ان المقصود هنا بالاصالة الثقافية والحضارية هو جعل جوهر الثقافة والحضارة التونسية يتناسب فى نفس الوقت مع ما ينص عليه الدستور التونسى في الفصل الاول والثاني حيث يعلن ان الاسلام دين تونس والعربية لغتها . وان المجتمع التونسي المعاصر ينتسب الى أسرة المغرب العربى التى هى طبعا جزء من الأمة العربية .
وهدف الاصالة الحضارية والثقافية فى تونس يعنى ايضا تأكيد انتساب تونس بحق وبدون تذبذب الى الذاتية الحضارية والثقافية التونسيه التى اكتسبها المجتمع التونسي بعد مجيء الدعوة الاسلامية الى ربوع شمال افريقيا التى جعلت كل مجتمعات هذا الركن من افريقيا عربية واسلامية فى معظم مظاهر تقاليدها الرسمية وغير الرسمية .
إلى انتساب واع لا مقلد :
ولسائل أن يقول لماذا نثير مثل هذا الموضوع وتونس - كمجتمع وأفراد - ذات تقاليد وشعائر إسلامية وعربية . إن الذى أدعو إليه هنا هو الذهاب بمجتمعنا التونسي - إن اتفقنا طبعا على انتسابنا الحضارى والثقافى - إلى الرجوع إلى انتساب حضارى وثقافى وأع ومتحمس إلى كل ما يشمله هذا الانتساب من عناصر . ففي رأيى ان كثيرا من ملامح انتسابنا الى التراث العربى الاسلامى أصبحت ملامح وشعائر تقليدية على المستوى الاجتماعى والفردى .
وهكذا فان هذا الانتساب التقليدى خلو من الروح المتقدة والدوافع الداخلية الملتهبة والتفهم المتفتح . والتقليد غالبا ما يخلق بلادة ذهنية اجتماعيا وفرديا وتصبح نتيجة لذلك سلوكات الافراد شعائر خاوية من التفهم العميق لأصول عناصر التراث الثقافي والحضارى للمجتمع الذي تنتسب اليه الافراد .
فالمجتمعات الصناعية المتقدمة مثلا تعيش منذ احقاب مرحلة تقليدية فيما يخص انتسابها الديني . حدث ذلك خاصة بعد الاكتشافات العلمية التى تصادمت مع الكنيسة . وبانتصار سلطة العلم كل يوم منذ القرن السابع عشر ضعفت غيبة الكنيسة والدين بصفة عامة فى كل من أروبا وأمريكا الشمالية حيث زحفت ركاب العالم بخطى عملاقة . ونتيجة لذلك أخذ أهل أروبا وأمريكا يبتعدون شيئا فشيئا عن التأثيرات الدينية التى عوضتها التأثيرات التى ساهمت بها الاكتشافات العلمية المتصادمة فى كثير من الاحيان ظاهريا أو عمقيا مع التفسيرات والقيم الدينية . لكن انتصار سلطان العلوم لم يؤد الى جعل معظم أهل أروبا وأمريكا ملحدين . وانما الذى حدث هو انتشار عقلية التقليد الديني بين سواد أفراد المجتمعات الاروبية والامريكية المتقدمة . ان هذا الموقف التقليدى يتلخص فى كون انتساب معظم افراد شعوب أمريكا واروبا المتقدمة الى الديانة الكاثولكية او البروتستينية ينقصه التفهم الواعى والتحمس المتاجج حيال هاتين الديانتين الاكثر شيوعا فى تينك القارتين ان هذا الوضع ادى الى ما يسميه علماء الاجتماع بظاهرة " الشعائرية " (1) : Mitualism إن هذا المفهوم يشير الى ان المقلد الديني سواء كان مسيحيا او مسلما أو غيرهما طالما يجره التقليد الى " الشعائرية " فى سلوكاته وعقائده الدينية .
و الشعائرية " تعنى خلو سلوك الفرد المتدين تقليديا من عمق فى العقيدة والتفهم والانتساب القوى للديانة التى ينتسب اليها الفرد المقلد .
خلال لقاءات وأحاديث وملاحظات هنا فى أمريكا الشمالية اكتشفت ما للتقليد من انعكاسات على سلوك الفرد وعقله المتهيئ للتفكير والنقد والتفهم لدينه . إن المسلمين الجدد من أبناء أمريكا الشمالية الذين قابلتهم وتحدثت معهم لهم مثل مبين للفرق بين المتدين تقليديا والمتدين عن تفهم وعمق ناتج عن التحليل والمقارنة التى سبقت دخول هؤلاء الى الدين الاسلامي . ومقارنة
بسلوكهم وعقائدهم الدينية الاسلامية فاننا نحن التونسيين فى شمال أمريكا ، مثلا . لنبدوه كمقلدين انتسابنا الى الاسلام . فكثير من سلوكاتنا الدينية ضرب من الشعائرية " التى تخلو من العمق الدينى وبالتالى فهى سطحية كان سببها الاكبر هو انتشار عقلية التقليد الديني لدينا . والتقليد على المستوى الفردى والجماعي يصبح خطرا على صلب الحضارات إذا هو تفشى في كل مركبات الهيكل الحضارى للشعوب (2) وعناصره .
