1) إذا أردنا أن نبحث الموضوع المحدد فى العنوان أعلاه بجدية موضوعية ، ينبغى أن نعمد أولا الى تحديد الاسس الفكرية والمبادىء النظرية العامة لمضمون الادب . ان قضية المضمون من المسائل التى يكثر حولها الجدل وتثار باستمرار كلما تعلق الامر بدراسة وتحليل الاعمال الفنية ، وعلى الرغم من أهميتها لم تصبح بعد مادة استقصاء خاص في أدبنا الحديث ولم تكرس لها الدراسات الحديثة المستقلة ما خلا استثناءات قليلة جدا مع العلم انها كانت قوام نقدنا القديم . اما المعالجات التى تناولتها فكثيرا ما تنطلق من نظريات شكلية وصيغ جوفاء توحى بوجود انفصام بين الشكل والمضمون وبأسبقية الاول على الثاني حين توعز بما يمكن ان يفهم منه أن العمل الادبي ينقسم الى قسمين وانه لا يمكن بالتالي دراسة المضمون الا عن طريق الاعتراف أولا بوجود الاثر الادبى كشكل قائم مفصول عن محتواه خاصة وأن الشكل هو الذي يلوح أمامنا كلما فكرنا فى الرواية مثلا أو القصة القصيرة ... والحق أن الطرح الصائب للقضية لا يكون بهذا الفهم المغلوط الذي يضع حاجزا رفيعا بين أجزاء العمل الفنى . فكما انه لا يجوز عمليا الفصل بين الابرة والخيط أثناء عملية الخياطة كذلك لا يجوز عزل الشكل عن المضمون فى النتاج الادبى الا بطريقة نظرية تجريدية متعسفة .
ولان الطرح السليم لهذه القضية لا يتحقق الا بالنظرة الشمولية والتفكير الجدل الذى يعتبر العمل الادبى وحدة مترابطة الاجزاء متكاملة العناصر فى الوقت الذى يربطه بكلية عامة هي الظاهرة الاجتماعية الاجتماعية أو الواقع الموضوعي
فمن الضرورى وضع الاطار النظرى الواضح لهذه المشكلة التى تعتبر كغيرها من قضايا الابداع الفنى مجالا خصبا وفسيحا يحتد فيه الصراع بوضوح بين المادية والمثالية .
2) المفاهيم الاولى للمضمون :
ترتبط بمفهوم المضمون عدة مفاهيم ومقولات أخرى لابد من فهمها بدقة واستخدامها بكيفية ملائمة تجنبنا البلبلة والتشوش وتبعدنا عن الغموض والعشوائية . من هذه المصطلحات مثلا المنهج الفكرى والابداعي ، العقيدة ، الاسلوب ، الشكل . يبدو للوهلة الاولى أن هناك تقاربا بين هذه المفاهيم يكاد يبلغ درجة التطابق بالنسبة للمنهج الفكرى والاسلوب والمضمون خاصة . والحق أن لكل واحد من هذه المصطلحات دلالته الخاصة ومفهومه الواضح المحدد وذلك بسبب وجود فوارق دقيقة تفصل بينها وتميز كل مصطلح عن الآخر من حيث الدلالة والاستعمال المنهجى . فاذا امكن أن نفهم المنهج الابداعي والفكرى على انه تصور الكاتب عن المضمون الفكرى لعمله الادبي باعتباره الطريقة التى تلخص مجمل المبادئ الاساسية للاختيار الفنى ، لتقييم وتعميم ظواهر الواقع ، لانه يعبر عن البرنامج الجمالى للفنان وعن رؤية للترابط بين الفن والواقع ، فان العقيدة تقترب من معنى المنهج الفكرى وان كانت أكثر منه اتساعا وعمومية . أما مفهوم الاسلوب فهو ينفرد بالتعبير عن الجانب الذاتي فى العمل الادبى ويلتصق بشخصية الفنان ، لان الاسلوب كما هو معروف هو الكاتب ، هو مواصفات ابداعه (1) .
