فهو الحجر الاساسي فى الجدال الفلسفى اليوم ، وشرط رقى الانسانية . وفكرة اخرى نستخلصها من هذه الصفحة ، وهي ان هذا النفي لوجود الله لا يكون شيئا دا قيمة حتى يصبح امرا حاصلا بفضل البحث وإعمال الفكر ، لا مجرد رد فعل ناشئ عن العقل او الحس ، اعني حتى يصبح نتيجة تأملات منهاجية جلية . لذا تبدو قضية " جيد " قضية ممتازة . اندرى جيد فى نظر سارتر . هو الرجل الذي سعى في سبيل الالحاد وظفر به . الرجل الذى حرر فكره من الأيمان بالله ، وذلك قليلا قليلا ، وبعد عناء مرير وصراع لا يقل عن الثلاثين او الاربعين سنة . وان هذا التحرر ليبدو مثاليا خصبا لانه ناشئ عن ارادة

اعتقد ان هذا التأويل لتطور تفكير جيد تأويل مصيب فى مجمله اقول " فى مجمله " لانه من الضرورى الا نحكم احكاما قطعية ان نحن تحدثنا على جيد . اذ من الممكن ان نجد ضمن النفى المدقق بعيد التدقيق ، الصريح كامل الصراحة ، شيئا من تناقض يعرب عن حيرة كامنة فى التفكير ، وشيئا من تحفظ ينم عن حذر فى النفس كفيل بان يضمن له - فى المستقبل - حرية الراى ، ومن شانه ايضا ان يعطل النقاد على ان يحكموا فى امره احكاما تتحجر في قوالب نهائية لا تقبل المراجعة . وعلى كل ، اذا نظرنا إلى الامور نظرا اجماليا ، نسلم بان جيد يبدو لنا وقد اعرض عن الله بصورة مطردة خلال حياته . وخصوصا خلال الفترة الممتدة بين سن العشرين والخمسين . ففكرة وجود الله هي عماد تاليفه فى فترة الشباب . ثم شرع جيد ، بكتابه " الاغذية الارضية Les Nourritures Terrestres يوجه جهوده الى ان يضع محل إيمانه الاول بالدين المستحي نوعا من ايمان بالوهبة الكون ، كفيل بان يجعل تدينه اخصب في نفسه ، بل من شأنه ان يدمج فيها حتى الايمان المسيحي ، وذلك بعد تخليصها من اوامر الله وعراقيل الاخلاق الدينية التى تقف حاجزا دون ارضاء الغرائز

ولعل هذه المرحلة توافق الفترة الممتدة من سنة ١٨٩٣ تقريبا ، اى زمن تأليف

" محاولة غرامية Tentative Amoureues الى سنة ١٩١٨ اى زمن تأليف : " نومكيد وانت " Numquid et tu ويخيل لنا ان جيد ، فى ذلك الوقت ، قد تحرر من الايمان بالله ، ويرى مارتان دى قار هذا الراى كذلك ؛ فلقد ذكر في كتيبه الذي خصصه للحديث عن جيد ، ان كاتبنا صرح له في جويلية ١٩٢٠ قائلا : " اعترف ان العهد الذي فتحت فيه عينى على الدنيا قريب جدا . ويمكن ان اقول انى ، حتى سن الأربعين ، لم اهتم بملاحظة ما يدور حولى . فلقد شغلت بالمشكلة الدينية والمشكلة الجنسية عن كل امر سواهما . وكان يبدو لى انهما معضلتان لا حل لهما ، وان كل شئ سواهما ليس جديرا بالعناية . " اما في سنة ١٩٢٠ ، فاعتبر جيد ان هذه المرحلة من حياته قد انتهت وانه يقدر الان ان ينظر الى العالم من حوله ، وان يعير السياسة والتاريخ اكثر اهتماما لان المشكلة لم تعد بعد تقض مضجعه .

وكتب في يومياته ، سنة ١٩٣١ ، متحدثا عن اصدقائه الكاتوليكيين :

" نحن لا نعبد الها واحدا . اما الرب الوحيد الذي يمكنني الايمان به ، والذي هو منتشر خلال الطبيعة ، فانى اوافقهم على انه لم يبق مستحقا ان يسمى الله . "

ذلك ان جيد اختار اذ ذاك ، في صراحة ، الايمان بالوهية الكون ايمانا يضارع تقريبا ، حتى في نظر ، هو نفسه ، النفى لوجود الله ، ويضارع بصورة لا نزاع فيها على كل حال نفى وجود الاله المسيحى وفى نفس هذه السنة - ١٩٣١ - كتب جيد - على لسان " اوديب " Eudipe ونعني اوديب سنة ١٩٣١ ، لا اوديب تيزي Thesee ، قال :