القضية الحضارية في المجتمع التونسي المعاصر :
ان المجتمع التونسي ، ككثير من مجتمعات عالمنا المعاصر عصريها وناميها ، ليمر منذ أحقاب بمرحلة تقليدية فيما يخص التراث العربى والاسلامى . أعني هنا ان انتسابنا إلى هذا التراث خال من الروح المتوقدة والحماس المبنى على اقتناع واع وتفهم متين . هذا الموقف التقليدى الشائع بين سواد الشعب التونسى يمكن أن يلخص فى قولنا إننا عرب مسلمون وتونسيون لأننا وجدنا انفسنا هكذا منذ الطفولة " .
ولهذا الفتور طبعا أسباب يمكن أن تفسر ظاهرة عدم الانتساب اليقظ لدى التونسين حبال التراث العربى والاسلامى . من هذه الاسباب تقلص الحضارة الاسلامية - العربية وجمودها فى الأحقاب الاخيرة خاصة عند احتلال الغرب للمجتمعات العربية - الاسلامية فالمغلوب ، كما قال ابن خلدون عادة يقلد الغالب . فالشعب التونسي تكونت له مركبات النقص حيال عناصر حضارتة وذاتيته كلما حاول أن يقارن حضارته المهزومة بمظاهر حضارة سيده الغالب : الغرب المتمثل خاصة فى فرنسا .
ومما زاد معظلة المركبات النفسية والحضارية التى يجدها المرء عند التونسيين سوءا هو التأثير الثقافي الذي تعرض ويتعرض اليه التونسى فى المدارس والجامعات التونسية وغيرها . إنه ليس نادرا خاصة قبل الاستقلال أن نجد تونسيين مثقفين ثقافة فرنسية بحتة بما فى ذلك معرفة كتابة اللغة الفرنسية وقراءتها وجهل تام تقريبا بكتابة العربية وقراءتها وما الى ذلك من عناصر الثقافة العربية .
فهؤلاء التونسيون المثقفون ثقافة فرنسية بحتة يصعب عليهم أن يكونوا دوى اصاله وتحمس واع - لا مقلد - الى الذاتية والشخصية التونسية المنتسبة الى تراث عربي اسلامي (3) .
وخريجو المدرسة الصادقية أنفسهم ذوو الزاد الثقافي المتزن - حسبما يبدو - بين الزاد العربى الاسلامى والاروبى لم يخلوا فى كثير من الحالات من نوع من التذبذب والانقسام فى انتسابهم الحضاري . وهذه العينات فى مجتمعنا التونسى كان لزاما ان تلفت نظر المسؤولين عندنا إلى أهمية العامل الثقافى فى تكوين شخصية وإتجاهات الفرد حيال قضية الانتساب الحضاري . وهكذا فان أى رجوع الى أى إنتساب قوى وأصيل فى تونس للتراث العربي الاسلامى لا بد أن يتخذ بعين الاعتبار ما للتأثير التربوى فى المدارس والجامعاء لتونية من دور فى تاصيل الذاتية التونسية .
التذبذب فى تربيتنا القومية :
وتحصلت تونس على الاستقلال سنة 1956 ، ولكن تذبذب انتسابنا إلى حضارة وتراث معينين لم ينته . ظلت تونس فى سياستها نحو الشعوب العربية الاسلامية غير واضحة الواقف . فاذا تحسنت خاصة العلاقات السياسية مع الدول العربية الاسلامية أظهرت الحكومة التونسية انتماء اكثر إلى التراث العربى الاسلامى . ولكن سياستنا ترجع الى التذبذب والغموض اذا تدهورت هذه العلاقات من جديد مع بعض إخواننا العرب المسلمين .
اما علاقاتنا مع فرنسا والغرب عامة فلا يسودها مثل هذا التذبذب والغموض الذي تعانيه وعانته علاقتنا مع العالم العربي .
إن سياستنا نحو الغرب سياسة تفتح غير مقيد . إنه مبدأ سياستنا التونسية . أما تفتحنا نحو الشرق العربى فيحيط به الحذر ونوع من الخوف .
ان هذا الموقف السياسي الذي اتخذناه منذ الاستقلال مشين طبعا لشخصيتنا وتراثنا الحضاري الذي يعترف به الدستور التونسى كما سبق ذكره فى مفتتح هذا المقال .
هذا الانحياز إلى جانب الغرب على حساب الشرق العربى فانى اساند مبدا التفتح نحو الحضارة الغربية ولكن يجب ان تتغير طريقه تفتحنا على الغرب التى اتبعناها فى تاريخنا الحديث . ان تفتحنا غير المدروس نحو الحضارة الغربيه خاصة الفرنسية منها ان يفحص بجدية واعية .