نوجد بالطبع عدة تفسيرات اخرى تعتبر الاسلوب مجموعة التصورات الشكلية ومجمل الطرق التقنية التى يلجأ اليها الكاتب فى عمله . غير انها تفسيرات مثالية وخاطئة لان الاسلوب بأى معنى أخذ لا يمكن أن يعنى غير المضمون والمنهج الفكرى ولان للاهمية الكبرى للاسلوب وللمنهج الابداعى تكمن فى المضمون .
ومضمون الادب هو ادراك الكاتب للحقيقة الموضوعية التى لا تدخل فى الرواية ، فى الاقصوصة .. كحقيقة معكوسة خارجة عن نطاق العمل الادبى عديمة الصلة به ، وانما تدخل فيه كحقيقة عاكسة موجودة داخلة كشكل ذاتى للعالم الموضوعي الخارجي . وهذا معناه أن مضمون الادب لا يتحدد كحقيقة
وانما كرؤية لها ما دامت الحقيقة الموضوعية هي ادراك الفنان المحدد لظواهر الواقع وتقيمه لها بوصفه ممثلا طبقيا لاحدى القوى الاجتماعية " فالموقع الطبقى والاجتماعي يحدد الاتجاه الرئيسى فى التفكير الفنى ويكون المنهج والاسلوب الابداعي " (2). وطبيعة التفكير تتحدد كما هو معلوم عن طريق الوعى الاجتماعي الذي ينعكس فى وعى الذات ليرتدى اشكالا متنوعه جدا للتعبير وذلك على أساس الموضوعية العلمية القائلة :
" ان الوجود الاجتماعي والوعى الاجتماعى تماما كالوجود والوعى بشكل عام ليسا متطابقين " (3).
ان مضمون العمل الادبي هو اذن الانعكاس الواعي للحقيقة الموضوعيه وفى هذا تكمن كل الحوانب المتعلقة بالاصالة والتفرد . لان الخصوصية الجمالية هي قبل كل شىء خصوصية الوعى الابداعى وليست الاصالة كما يقول هيجل سوى :
" القدرة على التفكير بشكل مستقل ورؤية المضمون المميز وغير المتكرر فى أية ظاهرة حياتية " (4). وعلى هذا فالمنهج الابداعى نتاج علاقات اجتماعية تتحدد فعاليته بالمعطيات الموضوعية للواقع والتاريخ ، للزمان والمكان .
هذا التحديد للمضمون هو أكثر التعريفات قبولا ولا يسبب تناقضات مبدئية عند الاتفاق على ما هو المجال الفعلى للحقيقة لتكون موضوعا للانعكاس فى الفن . فالمضمون فى الرواية مثلا هو دائما شكل ادراك الواقع الخارج الخارجي لان صورة الفن او شكله الفني هى دائما صورة المضمون . وبإمكاننا ان نصل الى العمل الادبى من زاويتين :
من وجهة نظر مضمونه أولا على أساس أن العمل الادبى نظرة عامة ايديولوجية للحياة " رؤية للعالم " كما يقول لوكاش ومن وجهة شكله الخاص المتميز .
ان تفسير المضمون بهذه الطريقة يعنى أن كل مضمون لاى عمل فنى كان يتضمن بالضرورة مكونين أساسيين هما الفهم الواضح لظواهر الحياة
وتقييمها . والفهم والتقييم مرتبطان جدليا ويعبران معا عن موقف فكرى واجتماعى (طبقى) وفنى .
لهذا فنحن لا نستطيع ثباتا أن نتصور المضمون مفصولا عن الشكل . صحيح ان مسألة الشكل والمضمون كانت دائما موضع خلاف الا انها اليوم . من الوضوح بحيث لم يعد فيها مجال للتردد والاضطراب وخاصة منذ أن كشف هيجل والمادية الجدلية بعده عن ضعف وخطل النظرية الشكلية التى ابتدعها كانت وغيره من المفكرين المثاليين . هاجم هيجل نظرية (كانت) الشكلية التى لا ترى عناصر الجمال الا فى الشكل وتلقى بالمضمون خارج نطاق الجمال ، وجاهر باتحاد الشكل والمضمون معبرا " ان الفن هو عرض خارجى للادراك أو هو تعبير عن ( الفكرة ) حيث تعنى بموضوع غير متعلق بها .. مؤكدا أن الفن تجسيد الفكرة ، وعلى قدر سلامة ذلك التجسد يكتسب العمل الفنى جماله " (5).
لم ينكر الفيلسوف الالمانى (هيجل) العلاقة الجدلية بين المضمون والشكل ، ولا المحتوى الموضوعي والتاريخي للفن ولكن رأيه هذا بقى مع ذلك منسجما تمام الانسجام مع نظريته المتعلقة بتطور الفكرة عبر التاريخ التي كرس فيها تقسيمه الثلاثى المشهور للفن . وعندما ميز (هيجل) بين المراحل الثلاث لتطور " الفكرة " مرحلة الفن والدين والفلسفة لاحظ أن الفن يمثل شكلا ناقصا من أشكال المعرفة .
أما الرواية فقد عرفها قائلا انها الملحمة البرجوازية العصرية وربط بينها وبين تعدد المصالح والأوضاع فى مجتمع متبدل التنظيم يتعارض فيه الواقع وأمنيات الروح (6).
3 - الرواية المغربية :
لن اتحدث فى هذا البحث عن الرواية بصفة عامة بل عن نوع محدد منها وبين تعدد المصالح والأوضاع فى مجتمع مبتذل التنظيم يتعارض فيه الواقع
المغربية ، دون أن يعنى اقتصارى على هذا النموذج من الادب العربى الاستغناء عن التطرق الى جوانب تتعلق بفن الرواية ، لان الروايه المغربية هى قبل كل شىء جزء من هذا التراث الحضاري وامتداد وتطوير له من بعض الوجوه . ومع ذلك لا ينبغي أن نسقط في وهم هذا التعميم . فالرواية هي بالتحديد وحسب تعريف هيجل ملحمة البورجوازية العصرية . واعتقد أن هذه الموضوعية تصدق على الرواية المغربية وعلى الرواية العربيه والمغربية على حد سواء .
ليس من شأن هذا البحث تفصيل القول فى عوامل نشوء وتطور الرواية المغربية وانما يهمه بالدرجة الاولى الاشارة إلى أن هذا النوع الادبى حديث العهد في بلادنا وهو لا يزال فى طور التكوين والتبلور لانه - كما كان عليه الامر في بلدان عربية أخرى - ظهر متأخرا وكان ثمرة من ثمرات احتكاكنا بالحضارة المغربية ونتيجة من نتائج انتفتاحنا على الادب العالمي عن طريق اللغة والفكر الاستعماريين ثم عن طريق اللغة العربية واتصالنا الاخير بالشرق العربي وتراثه الادبي . فالادب المغربى الحديث حاصل صراع حاد بين ثقافتين وطنية واستعمارية ، الاولى تقليدية محافظة ارتبطت بالماضى وحافظت على التراث ولم تطور الا بعد الاستقلال ، والثانية مرنة ومتقدمة امتازت بقابلياتها المتعددة وتكيفها مع متطلبات العلم والعقل ولذلك استطاعت أن تفرض وصايتها على الثقافة الوطنية خاصة عندما تشبع بها مثقفو البرجوازية الذين ارتطبوا بالاستعمار وحافظوا على مصالح المتروبول بتعبير فرانزفانون .
يمكن القول بأن اللقاء الذي ظهر منذ البداية فى صورة صراع بين الثقافتين تم مع بداية الحماية في مستهل هذا القرن عندما بدأ النضال السياسي المسلح ضد المستعمر يوازيه ويدعمه نضال فكرى ضد الثقافة الغازية والايديولوجية الدخيلة . غير أن المواجهة الفكرية للمستعمر لم تتبلور بكيفية حادة وعنيفة الا ابان ظهور واشتداد الحركة الوطنية المغربية 1925 - 1956 وهي حركة تحريرية مهدت لها السلفية والمذاهب القومية التى انتشرت في المغرب بفضل شخصيات فكرية مرموقة مثل شيخ الاسلام العربي العلوى ، بوشعيب الدكالى . وبواسطة هاته الشخصيات أصبحت السلفية والقومية تشكلان القواعد التاريخية والاسس الايديولوجية للحركة الوطنية المغربية ، وفي العشرينات والثلاثينات من هذا القرن ظهرت أجيال أخرى من مثقفى الطبقة الوسطى تخرجوا من جامعة القرويين ومن المدارس الفرنسية
المزدوجة وهؤلاء هم الذين تحملوا مسؤولية تنظيم وقيادة وتوجيه الحركة الوطنية فى صراعها ضد المستعمر .
وابتداء من منتصف الاربعينات برزت البورجوازية الكبيرة كقوة اجتماعية غنية أهلتها ظروفها الخاصة للاستفادة من المعطيات الموضوعية والامكانيات المادية والتجارية واستطاعت بفضل مركزها المادي أن تساهم فى الحركة الوطنية وتؤثر على توجيهها .. وكسبت الى جانبها مجموعة من المثقفين من الذين انخرطوا في الحركة وعملوا على تحقيق طموحاتهم الفردية بواسطها .
هكذا أثمر اللقاء المفروض مع الغرب وحضارته نتائجه الايجابية والسلبية فى الخمسينات والستينات وظهرت الرواية المغربية لتعبر عن وعي وطني بورجوازى بأوضاع بلادنا الاجتماعية والتاريخية والفكرية كتبتها مجموعة اسماء تنتمى فى معظمها الى الطبقة الوسطى وتعبر اما باسم هذه الطبقة واما باسم البرجوازية الوطنية الكبيرة وهى الطبقة التى ارتبط بها بعض هؤلاء المثقفين وأصبحوا اليوم يمثلونها ويدافعون عن مواقفها ومنظوراتها فى كتاباتهم الادبية والفكرية .
ان واقع التجزئة والازدواجية المترتب عن عهد الحماية جعل الادب المغربى الحديث ينقسم الى قسمين : قسم مكتوب بالفرنسية وآخر بالعربية . ومن الملاحظ أن القسم الاول ازدهر في عهد الحماية وغداة الاستقلال وهو الآن آخذ فى التقلص والانحسار . اما القسم المعبر بالعربية فهو لم يتم الا فى مرحلة الاستقلال وهما معا لا يزالان يتعايشان فى نوع من المنافسة الحرة خاصة بعد الانعطافة التى حدثت فى الادب المغربى المكتوب بالفرنسية فى الستينات وجعلته يلتقى فى نقاط كثيرة مع الادب المعبر بالعربية ويتحد معه فى الرؤية والمضمون من أجل تكوين ثقافة وطنية أصيلة وتقدمية .
يذكر باحث مغربي معاصر (7) أن أول انتاج روائى كتب بالمغرب هو رواية " ادريس " كتبها مؤلفها بالفرنسية وتناول فيها الوضع الاقتصادى والسياسي في البلاد . وبعد رواية لعمائمى محمد هذه توالت الاعمال النثرية المعبرة بالفرنسية فكتب أحمد الصفريوى ( صندوق العجائب ) سنة 1954 م
صور فيها طفولته وضمنها لوحات فنية عن الحياة المغربية اذ ذاك بما فيها من ماض وتقاليد وعادات . ثم ألف ادريس الشرايبى وهو مهندس كيماوي وصحفى وكاتب مجموعة روايات منها : الماضى البسيط ، التيوس ، الحمار .
ثم ظهر في الستينات روايات مغربية أخرى منها - أكادير - لخير الدين محمد ، والعين والليل - للعبى عبد اللطيف ، ( الذاكرة الموشومه ) لعبد الكبير الخطيبى ، ( هرودة ) للطاهر بن جلون .. الخ .
أما الروايات المكتوبة بالعربية فقد طفرت منذ مشمل الخمسينات وكانت اسبقها رواية - في الطفولة كتبها عبد المجيد بن جلون فى نهاية الاربعينات . وتتابعت بعدها مجموعة نماذج لكتاب آخرين فى الستينات والسبعينات وعددها المنشور حتى الآن يتجاوز عشرين رواية عدا ما هو جاهز للطبع منذ سنوات ولا ينتظر سوى الفرصة المواتية للظهور مثل : (الافعي والبحر) لزفزاف ، ( أيها الضياع ) لمحمود السرغينى ، ( القيد ) لمبارك الدريبى ، ( الغد والغضب ) لخناثة بنونة .
4 - الرواية والواقع : علاقة التبادل
لم يكن الهدف من هذا الاستطراد اعطاء فكرة عن نشأة الرواية المغربية ، بفرعيها فحسب بل أيضا تأكيد حقيقة كبرى سبقت الاشارة اليها الا وهى ارتباط الرواية بالواقع الاجتماعى بتحولاته التاريخية والفكرية . ان هذه العلاقة ذات أهمية قصوى ويهمني أن أقف عندها ، فهي ظاهرة لا تثير صعوبة كبيرة ولا تحتمل جدلا كثيرا وتكاد تكون القناعة المشتركة بين كثير ان لم تكن اغلب كتاب الرواية ونقادها على اختلاف مشاربهم الفكرية وانتماءاتهم الاجتماعية . يعترف بها كتاب للرواية البورجوازيون ونقادها الغربيون وينوهون بها كما يلح عليها النقاد الاشتراكيون ويتخذونها منطلقا لتنظيماتهم وتحليلاتهم .
يقول هنرى جيمس بعد أن يذكر تعريفه المشهور للرواية بأنها انطباع شخصى مباشر للحياة " ان المبرر الوحيد لوجود الرواية هو أنها تحاول بالفعل تصوير الحياة . وعندما ترفض هذه المحاولة - نفس المحاولة التى نراها على لوحة المصور فانها تكون قد وصلت الى حالة غريبة " .
ويرى جوزيف كونراد تلميذ ه . جيمس وخليفته الطبيعي أى عمل يتطلع باى درجة من التواضع الى الوصول الى مرتبة الفن يجب أن يحمل ما يبرر ذلك فى
كل سطر من السطور أما الفن ذاته فيمكن تعريفه بانه محاولة حالصة النية لايفاء العالم المرئي حقه الى اقصى حد وذلك عن طريق الكشف عن الحقيقة الواحدة المتعددة الجوانب والقائمة خلف كل ناحية من نواحيه انه محاولة للعثور فى اشكال هذا العالم وفي ألوانه ، فى ضوئه وفى ظلاله ، فى مظاهر المادة وفي حقائق الحياة على كل ما هو أساسى ، كل ما هو باق وجوهرى في كل منها ، على الصفة الوحيدة المضيئة المقنعة ، على حقيقة وجودها بالذات " . ويؤكد كل من فرجينا وولف و د . ه لورانس وبيريسى لبوك و ا . م . فورستر هذه العلاقة بصيغ أخرى متفاوتة جاعلين من الرواية قطعة من الحياة أو الحياة ذاتها .
وحين ربط هيجل الرواية بالطبقة البورجوازية الحديثة كان يفكر بالضبط فى المجتمع البورجوازى القائم على الاستغلال والتفاوت الطبقى وهذا ما برهن عليه لوكاش فى تحليلاته حول نظرية الرواية ودراساته للرواية الواقعية والتاريخية .
واذا ما تتبعنا آراء وتعليقات مختلف كتاب ونقاد الرواية فى هذا الفن الادبى بالذات نستطيع أن نستخلص منها ثلاثة مبادىء هامة هي : الحرية - الجدية - الواقعية ، تفيدنا الى جانب المفاهيم المذكورة المتعلقة بالمضمون فى فهم وتحليل كل نص روائى .
فمبدأ الحرية معناه أن الروائى حر فى اختياره لمواضيع عمله وفى تصويره للواقع بالطريقة التى تروقه دون الزام أو اكراه . وعلى هذا فالحرية هي المقياس الذي ينبغى أن يعتمد عليه الدارس فى محاكمته للكتاب ، بحجة أن الحرية اختيار وموقف . والجدية هي الصفة الاولى التى تجعل الباحث يهتم بالعمل الروائى والادبى عموما ، واذا ما انتفت فقدت الرواية قيمتها وأهميتها فى عين القارىء لانها اذ ذاك لا تختلف فى شىء عن الخرافة أو الحكاية الفجة . يقول هـ .جيمس : " يجب على الرواية أن تأخذ ذاتها مأخذ الجد ليأخذها الجمهور مأخذ الجد " .
والواقعية تعنى فيما تعنيه الاقتراب من الشعب والتعبير عن مطامحه وتطلعاته وقيمه الاصلية . وهي التى تعطى للرواية خصوصيتها ومضمونها الحيوى . لانها المقياس الاول لفنية الرواية :
" ان علاقة الرواية بالواقع حصرا هي التي تؤلف خصوصيتها ، وهذا نوع أساسى من التمايز ويبدو أنه يفصل الرواية عن معظم الانواع التقليدية ، عن
المأساة والملهاة والشعر " البطولى والرعوى " (8) ان الحرية بمعنى اختيار الموقف الفني والايديولوجى ، والجدية بمعنى التعبير عن حقائق وأحداث تستحق الاهتمام وتثير فضول الملتقى ، والواقعية التى تعنى عكس حقائق الواقع الموضوعي هى المبادىء التى يقوم عليها فن الرواية الذي يتميز حسب ما يظهر بالشمول والموضوعية . على أن موضوعية هذا اللون الادبى لا تدل على خلوه من الذاتية والموضوعية تنعكسان فى الرواية - وفى كل عمل فنى - بطريقة جدلية رائعة ومعقدة .
فالرواية هي " مشكل الرجولة الناضجة " كما يقول لوكاش وشكلها الخارجي هو أساسا بيوغرافي . انها " شكل المغامرة التى تلائم قيمة الداخل الخاصة والمضمون هو تاريخ هذه النفس التى تذهب فى العالم لكى تتعلم كيف تعرف نفسها وتبحث عن المغامرات لكى تختبر نفسها فيها ، وبواسطة هذا الاختبار تعطى بعدها وتكشف جوهرها الحقيقى " (9).
يمكننى القول ان ما نستطيع أن نصطلح على تسميته براوية فى الادب المغربى المعاصر تنطبق عليه القولة السالفة ( تمام الانطباق ) ابتداء من الطفولة إلى ( زمن بين الولادة والحلم ) ومن رواية ( زينب ) الى آخر رواية جديدة .
5 - قضايا المضمون ونماذجه فى الرواية المغربية :
ان ارتباط الرواية المغربية بذاتية كاتبها لم يحل دون تعبيرها عن واقع موضوعى وبالتالى فهى لا تنهض على تاريخ الفرد وانما تجلى تاريخ الواقع الذي ينعكس فى ذات الكاتب لاننا نلمح عبرها على حداثتها وقلة نماذجها مدى التطور التاريخي والفكرى الذى نشأ خلال حوالى أربعة عقود ، وهي فترة كافية لاظهار ذلك الفرق بين ( فى الطفولة ) والنماذج التى ظهرت في السبعينات : ( المرأة والوردة ) ، ( زمن بين الولادة والحلم ) وغيرهما .
فعبد المجيد بن جلون يرصد فى سيرته الذاتية ، فترة من حياته كما عاشها ببلدة منشستر بانجلترا وفترة اخرى قضاها فى مدينة فاس . وكانت هذه مناسبة اليه لعقد مقارنة بين مظاهر الحياة الحضارية فى أوروبا ممثلة في
انجلترا ومظاهر الانحطاط والتخلف التى تطبع الحياة الاجتماعية فى وطنه . ولعله كان يسعى من وراء هذه المقارنة الى تقديم النموذج الحضارى الذى اختاره ليتحدى به مواطنيه فى سلوكاتهم واخلاقهم ومعاملاتهم الاجتماعية والسياسية ، وكل الامثلة التى ضربتها فى روايته عن الجو الذي يسود أسرة آل بترنوس وفي الشارع وحتى مظاهر العلاقات السياسية : حكايته عن جورج الخامس ص 63 ، 68 لم تكن اعتباطا لانها جاءت توكيدا لهدف الرواية الفكرى .