" لقد فهمت ، وانا الوحيد الذى فهمت ، ان " كلمة السر " اى الكلمة التى مفروض علينا ان نتلفظ بها كي ننجو من شر ابي الهول هي : الانسان

لا جرم اننا نحتاج إلى بعض الشجاعة كي نجرؤ على التلفظ بها - كلمة الانسان هذه ! - ولكنى اعددتها للجواب قبل ان اسمع عرض اللغز ، وقوتي هي ان ارفض ان اجيب بغيرها مهما كان نوع السؤال . الكلمة العليا هي " الانسان " ولا ريب ان الانسان لا يدع مجالا لوجود الله . "

لننتقل الان الى صفحة من يومياته ، بتاريخ ١٩٤٢ ، حيث يضبط جيد ، بصورة لا تخلو من غرابة ، موقفه ازاء الله فيقول :

" مما لا نزاع فيه انه لا يوجد الهان اثنان . ولكنى احذر مغبة الخلط - تحت اسم الله - بين امرين مختلفين شديد الاختلاف ، بل مختلفين اختلافا يجعلهما على طرفى نقيض ، فمن جهة نجد الكون بجملته والاحكام الطبيعية التى تدبره ، وهي المادة ، والقوة ، والطاقة . وهذا هو جانب " زوس " Zeus وقد يمكن ان نطلق على جملة هذه الأشياء اسم " الله " بشرط ان نرفع عن هذا الاسم كل معنى شخصى واخلاقي ، ونجد من جهة اخرى جملة المجهودات الانسانية الموجهة فى طلب الجمال ، والسيطرة المتئدة على هذه القوى الجامحة ، واستغلالها قصد تحقيق الخير والجمال في هذه الدنيا ، وهذا هو جانب " برومتى " Promethee المسيح كذلك . وفي هذا ازدهار الانسان وكل الفضائل المجتمعة فيه . ولكن هذا الاله لا يقيم في الطبيعة

انه لا يوجد الا في الانسان وبالانسان . فالانسان هو الذي خلقه ، أوقل - ان كنت تفضل تعبيرا آخر - انه يخلق عبر الانسان ، وكل محاولة للافصاح عنه بوسيلة الصلاة ستظل فاشلة . مع هذا الاله اتفق المسيح ان يعمل ، ولكنه الى الاله الاول وجه الخطاب ، عندما حضرته المنية ، فناداه صائحا صيحة الياس والقنوط : " ربي ، لم اعرضت عني ! "

هذه الصفحة بالغة الدلالة : اذ تغير - فى تفكير جيد - معنى التوازن المتعلق بفكرة الله . ففي العهد الذي الف فيه الكاتب " الاغذية الارضية " وخصوصا في العهد الذى اخرج فيه " مفسد الاخلاق " L'immoraliste و " الباب الضيق " La Porte Etroite كان تكافل بين الاله المسيحي ، اعنى الاله الشخصى المتسامى عن التوراة ، وبين الوهية الكون ، او قل بين التقوى المسيحية والحماس الناشى عن الاعتقاد فى ربوبية الكون . وهنا لم يبق مجال للاله المسيحي . اجل ! ما فتئ التكافل موجودا ، ولكنه موجود هذه المرة بين " زوس " و " برومتى ".

زوس هذا الذي يمثل تقيد الاحكام الكونية ، وبرومتي هذا الذي يمثل الجانب الالهى فى الانسان ويسعى هكذا الى الاندماج فى المسيح . اذن يوجد ، من جهة " زوس " وهو لا يستحق ان يسمى الها ، لا يبصر ولا يسمع ، اذ هو ليس سوى جملة الاحكام الكونية ، ومن جهة اخرى يوجد في قلب الانسان عنصر الهي لا ينمي يتطور ويزدهر ، حتى يصبح ضرورة - هو الله . على ان جيد يسلم بان هذا الاله ليس له وجود خارج الانسان ، بل هو ليس شيئا اخر سوى الانسان

المؤله ، لا هو يعبد ولا تقام له الشعائر الدينية . فالذى نستخلصه من هذه الصفحة هو ان جيد ، لما في نفسه من طابع ديني ، ما فتئ يحاول الظفر بما يقوم مقام فكرة الله ، ولا يرغب فى الاعراض عن استعمال اسم الله ، الا انه افرغه ، شيئا فشيئا ، من مضمونه الجوهري . ومن هنا ، يتحتم علينا ان لا نعجب من قراءة الصفحة الاخيرة من " تيزى " وهى تعتبر فى الجملة وصية روحية كتبها جيد ، او تصريحا بعقيدة دينية صدع به " مفكر انسانى خالص " واعنى " بالانسانى الخالص " الرجل الذى يرفض ان يتسامى على الطبيعة ، وان يتمسح ، الرجل الذي يموضع الانسان بعد ان خلصه من الله - وسط الكون ، ويثق ثقة كاملة بالانسان . لقد عبر " تيزي " عن إجلاله " لاوديب " ذلك الانسان التفى ، واعترف بميزاته وعظمته ، ولكنه تسامي عليه فى آخر الامر وقال :

