إن النظرة إلى الرواية ومدى قيمتها فى مجال الفن الادبى ما زالت غامضة رغم ما وحد فى مجال البحث والدراسة من أعمال نقدية سواء ثابت فى مجال البحث الشمولي العام ، أو فى مواجهة الاثر ذاته نقدا وتمحيصا ولعل أول من أشار الى هذا المشكل الشائك الدكتور محمود حامد شوكت فى دراسة قيمة نشرها بعنوان » الفن القصصى « ( القاهرة 1956) .
وقد كان بحثه متشعب الاطراف ، وزعه بين الرواية والقصة القصيرة والمسرحية ثم كان من بعده الدكتور عبد المحسن طه بدر الذى نشر حول هذا الموضوع كتابا قيما بعنوان » تطور الرواية العربية الحديثه فى مصر « (1870 ـــ1938 ) ضمن دراسة مستفيضة قيمة حول الرواية العربية ( نشر دار المعارف بمصر القاهرة ، 1968) .
وبادىء ذي بدء نشر الى أن الرواية العربية قسمت الى رواية تعليمية ورواية تسلية وترفيه ثم الرواية الفنية وأخيرا الرواية التحليلية ومجالها ينحصر فى اثبات الشخصية وابراز ضغط الواقع السياسي ( استعمار . . حكم قاهر . . ) وضعف الطبقة الكادحة ثم الاشارة إلى وضع المرأة عموما وما هى فيه من حال ردىء يساهم فى تأخر المجتمع ودفعه الى هوة الحضيض والانكسار ، ثم الارتباط بالواقع ، والالحاح على شعبية البيئة والابطال وكذلك التحول فى تصوير الشخصية من المثالية والتجريد الى الواقعية وأخيرا استعمال طريقة الحوار ضمن الاثر .
وضمن هذه الهيكلية تندرج رواية » عائشه « للاستاذ البشير بن سلامه ( تونس 1982 ) وتتضح المعالم المشار اليها حين دراسة الاثر بنظرة تحليلية فاحصة .
أما رواية الترجمة الذاتية فتغلب عليها مسحة الرغبة فى تغيير قيم المجتمع وابراز حدة الصراع بين القديم والجديد وكذلك العمل على تحرير الفرد وابراز وجوده واستقلاله الذاتى واشهر افراد هذا الاتجاه طه حسين ، عباس محمود العقاد ، المازنى والحكيم . وهؤلاء باستثناء الحكيم فقد كانوا أكثر انتماء الى الطبقة الوسطى المصرية سواء من حيث الاصل والنشأة وأيضا باستثناء المازنى ( ولد وعاش فى القاهرة ) عاشوا طفولتهم وفترة من صباهم فى قلب الريف المصرى .. ونلاحظ فى ايجاز بان الرواية أو القصة القصيرة لم تكن فنا أدبيا معترفا به من كبار المثقفين بل كان الشعر العربى هو الفن الادبى المسيطر وان الكاتب القصصى له سمة المعرة أو الصفة التى تخدش المهنة حتى اننا نلاحظ بأن الدكتور محمد حسين هيكل لم يجرؤ لوضع اسمه على روايته الا فى سنة 1929 ( الطبعة الثانية ) وهى نفس السنة التى قدم فيها طه حسين كتابه الايام ( الجزء الاول ) وبعد أن أصبحت البيئة أكثر استعدادا نسبيا لتقبل مثل هذ العمل الجاد . يقول هيكل فى تقديمه لراوية " زينب " :
" لما بدأت اشتغل بالمحاماة فى الشهر الاخير من تلك السنة ( 1912 ) بدأت أتردد فى النشر وكنت كلما مضت الشهور فى عملى الجديد ازددت ترددا خشية ما قد تجني صفة الكاتب القصصى على اسم المحامى ... ( طبعت الطبعة الاولى باسم " مصرى فلاح " سنة 1914 ) .