على أن ( فى الطفولة ) ليست سوى رواية تحكى مغامرة صاحبها فى الحياة منذ أن خرج الى العالم وذهب محمولا إلى اروبا فى أعقاب الحرب الاولى . وما يلى ذلك من تنشئة وتردد بين انجلترا والمغرب ، وفي هذه السيرة الذاتية كانت السخرية التى تحدث عنها ( لوكاش ) الاداة الهامة التى اكتشف بها المؤلف الرابطة التى تجمع بين عالم متدهور منحط وبين رغبة الكاتب فى تجاوز واقعه عن طريق تقديم بديل غربى يعد راسبا من رواسب الطفولة . وقد نرى فيها كذلك بداية يقظة الوعى البورجوازى من خلال اتصاله بالغرب أثناء فترة الحماية التى تحكمت فيها علاقات انتاج رأسمالية عملت البورجوازية التجارية فى المغرب كل ما فى امكانها لاستثمارها واستغلالها لفائدة نموها وتطورها الخاص .
ولا شك أن العلاقة مع المغرب والتساؤلات المختلفة التى طرحت حول نتائج مثل هذه العلاقة وحول مدى ما يمكن أن تحققه من تقدم بالنسبة لبلد متخلف حديث العهد بتجربة التسيير الذاتي هى نفس القضايا التى عالجتها روايات غربية أخرى تعتبر ترجمة ذاتية لاصحابها بقدر ما هي تعبير عن حقائق موضوعية لانها سواء عبرت عن فترة تاريخية ماضية أو طرحت قضايا اجتماعية وسياسية معينة تعكس موقفا ايديولوجيا يتدعم فيه العام والخاص .
من الصعب تصنيف هذه الروايات تصنيفا دقيقا يلخص مضامينها الفكرية ويعبر فى نفس الوقت عن أساليبها وطرق أدائها الفنية لاختلاف المواضيع التى تناولتها هذه الاعمال ولتفاوت درجات الوعى فيها :
هناك روايات تحصر نفسها فى فترة تاريخية محددة وتعالج قضايا مرتبطة بتاريخ الحركة الوطنية وبالتحولات الناتجة عن الكفاح الوطني وظروف
الحرب الكونية الثانية ومشاكل الاستقلال وهي : الغربة - دفنا الماضي - جيل الظمأ ، وهناك مجموعة أخرى تتصدى للواقع الاجتماعى الراهن مباشرة مثل الطيبون ، المرأة والوردة ، زمن بين الحلم والولادة ، أما اكسير الحياة و"المعلم على " فقد انفردتا بشرح آرائهما فى موضوعين خاصين .
هذا فضلا عن اختلاف الاهتمامات الفكرية والممارسات الادبية والسياسية لكتابها فما الذي يستطيع أن يجمع بين مفكر ومؤرخ وبين فيلسوف ومؤرخ ارتضى الشخصانية الواقعية مذهبا وعقيدة . وما القاسم المشترك بين كاتب وصحفى كرس حياته للعمل السياسى والكتابة فى أثناء الحركة الوطنية فى عهد الاستقلال وبين استاذ جامعي احترف التدريس منذ شبابه . وكيف يلقي شابان يختلفان في المزاج وفى اسلوب الكتابة وربما فى ممارسه الحياة .
إذا كانت الرواية تجمع بين هؤلاء جميعا من حيث الشكل على الاقل فهناك عدة عوامل تفرق بينهم وفي مقدمتها العامل الذاتى ، وما العامل الذاتى فى مفهومه العلمي المحدد الا الوضع الايديولوجي والطبقى .
اننا نفترض وفق التحليل السابق لأسس المضمون ، وبناء على المبادىء لثلاثة المذكورة - الحرية - الجدية - الواقعية . ان هذه الروايات ترتبط من حيث المضمون بواقعها الاجتماعى والتاريخي بعلاقة واضحة لا غبار عليها سواء أكان ذلك بوعى من أصحابها أو بغير وعي منهم ، غير أن هذه الروايات ليست مجرد تعبير عن واقع موضوعى ، انها تعكس ايضا ايديولوجية كل روائى ووضعه الاجتماعى واهتماماته الطبقية لان الجانب الموضوعي في مضمونها يحتوى فى نفس الوقت على الجانب الذاتى .
هذا الجانب الاخير يجب ان يؤخذ دوما بعين الاعتبار أثناء التحليل فنحن لا نجرد تعريف المضمون من جانبه الموضوعي ولا ننفي عنه الحقيقة الموضوعية عندما نقول أن القصد الفكرى للكاتب وأفكاره التى تعبر عن عقيدته الطبقية هى مضمون انتاجه الفنى لان الواقع الخارجي يجد انعكاسه الصادق وأفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا ولان ادراك الكاتب والانسان عموما يعطي حقيقة موضوعية ويعبر عنها فالمضمون الموضوعي فوجهات نظر الروائى ولافكاره لا يأتى من خارج اطار الوعى بالواقع الخارجى بل يؤكد وجود الموضوعي في الذات نفسه . فمهما اعتبرنا هذه الروايات فهما ايديولوجيا للواقع فانها
تحمل بدرجة أو بأخرى بذور الحقيقة الموضوعية وتعبر عنها . انها أفكار هؤلاء الروائي ومشاعرهم ونظراتهم الجمالية مصاغة فى شكل فنى قائم على التنظيم والبناء ، أى اسلوب التعبير عن المضمون . وهى بالتالي تؤكد وحدة الموضوع والذات وتعكس فهم هؤلاء الكتاب للواقع الموضوعي وتبرز من ثم تقييمهم له وموقفهم منه . ومع ذلك فهذه الروايات لا تعكس لنا الواقع المغربي او بعضا منه أو مراحله التاريخية فى كل ارتباطاتها وأساسها وغناها الذي لا ينفذ . وانما تعكسه من وجهة نظر الكاتب وبحسب انتمائه المادى وقناعته الفكرية . فالماضى الذى صوره غلاب فى روايته ليس هو الماضى الحقيقى ولكنه ماضى الحركة الوطنية وماضى أسرة الحاج محمد كما فهمه وبينه غلاب وكذلك الواقع التاريخي في ( الغربة ) . ومشكلة المثقفين لم تطرح فى ( جيل الفناء) بالكيفية التى قرأناها فى هذه الرواية الا لان الحبابي أراد كذلك . فهؤلاء جميعا عندما يعبرون عن فهم لواقعهم الاجتماعى ويعكسونه فى أعمالهم انما ينطلقون من موقف تقييمي للظواهر الاجتماعية تتحكم فيه مصلحة الطبقه والافداد ، وقد كان النظر الى كل ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية تبعا لصلتها بالمصلحة الطبقية مبدأ عاما لكل تقييم اجتماعي يعكسه الفن .
على ذلك فالحرية التى تتحدث عنها فى الرواية ليست حرية مطلقة غير محددة انها حرية اختيار يتحكم فيه الموقف الطبقى والفكرى للكاتب الروائى ويمكن أن نقول الشىء ذاته عن الجدية والواقعية . وكل واحد من الروائيين المغاربة عندما يعرض علينا مصائر ابطاله ويصور لنا الظروف الاجتماعية التى تحكمت في حياة وتوجيه مصائر شخصياته يعطينا فى نفس الوقت تقييما محددا لكافة الجوانب الحياتية في عمله الفني انطلاقا من موقف ابطاله . ويكشف من ثم عن مجموعة المقاييس التى يرتكز عليها فى تقييمه . وتقييمه شأنه شأن كل تقييم يعبر عن توافق الظواهر المقيمة مع مصلحة الشخصية الاجتماعية للبطل الذي تصلح اهتماماته ومطالبه البشرية ورغباته ...
ويسترسل الكاتب في دراسته فى حل مشكلة المضمون فى الرواية المغربية - ويتحدث عن مؤلفين مغاربة وعن آثارهم الروائية وهو حديث عن واقع المسرح المغربي استقاه الكاتب من خلال الكتب العديدة التى مارس فيها اصحابها عملا روائيا ناجحا ناهضا (*).