ان مدارسنا وجامعتنا يجب أن تكون منطلق التحول . إن هذه المؤسسات التونسية القومية كانت قد فتحت أبوابها بطريقة هلوعة الى عوامل التأثير الحضارية الغربية . فالمثقف التونسي من خريجى هذه المعاهد كان فى كثير من الاحيان اكثر تمكنا من الثقافة الفرنسية . فهو يتقن اللغة الفرنسية اكثر من اتقانه للعربية الفصحى وهو أيضا ذو إطلاع لا بأس به على الاتجاهات والقيم وايديولوجيات الحضارة الفرنسية ذات التأثير المباشر على سلوك وتفكير المثقف التونسي ذى التكوين الفرنسى .
وهذه السياسية التربوية القومية أدت فعلا الى إنشاء عدد كبير من التونسيين الذين يعرفون أكثر عن حضارة المجتمع الفرنسى مقارنه بمعرفتهم عن المجتمع العربى الاسلامى .
ان مثل هذه البرامج التي تدرس فى مدارسنا وجامعاتنا التونسية وتخلق مثل هذا الانحياز الثقافي في أبناء تونس وبناتها لا بد أن تستأصل إذا اردنا بوضوح وصراحة ، وبغير تذيذب انتسابا وانتماء الى حضارة وشخصية إسلامية عربية .
ان هذا التكوين الثقافي الاجنبى رأيته شخصيا ، وبدون شك رآه آخرون يخدش شخصية التونسي . لاحظت بين أبناء تونس فى الخارج من يعارض الانتساب إلى حضارة مستعمره عوضا عن حضارته نفسها . ان هذا التونسى كان يقول : " اننا نحو التونسيين - نتكلم الفرنسية عندما كان يسأل عن اللغة المستعملة فى المجتمع التونسي . إن أمثال هذا التونسى المحاول لانكار عناصر ذاتيته كثيرون . وتأثير الثقافة الخالية من العناصر الاساسية للشخصية والحضارة التونسية العربية الاسلامية لهى العامل البارز لاحداث هذه المحاولات التنصلية من الذات والاصالة العربية الاسلامية التى يجدها - وبكل أسف - منتشرة بين أبناء تونس وبناتها داخل تونس وخارجها .
وعرفت ايضا فى أمريكا الشمالية تونسيين خريجى المعاهد التونسية فى فترة ما بعد الاستقلال . إن تكوين كثير من هؤلاء لمشين جدا فيما يخص الثقافة العربية الاسلامية . وهذا التكوين المشين جعلهم - إذا كانوا من هؤلاء الذين يريدون الانتساب الى التراث الاسلامى العربى غير قادرين على انتساب واع وعتين الى الاسلام والعروبه . فمحاولاتهم الانتماء الى هذا التراث تعد فى نظرى ضربا من التقليد بدلا من ان يكون انتسابهم مبنيا على تفهم مثقف لمكونات تراثهم الذى ينتسبون اليه . إن التونسى الجاهل بأسس عناصر ثقافتة وحضارته لا يستطيع أن يدافع برؤية واضحة - غير مقلدة - عن مقومات يستطيع بها ان يعزز تصورها وإنتسابه .الى التراث العربي الاسلامي أمام نفسه وامام الآخرين
إن التونسيين المنتسبين بصورة تقليدية الى المكونات العربية الاسلامية لا بد ان يجدوا انفسهم فى مواقف حرجة امام أنفسهم وأمام الآخرين اذا ما أرادوا أن يدافعوا عن هذا التراث الذى له مساهمته الانسانية فى الحضارات العالمية ومن أهمها الحضارة الغربية التى كان لعرب ومسلمي الاندلس خاصة الفضل الكبير فى الدفع بهذه الحضارة إلى عصر النهضة La Renissence وما بعده .
ان التونسيين الاكثر تأثرا بعناصر الثقافة الفرنسية طالما يجدون أنفسهم يجهلون الكثير عن تراثهم العربى الاسلامى الذى كانت له مساهمة هامة فى المجال العلمي والقانونى والمعمارى ... الخ . وإن مثل هذا التكوين الثقافى المنحاز الى الثقافة الاجنبية على حساب الثقافة الام يجعل التونسي جاهلا حتى بالتراث الادبى للامة العربية فى مقابل معرفة أكثر للادب الفرنسي مثلا . للامارتين وهيجو وفلتار شخصيات أدبية معروفة أكثر من بعض أدباء العربية كالمتنبى وشوقى والشابى .
إن الاستمرار فى هذا التكوين الثقافي للتونسى الناشئ لمشين لشخصية التونسى الذى ينتمى الى حضارة عربية اسلامية يؤيدها الدستور التونسي اى اوائل فصوله . وبالتالى فان هذه السياسة التربوية لا يمكن لها طبعا ن تعنى التفتح الذى له عادة نتائج إيجابية تفوق السلبيات .
إن مثل هذه النظرة الى " فكرة التفتح " لنظرة ساذجة . فهي نظرة سطحية يرى كل انعكاسات مثل هذا النوع من التفتح الثقافي على شخصية الفرد وطبقات المجتمع المعرضة الى التأثيرات الثقافية الاجنبية العديدة .
ان قضية الازدواج الثقافي في حد ذاتها لم تبت فى ايجابيتها بعد الدراسات العلميةفى علم النفس والاجتماع (4). فما بالنا بالثقافة الاجنبية التى يتلقاها التونسى وتجعل منه مثقفا ملما ومتأثرا أكثر بالثقافة الاجنبية مقارنه بثقافته القومية ؟!
ان انكاسات مثل هذا الزاد الثقافي على التونسى أو غيره من أبناء وبنات المجتمعات الأخرى التى لها مثل هذه البرامج التعليمية ذات الطابع الاجنبى لينعكس في شخصيات الافراد ومجتمعاتهم من حيث الانتساب الحضارى ومكونات الذاتية لهؤلاء الافراد .
مسؤولية وزارة التربية فى بناء اصالتنا الثقافية :
ان مشكل الانتساب الواعي الى الحضارة الاسلامية العربية لا يمكن انكاره بسهولة في مجتمعنا التونسي المعاصر . ان كل محلل لهذه الظاهرة فى مجتمعنا لا بد أن يجد لها عوارض عديدة تترجم وجودها بين طبقات الشعب بطريقة لا تقبل الشك والتردد . والعامل الثقافي الاجنبى فى تونس هو السبب الاول فى نظري ، الذى جعل انتسابنا الحضارى مشكله لكثير من التونسيين داخل الوطن وخارجه .
ومن هنا فأى أمل فى اصلاح هذا الوضع لا بد أن يبدأ من التكوين الثقافي الذي يتلقاء كل تونسي منخرط في المعاهد التونسية التربوية بكل مراحلها . وهكذا فان دور وزارة التربية القومية فى الاصالة الثقافية التونسية دور ذو أهمية أساسية في احداث هذا النوع من التغيير الحضارى الذى يحتاج اليه مجتمعنا التونسى المعاصر . ولكن وزارات التربية القومية التى أنيطت بها هذه المسؤولية لم تكن ذات اتجاه واضح وسياسات واحدة .
كان من بين هذه الوزارات التربوية القومية الوزارات المتذبذبة والمترددة حيال مبدأ سياسية تربوية قومية (5) ( بما فى ذلك العناصر الاسلامية
العربية ) تعطى الناشىء التونسى الجديد تكوينا متينا ومحترما من الاسس الحضارية والثقافية التى ينتسب اليها المجتمع التونسي . إن برامجنا التربوية مع الاسف لم تكن دائما واضحة وجريئة . إن كثيرا من وزارات التربية التونسيه بعد الاستقلال كانت تعكس شبح الخوف الذى كان يقرنه بعض مسؤولى وزارات التربية بسياسة تربوية تعطى زاد ثقافيا كافيا من الحضارة الاسلامية العربية للتونسى الناشىء .
إن كثيرا من مسؤولى وزاراتنا التربوية بعد الاستقلال كانوا يرون إدخال العناصر الاسلامية والعربية بصفة كافية فى البرامج التعليمية ضربا من الرجوع الى الوراء والى التخلفية الاجتماعية والنفسية و . . و . . ولهذا فان لبرامج التى ادخلوها فى بعض مراحل التعليم التونسي لم تكن قادرة على تاصيل وتمتين ثقافة التونسى الناشىء ولم تكن قادرة حتى على تغيير بعض المواقف لدى طلابنا وتلامذتنا حيال مادة العربية . مثلا فمعروف لدينا قبل الاستقلال وبعده أن كثيرا من أبنائنا وبناتنا التونسيين يتحدثون عن مادة العربية مستعملين كلمة Arab عوض عن العربية . وإن هذه الظاهرة استمرت بعد الاستقلال بين ابناء وبنات تونس خريجى المعاهد القومية التونسية . فان التونسى الناشىء المثقف الذي ما زال يستعمل كلمة Arabe عوضا عن كلمه العربية بعيد عن أن يكون قد تلقى وتأثر بتربية قومية فى المعاهد التونسية تجعله يغير ما ورثناه من الاستعمار الثقافي الفرنسى انماط تعبيرية - فرنسية نستعملها بدون قيود . فحتى فى حديثنا عن العربية كثير منا يفضل فرنسة الكلمة فتصبح rabe (6) !
لكن هذا لا يعنى أن كل وزارات التربية القومية لفترة ما بعد الاستقلال كانت غير متحمسة تحمسا واعيا حيال وضع سياسة تربوية قومية تقى وتحفظ التونسى الناشىء خاصة من الصراعات والمشاكل التى تعرضت وتتعرض لها شخصية التونسى عندما تؤدى به التأثيرات الثقافية الاجنبية الى انقسامات فى الذات والشخصية القومية والى غربية حضارية Alienation Culturelle يعيشها التونسى الذى وقع فريسة الاستعمار الثقافى والحضارى .
من وزارتنا التربوية التى تحاول تأصيل الثقافة والحضارة التونسيه وزارتنا الحالية التى يرأسها السيد محمد مزالي . إن هذا الاخير امن ويؤمن بان أهداف وزارة التربوية القومية هو تأصيل الجيل التونسى الناشىء عن طريق البرامج التربوية التى يتلقاها المتعلم التونسى ابتداء من المرحلة الابتدائية الى التعليم العالي .
فسياسية التعريب التى تحاول وزارة التربية الحالية تطبيقها ونشرها أكثر فأكثر في صلب البرامح التربوية التى ما زالت تشكو من فقر مضن فى ميدان التعريف رغم جهود مسؤولي هذه الوزارة وحماسهم .
ان افساح المجال امام تعريب لغة المعاهد التربوية التونسيه للبنه أساسية فى تغيير وتاصيل محتوى الثقافة والحضارة التونسية . إنه لمنطقى ان يتقن التونسى لغته ويتعرف على مكونات حضارته وتراثه القومي قبل أن يتقن لغة اجنبية ويتعرف ويتأثر بمكونات حضارة غير قومية
ان نفس هذا المنطق هو الذي تتبعه المجتمعات المتقدمة التى نريد نحن ان نلحق بركبها . إذا كنا نحبذ تقليد المجتمعات المتقدمة فى كثير من مظاهر حياتها واتجاهاتها فلماذا لا نقلدها فى سياستها التربوية التى تنشىء عليها أبناءها وبناتها ؟!
انه لواضح لكل محلل بصير أن سياسات الدول المتقدمة التربوية سياسه تأخذ يعين الاعتار فى المقام الاول مركبات وعناصر الثقافة والحضارة التى ينتمى اليها المجتمع .
ان الطفل الفرنسي أو الامريكي ، مثلا ، يتعلم فى المدرسة لغته قبل تعلم لغة أو لغات أجنبية . وكذلك الشأن بخصوص التراث الحضارى والتاريخى . فنابوليون والثورة الفرنسية ولنكن والثورة الامريكية من المعالم الحضارية التى يبني عليها المزاج الحضارى للطفل . فمثل هذه الاحداث التاريخية والحضارية تخلق فى نفس الطفل انتسابا حضاريا يبث فى النفس الشعور بالعز والمجد . ان علماء النفس يؤكدون على أهمية التأثيرات الاولى التى تتعرض اليها شخصية الطفل ذات التشكل السهل فى المرحلة الاولى من الطفولة وكثير من علماء النفس يذهبون الى القول بأن التأثيرات الاولى يستمر تأثيرها على
شخصية الفرد حتى ما بعد الكهوله (7) وهكذا فان عدم تزويد التونسي الطفل والشاب والكهل بزاد حضارى وثقافى قوميين له مخاطره العديدة التى لا يمكن أن تخفى عن عين كل متفهم لأهمية العناصر والمكونات الحضارية والثقافية فى تكوين الفرد والمجتمع وعلاقات الاول بالاخير .
ومع الاسف فان سياستنا التربوية بعد الاستقلال تعكس تذبذبا واضحا أزا ، البت الحاسم فى قضية العنصر اللغوى والثقافى والحضارى الذى كان يتحتم على الجيل التونسي لفترة ما بعد الاستقلال أن يتغذى بفخر وعزة بلغته العربية وتراثه العربى الاسلامى . وتونس كدول اخرى نامية ، ما زالت تشكو من ظاهرة عدم الفهم العميق لأهمية الجانب اللغوي والثقافى والحضارى لاى مجتمع ولأى فرد ينتسب اليه . وإذ تستمر الدول النامية في هذا السلوك في برامجها التربوية فانها تدل بذلك على بقائها تحت الاستعمار الثقافي (8) الذى لا يرحل بسرعه بعد زوال الاستعمار السياسي والعسكرى من ربوع البلاد النامية .
فالرجوع بأجيالنا الناشئة التونسية الى أصالتها الحضارية يرتكز اذن كما هو الشأن فى المجتمعات المتقدمة على اتقان لغة الوطن والتشبع من الزاد الحضارى القومى قبل أى لغة اجنبية وتراث حضارى غير قومي . إن علماء النفس والتربية والاجتماع فى الدول العصرية المتقدمة قد أكدت أهمية العناصر اللغويه والثقافية والحضارية (9) القومية لأى فرد ينتسب الى حضارة وثقافة معينتين . ان سياسة التعريب التى تحاول وزارة التربية الحالية تطبيقها وتاصيل البرامج التربوية للناشىء التونسى المتعلم لخطوة على طريق تكوين
شخصية تونسية مثقفة تتناسق مع اصول ومكونات الثقافه والحضارة التونسية ذات الطابع الاسلامى العربى .
المعاهد التربوية الشرقية وتعريب لغة الشرقى المثقف :
ان قضية تعريب لغة التونسي المثقف ليست طبعا مستحيلة التحقيق كما يعتقد الكثير منا . والفاحص للمجتمعات العربية ولهجات متكلميها يجد ان تأثير المعاهد التربوية هو العامل الاول المؤثر على نسبة الكلمات ذات الاصل العربى التى يستعملها العربى من شمال افريقيا أو من الشرق العربى فى كلامه العادى باللهجة المحلية .
والملاحظ للظاهرة اللغوية في عالمنا العربى المعاصر يستطيع أن يعثر على عينات تثبت ما لتأثير التربية القومية على لغة المثقف العربى . إن مثقفى العالم العربى يمكن تقسيمها إلى قسمين باعتبار قدرة الفرد على استعمال اللغة العربية بسهولة :
1) مثقفي المشرق العربى ، و 2) مثقفى المغرب العربى . ان خريجي المدارس والجامعات العراقية والمصرية والسورية واللبنانيه لهم عادة سهولة في التعبير بالعربية الفصحى أو الدارجة عن شؤون الحياة أو المسائل العلمية أما خريجو معاهد وجامعات المغرب العربى فنادرا أن تجد بينهم من لا يخلط كلامه الدارج والفصيح بنصيب لا يستهان به من الكلمات الفرنسية . والمرء يلاحظ هذا الفرق اللغوي داخل العالم العربى وخارجه فالتونسي والجزائرى والمغربي طالما يزيد من نسبة الكلمات والعبارات الفرنسية عندما يتحادث خارج بلاده مع التونسي والجزائرى والمغربي خاصة إذا كان بلد الاستقرار خارج الوطن يتكلم الفرنسيه .
أما خريجو المعاهد الشرقية فتستمر بصفة عامة صفاوة تعبيرهم الدارج والفصيح من الكلمات والعبارات الاجنبية اذا ما استقروا خارج بلادهم .
ومن ناحية اخرى فان تشبع الشرقي العربى بعناصر ومكونات الحضاره العربية في المعاهد التربوية والمحيط الاجتماعى تجعله عادة ذا انتساب امتن واوضح الى الامة العربية الاسلامية من انتساب أبناء الشمال الافريقي . ويلاحظ باطراد مثلا فى منريال عدم انخراط أهل المغرب العربى فى المؤسسات والنوادى العربية العامة . وكثير من المغريبين العرب يفسرون عدم اشتراكهم
فى هذه المنظمات بسبب عدم سهولة التفاهم مع الشرقيين العرب يعربيتهم الدارجة التى قد تختلف كثيرا مع دارجة اخرى من الشرق العربي ( مثلا لهجة قطر أو العراق ... ) . وظاهرة تعدد اللهجات ظاهرة اجتماعية عالمية نجدها في ارجاء كل مجتمع حضارى معين . فالمجتمع الفرنسى والامريكى لهما ظاهرة تعدد اللهجات . فاللهجة البارسية والمرسيلية بينهما اختلاف ملحوظ قد لا يسهل التفاهم السريع بين متكلميهما . ولهجة شمال الولايات المتحدة تختلف عن لهجة سكان تكساس أو كنتاكى . فالعالم العربى كوحدة حضارية لا بد أن ينتشر فيها عدد من اللهجات المحلية تضاهى تلك التى نجدها فى المجتمع الامريكى أو الفرنسي .
ولكنى لاحظت شخصيا ان ابناء المغرب العربى الذين لهم زاد من العربية الفصحى وعناصر الحضارة العربية الاسلامية لا يجدون صعوبات في التفاهم مع الشرقيين سواء بالدارجة أو العربية الفصحى . وهذا النوع من ابناء الغرب العربى هو الذى ينتسب ويشترك أكثر فى المنظمات العربية فى منريال .
إن معظم ارجاء العالم العربى قد رزحت تحت نير الاستعمار الاجنبى خاصة الفرنسى والانقليزى مثلما وقعنا نحن تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية . ومعظم المجتمعات العربية قد تحصلت الآن على الاستقلال السياسي والعسكري . ولكن الاستعمار الثقافى ما زال خانسا فى بعض المجتمعات العربية وبارزا واضحا للعين فى مجتمعات أخرى من الوطن العربي . إن تونس في نظري لم تحصل بعد على استقلالها الثقافى . إن هذا الاستعمار واضح المعالم في عقلية الانسان التونسى وفى تركيب مجتمعه . والمؤسف في كل هذا أننا مازلنا في سبات شبه العميق حيال قضية مصيرية مثل قضية الاستقلال الثقافي .
إني شخصيا أتطلع الى ذلك اليوم - وأخاف أن يكون تطلعي هذا ضربا من التمنى - الذى تحصل فيه تونس على الاستقلال الثقافي . وأدرك أن هذا الهدف غير سهل المنال فى الظروف الحالية للتركيب العالمي . أدرك أن التخلص والتحرر من الاستعمار الثقافي أصعب بكثير من التخلص الاستعمار الاقتصادى والسياسي والعسكرى .
إن الصعوبة الكأداء التى يلاقيها كل مجتمع يريد التحرر من الاستعمار الثقافى تكمن فى طبيعة هذا النوع الخاص من الاستعمار المتخنس . إن
مكونات هذا الاستعمار تجعله قادرا على البقاء فى المجتمعات المتحرره عسكريا وسياسيا واقتصاديا بسبب إنصهار واندماج مركباته ( فاللغة ، والقيم ، ونمط الحياة ... الخ ... ) فى صلب شخصيات أفراد المجتمعات التى نالت الحرية العسكرية والسياسية والاقتصادية . وهذه الطبيعة المتخنسه تجعل التعرف عليه في هذه المجتمعات - وكثير منها من دول العالم الثالث - غير سهل القيام به . وهكذا فان تفاؤل المرء بصدد الحصول على الاستقلال الثقافى فى تونس يجب أن يكون محدودا جدا خاصة إذا استمر التذبذب عندنا من من حيث انتماؤنا الحضاري ومكوناتنا الثقافية . إن بصيص الامل - رغم كل ما ذكرت أعلاه ما زال قائما وقادرا على انجاز ما يبدو الان شبه المستحيل . إن زيت فتيل هذا البصيص من الامل هو اصالة محتوى البرامج التربويه لغة وثقافة وحضارة في معاهدنا التونسية من الابتدائية الى العالية . إذا انجزنا هذه الخطوة في ظرف الحقبات الثلاث التالية فنكون عندئذ قد قربنا مما يبدو الآن بعيدا فى الافق الممتد !
تاصيل لغة المحيط التونسي :
ان تاصيل المجتمع التونسي لغة وثقافة وحضارة لا يمكن ان يصبح حقيقة اجتماعية وفردية ملموية اذا لم تتعاون بقية عناصر المجتمع التونسي مع بذور التأصيل التى تريد زرعها وزارة التربية الحالية أو أى وزارة اخرى تتلوها لها نفس الحماس التأصيلى إزاء المجتمع التونسى .
فبرامج التأصيل اللغوية والحضارية والثقافية لوزارة التربية سوف تبقى مشلولة المفعول إذا هي لم تجد المحيط التونسي خارج المعاهد التربوية امتدادا متناسقا ومتعاونا معها . وبالتالى فان اى جهد جاد لتأصيل المجتمع التونسى يجب أن يمتد بفاعلية وحماس الى زرع بذور التأصيل خارج معاهدنا التونسية التربوية . هذا يعني مثلا تعريب لغة الادارة التونسية على اختلاف انواعها من شركات الحافلات عندنا التى ما زالت محافظة على الفرنسية من كتابة تذاكر المواطنين الأميين الى البنوك والمؤسسات الهاتفية التى ما زالت تنشر الدليل الهاتفي بالفرنسية وحدها بينما وقع نشر الدليل الهاتفى ايام الاحتلال الفرنسى بالعربية والفرنسية !
ان تعريب لغة الادارة التونسية يمكن تحقيقه تدريجيا لو كانت لنا سياسة شجاعة وغير متذبذبة فيما يخص قدرة لغة الضاد على التعبير عن
شؤوننا الفردية والجماعية . وإن استمرار استعمال اللغة العربية في ادارات وزارة الداخلية لاشارة واضحة الى امكانية اكتفائنا بلغة القرآن فى تسيير . امورنا ومعاملاتنا الادارية .
إن العائق فى نظرى لتعريب الادارة التونسية ناتج عن تصورات خاطئة وعقد نفسية سببها كلها استمرار بقائنا تحت قبضة الاستعمار الثقافي . وسنبقى بهذه التصورات الخاطئة والعقد النفسية ما لم نعمل فرديا وحكوميا واجتماعيا على استئصال هذه الامراض والانحرافات .
إن من بصوراننا الخاطئه والشائعة بين كثير من مثقفينا ثقافة فرنسية هو اعتقادهم ان اللغة العربية هي لغة شعر وخطابة ...وهكذا فهي قاصرة عن القيام بالمعاملات والشؤون العصرية للانسان المعاصر . إن هؤلاء يردفون متهمين اللغة العربية بالتاخر .
ان اتهام لغه الضاد بالتأخر ضرب من الجهل فى حد نفسه . فاللغة ومدى قدرتها على التعبير عن مختلف اوجه الحياة مرآة أمينة لمدى تقدم وقدرة متكلميها كشعب على مستوى كل الانجازات والنشاطات الانسانية . هذه العلاقة بين العنصر اللغوى والمجتمع تعنى أن اللغة تتقدم أو تتأخر بتقدم أو تأخر متكلميها . لذا فان المتهمين للعربية فى تونس بالتأخر يزوغون عن اتهام المتهم الحقيقى المتأخر الا وهو المجتمع التونسي . إن اتهام اللغة - بدلا من اتهام انفسهم - هو تصور خاطئ للمشكل اللغوي عندنا . إنه حل رخيص لا يشفى ولا يقنع الا هؤلاء الذين يستمرون فى المحافظة على تصورهم الخاطئ .