هذا والملاحظ بأن جل الروائيين من المدرسة الرائدة والتى أشرت اليها سالفا حاولوا نقل الرواية الى الواقع والتعبير باحساس واقعى يكاد يكون معاشا حقيقة وهذا المنحى والاتجاه أدى بالبعض منهم الى خلق الشخصيات الشاذة والمنبتة وأحيانا التعبير عن حياة الكاتب الخاصة ومحيطه ومشاكله الذاتية حتى كانت الرغبة فيما بعد الى اعادة الكتابة بوجهة نظر أخرى تتمثل فى اختيار الرواية التاريخية لتعبر عن الاحساس القومى ، والشعور بالتجذر الاصيل كما فى رواية " برق الليل " للبشير خريف أو روايات جرجى زيدان المشهورة وهذه تكاد تهدف شكلا ومضمونا الى مجرد تعليم التاريخ .
هذا وقد تغيرت النظرة فى الشرق إثر الحرب العالمية الثانية الى طريقة أخرى تستلهم من التاريخ المعانى التى تدفع الى سبيل المستقبل ومن بين رواد هذه المدرسه عبد الحميد جودة السحار ثم وإثر هدوء الحماس العاطفي رجع
الارتباط بالواقع ومحاولة فهمه وأبرز الكتاب تعبيرا عن هذا الاتجاه نجيب محفوظ الذي استمد الكثير من عناصر عمله من علم النفس ثم انطلق متحررا من القيود ليقدم الواقع بكل تفاصيله ومشاكله وآلامه ...
ودائما تبقى مشكلة المرأة في المجتمع العربى قائمة والبحث عن أصول ومقومات المجتمع ونصفه الثانى مشكلة قائمة فجرى زيدان عنون ثمانية كتب بما يلى :
أرمانوسة المصرية - طبعت : 1889 عذراء قريش 1889 فتاة غسان 1892 غادة كربلاء 1901 عروس فرغانه 1908 العباسة 1911 فتاة القيروان 1912 شجرة الدر 1914
ومحمد حسين هكل عنون روايته بــــ " زينب " وهو زيادة عن احساسه بالواقع المصرى وعلاقته به مع بقاء الحنين الى الريف وهو فى فرنسا حيث كتب القصة كان جو الريف مقصده ووسيلة تعبيره مع ابراز مأساة " زينب " حيث كان يحاول من خلال الاحداث اظهار العلاقة الحرة بين الرجل والمرأة واذا كان المؤلف قد حاول عن طريق شخصية حامد أن يعبر عن القلق والضياع فانه حاول بشخصية " زينب " تصوير أخلاق الريفيين وعاداتهم وكما كانت المشكلة الاولى التى تحتل تفكير المؤلف هي مشكلة العلاقة بين الرجل والمرأة فقد نبعت مأساة " زينب " من نفس المنبع الذى نبعث منه مأساة حامد .
أما طاهر لاشين فقد عنون روايته التى صدرت بتاريخ 1934 بــ " حواء بلا آدم " والمؤلف لم يقدم شخصية حواء كشخصية شاذة أو غريبة أو طريفة وانما يقدمها لنا كشخصية سوية تناضل لشق طريقها فى الحياة .
والعقاد في روايته " سارة " التى نشرت سنة 1938 يجعلنا نشعر بأننا نجاه عمل يخالف ما هو متوقع حيث يتجه الى تحليل طبيعة الانثى الى درجة أننا فى الامكان اطلاق اسم " عبقرية الانثى " على التأليف وأحداث الرواية كلها تلتقى فى منطقة واحدة هى " الشك " الذى تبدأ به الرواية واليه تنتهى ...
وقد كان لأحمد شوقى نصيب فى هذا الميدان فله رواية " عذراء الهند أو تمدن الفراعنة " وقد نشرت أول مرة بالاسكندرية سنة 1897 .
ولعيسى عبيد رواية بعنوان " ثريا " نشرت سنة 1922 ( القاهرة ) محمد فريد أبو حديد رواية " ابنة الملوك " وهى فى جزئين ( 1928 ) والسعيد محمد له رواية " فاطمة أو الفتاة المعذبة " ( 1931 ) ويوسف بحرى رواية " فتاة الثورة العرابية " بدون تاريخ وفى عمل مشترك أصدر محمد الهيدى ومحمد كامل فريد رواية " زينب محمد " : مذكرات وصيفة مصرية ، وهي في سبعة أجزاء ونشرت سنة 1927 . الخ ...
أما رواية " حليمة " لمحمد العروسى المطوى المحرزة على جائزة بلدية تونس العاصمة سنة ( 1962 ) فان الكاتب رغم ما أودع فى طياتها من أحداث كلها تتصل بفترة المقاومة قبل الاستقلال فان عنصر المرأة يبقى غاية فى كثير من الفصول - المرأة الصبور ، ( أم حليمة ) أو المرأة المناضلة من أجل التحرر والانعتاق ( حليمة ) .
أما رواية " عائشه للبشير بن سلامه فنطوى المراحل بسرعة لنشير ما أشرنا اليه حين حديثنا عن رواية " زينب " من أن مشكل حال المرأة ورغبة المساواة بينها وبين الرجل كما فى رواية " زينب " يبقى قائما :
" وكان خالد يسر الى أصدقائه قائلا : يجب أن نتخطى هذه النفسية البدائية ولا نعتبر المرأة متاعا وشيئا خلقه الله لارضاء شهوات الرجل وخدمته خدمة العبيد ، إن المرأة لها كرامتها وهي انسان حر مثل الرجل يجب أن نعامل معاملة الحر الكريم ... " عائشه " - صفحة - واذا ما ألح الكاتب فى ثنايا الرواية على جانب القهر والظلم المسلطين عهد الحماية والبايات على الشعب التونسى الكادح المغلوب على أمره ، مع ابراز صفة الجشع الذاتى والتكالب على اللذة والفسوق والمجون ، مع كل هذا يبقى للمرأة هذا الجانب
من الاهتمام بها وبمآسيها المتلاحقة حتى النهاية بل حتى وفاة البطلة فى آخر القصة وهذا ما نلاحظه أيضا فى قصة " الدقلة فى عراجينها " للبشير خريف حيث كانت نهاية العطراء شبيهة بنهاية " عائشه طفولة فصراع اجتماعى الي فخاتمة مؤلمة ومأساة فظيعة ... ومع " عائشه " نساء أخريات كــ " فريق العجائز " و " أم الطاهر " و " دوجة " .. الخ ...
هذا ولنا أن نشير بأن رواية " عائشه " مساهمة جدية فى حقل كتابة الرواية باعتبارها فنا أدبيا جديدا مستحبا فى الادب والذى نحن مازلنا فى حاجة أكيدة اليه حتى يتبوأ النثر مكانته فى مجال الذوق والاحساس والتعبير عن ارق المشاعر وأرهفها ووصف أدق المواقف من حيث نقل الصورة بلا زيف أو تشويه وفى ذلك صدق الاديب فى التعبير والتصوير وما غير ذلك يكون الادب .
بقي فى النهاية أن ألاحظ بأن الاستاذ البشير بن سلامه يكتب القصة منذ سنين بعيدة ، وقد مارسها وخبر أغوارها وأبعاد غاياتها شكلا ومضمونا وبالرجوع الى قصته " علي الغافل " ( المنشورة بمجلة " الفكر " العدد التاسع - السنة السادسة - جوان 1961 ) نجد سطورا رائعة من العمل الفني الخلاق والنسق الروائى العميق في تبسيط لواقع تاريخى وظرف مؤلم عاشه الشعب التونسي في قبضة الحماية الدخيلة التى كان جندها يشرف أيضا حتى على حرس الباي وكيف كان المستعمر يعبث بأبناء الامة ويبعث بهم لقمة سائغة فى أتون الحرب العالمية الاولى بلا رحمة أو شعور انسانى ...
وإنها لصور رائعة ووطنية صادقة تمثلها رواية " عائشه " برسم ملامح " الرومى " المستبد ، وجو " الطبجية " القديم ، و " القشلة " المحرمة و " الكرافاش " المؤلم والعهد الظالم المظلم وفى النهاية التعرف على خفايا الطبقة المترفة الغارقة فى الملذات والنفاق والرذيلة ...