" ساظل وليد هذه الارض ، واعتقد انه يجب مهما يكن شانه ، ومهما وجدت فيه من عيوب - ان يستعمل ، فى اللعب ، الاوراق الموضوعة بين يديه . اني راض عن نفسي ان انا قارنت مصيرى بمصير اوديب لاني قمت بما يمليه على هذا المصير . اني تركت ورائى مدينة اثينا فلقد احببتها حبا لم احب مثله زوجتي وولدى واقمت مدينة ابدا سيقيم فيها تفكيري بعد موتى . اني ، عن طيب نفس ، اقترب من الموت ، متوحدا

ذلك انى تمتعت بخيرات الارض ، وانه ليلذ لي اتصور بان الناس ، بفضل جهودى - سيجدون نفوسهم اكبر سعادة ، وافضل حالا ، واكثر حرية . لخير الانسانية الاجلة قدمت اعمالى . لقد قضيت نحبى . "

هو ذا البطل الذي يؤكد رضاه النهائى ، بفضل سلوك اخلاقي شريف ولا شك ، ولكنه سلوك دنيوى محض يرفض ، او قل ، يعدل عن كل فكرة تنم عن اله شخصى متعال ، خلاق شفيع ، منشئ الحياة وبيده الغفران .

ليس خطأ اذن ان يقال ان جيد لعب - في الحركة الفكرية بالقرن العشرين . دور قائد احتفظ بنفوذ قوى على النفوس وخاصة على النفوس التقية لما له من طابع ديني خالص ، ولكنه ، على كل حال ، كان يرمى بما له من اتجاهات ومؤهلات ، ان صح هذا التعبير الى فصل هذه النفوس عن الله فصلا نهائيا . وان عددا غير يسير من الكتاب ، على كل حال ، بما فيهم ساتر على الخصوص ، قد فهموا تاليفه على هذا النحو ،

على ان هذا الموقف الذى لا يزال يحتفظ بجزء من النظرة الدينية الى

الكون لان ، روحا دينية لا تزال منبثة فى الطبيعة ، مخزونة فى الانسان والذي يصل هكذا ، السلوك الاخلاقى الانسانى بالميتفيريقا اللاهوتية . لا تنفك نجده عند الكتاب اليوم ؛ عند " جان جيونو " Jean Giono مثلا ؛ لا اقصد بهذا ان جيونو تأثر مباشرة بجيد ، فهذا امر بعيد الاحتمال ، ولكنى اقدر انه اتبع لنفسه طريقة خاصة حتى وصل الى نفس النتيجة . انا نجد جيونوينفي وجود الله نفيا شديدا

فلقد كتب فى تاليفه " وزن السماء " Poids du ciel ١٩٣٧ يقول :

" الحقيقة العظيمة هي انه لا يوجد شئ او شخص يعبد في أي بقعة . بلى لقد بقى شئ جدير بالعبادة : اعنى الطبيعة ، وكذلك الجزء المفضل من الطبيعة ، اعنى الانسانية . لان الانسانية تمثل كمال الطبيعة . ولا نجاة لنا ( حسب استخلاص جيونو ) الا في الوثنية الانسانية . فالوثني يمتاز بتوق وارادة يمكنانه من قلب الاوضاع واقامتها من جديد فالعالم الحقيقي سيكون عالما والانسانية اعظم شئ اثبته الانسان الحي . ان الوثنية لتحرر حقا . "

هو ذا نفس التصريح الخطير بالعقيدة الدينية الذى صدح به جيد من قبل ، يكرر على اسماعنا ، عدا ما تغير فيه من الاسلوب وسياق الكلام . فالانسانية - ومعناها إثبات الانسان لقيمه الخاصة نقيض الدين . فلا سبيل الى ان يبلغ الانسان نهاية ازدهاره ، وان يبلغ الى كماله الذاتى ، حتى يرفض الدين رفضا ، ويسلم بعجز السماء تسليما مطلقا ، وبقصور الكواكب عن اي دلالة ، سوى مالها من معنى محسوس لا يعدو ان يكون زفيرا النور باطل فى امتداد ليل سرمدى وكون خلق سدى

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية