ان مشكلة تحديد النسل ليست جديدة ، وان اتخذت اليوم لونا جديدا واصبحت متصلة شديد الاتصال بالاقتصاد . فمنذ زمان بعيد حاول الناس لاسباب مختلفة ، ان يحولوا دون الحمل ، أو أن يتخلصوا منه إذا ما حصل بالالتجاء الى مختلف وسائل الاجهاض . ووقفت الاخلاق والاديان من هذه المشكلة مواقف مختلفة ، ولم يحسم فيها الخلاف الى يومنا هذا .
فنحن نريد أن نثبت هنا نص فتوى قديمة ، لما تنطوى عليه هذه الفتوى من فوائد تاريخية تطلعنا ان المجتمع المغربى لم يزل منذ قرون يعانى مشكلة تحديد النسل ويبحث لها عن حلول اخلاقية ومادية . فالتجاء الاجداد الى العزل ، ومختلف صور الوضوء ، والادوية والاسقاط يفيدنا اننا لم نخترع جديدا يذكر في الميدان ، وان كانت وسائلنا ارقى واكثر حصانة اليوم
قال الونشريسى ) 1 ( فى المعيار المغرب والجامع المعرب عن فتاوى اهل افريقية والاندلس والمغرب ) 2 ( انه قد وردت عليه رسالة منها : " وكتب الى يسألنى الفقيه العدل البركة الفاضل ابو العباس احمد بن الشيخ المبارك الصالح ابى عبدالله محمد الخالدى - اكرمه الله ! - عن عدة مسائل ، ما نصه :
الحمد لله وحده ، واليه يرجع الامر كله ، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم . الى السيد الفقيه المدرس المحقق العالم العلامة المقيد الحافظ القدوة فاتح اقفال الغوامض والمعضلات ومظهر اسرار المشكلات سيدنا وبركتنا وامام عصرنا ومصباح زماننا ابى العباس احمد بن الشيخ الفقيه المنعم المبرور
المقدس المرحوم بفضل الله تعالى ابى زكرياء يحيى الونشريسى ابقى الله تعالى بركاته . نرغب اليكم فى جوابكم الثاني بما ثبت عن الايمة المتقدمين نصا ، أو بما افتى به مشائخ الدين من المتأخرين تخريجا ، او بما ظهر لكم بسديد نظركم قياسا ، وتبينوا لنا المسائل المقيس عليها ، عن مسائل قد اشكلت على ولكم الاجر ، والسلام عليكم . منها . .
ومنها اذا اتفق الزوج والزوجة على اسقاط الجنين قبل اربعة اشهر ، هل يسوغ ذلك أم لا ؟ واذا قلتم بجوازه ، هل يجوز ذلك للزوجة وان لم يوافق الزوج اولا ؟ واذا قلتم بالمنع ، وفعلت ذلك المرأة واسقطته ، هل تلزمها الغرة ) 3 ( أم لا ؟ ..
والجواب ان المنصوص لايمتنا - رضوان الله عليهم - المنع من استعمال ما يبرد الرحم ، او يستخرج ما داخل الرحم من المنى . وعليه المتحصلون والنظار . قال القاضي أبو بكر بن العربى ) 4 ( - رحمه الله ! - للولد ثلاثة احوال حال قبل الوجود ينقطع فيها بالعزل ، وهو جائز
وحالة بعد قبض الرحم على المنى ، فلا يجوز لاحد حينئذ التعرض له بالقطع من التولد ، كما يفعله بعض سفلة التجار فى سقى الخدم ، عند استمساك الطمث ) 5 ( ، الادوية التى ترخيه ، فيسيل المنى معه ، فتنقطع الولادة
والحالة الثالثة بعد انخلاقه وقبل ان ينفخ فيه الروح . وهذا اشد من الاولين فى المنع والتحريم لما روى من الاثر وان السقط ليظل محتضنا على باب الجنة يقول : لا ادخل الجنة حتى يدخل ابواى . فاما إذا نفخ فيه الروح فهو قتل نفس بلا خلاف . انتهى وانفرد اللخمى ) 6 ( فاجاز استخراج ما فى داخل الرحم من الماء قبل الاربعين يوما ، ووافق الجماعة فيما فوقها .
فاذ وقفت على هذا التحقيق الذي تقدم جلبه من كلام القاضى المحقق ابى بكر - رحمه الله ! - علمت قطعا ان اتفاق الزوج والزوجة على اسقاط الجنين في المدة التى ذكرت ، وتواطئهما على ذلك ، حرام ممنوع لا يحل بوجه ولا يباح . وعلى الام فى اسقاطه الغرة والادب ، الا ان يسقط الزوج حقه فى الغرة بعد الاسقاط
ومن هذا النمط والمعنى ما سئل عنه عز الدين بن عبدالسلام الشافعي ) 7 ( - رحمه الله ! - هل يسوغ للمرأة أن تستعمل أدوية تمتنع من الحمل ام لا ؟ فاجاب : ليس للمرأة أن تستعمل ما يفسد القوة التى يتاتى بها الحمل " هذه اسئلة واجوبة تدل على أن أهل تونس والمغرب بصفة عامة لم يزالوا منذ قديم الزمان يبحثون مشكلة تحديد النسل عن وجه تتم به من دون أن يمس ذلك باجسادهم واعتقاداتهم واخلاقهم . فالفقه ، كما يتضح من الاجوبة لا يقف من الامر موقفا حرجا جدا ، بالنسبة لموقف أصحاب الاديان الاخرى . فعسى المشكل ، بعد أن أقض مضجع الافريقيات والافريقيين زمنا طويلا ، يجد في أيامنا حلا يضمن سعادة الفرد والعائلة والمجتمع .