ان هذا التصور الخاطئ لجوانب العنصر اللغوى عندنا يقترن - كنتيجة منطقية لذلك - بعقد نفسية على المستوى السلوكي الفردى حيال لغة الوطن . والفرنسية فهذه الاخيرة تجد إحتراما من التونسي يفوق في كثير من الاحيان الاحترام الذى يوليه - اذا شعر بذلك - الى اللغة العربية . وشائعة كثيرا مجتمعنا التونسى مظاهر سلوكية تؤكد الاحترام الكبير الذي تتمتع به لغة فرنسا فى بلادنا .
فنشرات إحصائية أظهرت مثلا أن تلامذة الثانوى عندنا يطالعون عددا اكبر من القصص المكتوبه باللغة الفرنسية . وهذه الظاهرة تبدو أكثر انتشارا بين البنات . وإنى شخصيا لاحظت نفس الظاهرة عند فتياتنا التونسيات . واذكر فى هذا الصدد حدثا وقع لى سنة 1965 في دار الحزب . كنت انتظر مسؤولا
حزبيا لمقابلته وأثناء ذلك تلاقيت ببنت يوغسلافية جاءت تتعلم العربية فى تونس فى معهد بورقيبة للغات الحيةBourguiba School واثناء حديثنا ذكرت شاكية من التونسيين والتونسيات ( خاصه )الذين يحاولون ذائما مخاطبتها بالفرنسية بدلا من العربية التى جاءت لتعلمها فى المجتمع التونسي العربى .
وهذا الانحياز نحو تفضيل استعمال الفرنسية عند شبابنا وكثير من قطاعات مجتمعنا التونسي مربوط طبعا بالتكوين الثقافى المدرسى الذى تلته عقليات وتركيبات اجتماعية فى قلب المجتمع التونسى جعلت سمعة مرموقة لكل متكلم وقارىء بالفرنسية . ومع الاسف فهذه العقليات والتركيبات الاجتماعية لم نبدأ فى زحزحتها بطريقة جدية وعملية .
ان علماء الاجتماع يؤكدون أن ظاهرة التغير الحضارى والثقافى بطيئة الخطى نسبيا (10) رغم هذا البطء فان انجاز تغيير ثقافى لغوى حضارى امر ممكن فى تونس وأى مجتمع آخر اذا توفرت الشروط الكامله لمثل هذا التغير الاجتماعى .
مهمة اضافية لوزارة الثقافة :
ان وزارة الثقافة عندنا يمكن أن تشارك هى الاخرى فى حركة التاصيل الثقافي واللغوي والحضاري . فكيباك Le quebec الفرنسية فى محاولتها للتأصيل والمحافظة على التراث الفرنسى لغة وثقافة وحضارة وسط اللغة والثقافة والحضارة الكندية الانقليزية أنشأت وزارة جديدة الى جانب وزارة التربية تدعي بوزارة التنمية الثقافية اe MIsteredu developement Cultur ومهمة هذه الوزارة هي فرنسة المحيط فى أرجاء المجتمع الكيباكى بما فى ذلك طبعا جعل اللغة الفرنسية - أكثر فأكثر - عوضا عن اللغة الانقليزية - لغة الادارة والواجهات الاعلانية والمعاملات الاجتماعية بكل انواعها (11) .
وفي تونس يمكن إنشاء مثل هذه الوزارة أو إعطاء وزارة الشؤون الثقافية الحالية دورا رسميا فى غرس بذور التأصيل اللغوي والثقافى الحضارى .
ونشاطات هذه الوزارة يجب أن تتجاوب مع المثقفين وغيرهم من طبقات المجتمع التونسى على السواء . فحملات التأصيل اللغوي والثقافى الحضاري يجب أن تهدف أولا بالذات الى توعية المواطن التونسي بذاتيته وانتسابه الى التراث العربى الاسلامى .
إن قضية الانتساب للتراث - لدى التونسى - يجب أن تخرج من حيز الذبذب والحياء الى حيز الانصاح والوضوع والافتخار حقا بالتراث الذي تنتسب اليه . فالاذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات واللافتات الشارعية وغيرها من وسائل التوعية يجب أن تتعاون مع وزارة الشؤون الثقافية عندنا فى تونس لنشر العناصر الاساسية للتراث الحضارى والثقافى التونسيين بين كل اصنافنا الاجتماعية .
ولقد شنت فعلا فى المجتمع التونسى منذ الاستقلال حملات قومية لتوعية المواطن صحيا وسياسيا واجتماعيا مثل الحملات التى شنت ضد وباء الرمد وغيرها من الاوبئة الصحية . وحملات بث فكرة تحديد النسل لدى العائلات التونسية ما زالت مستمرة - ولا بد أن تستمر - فى أرجاء كل المجتمع التونسى .
وعلى المستوى اللغوى والثقافى والحضارى فنحن فى تونس بحاجة ماسة ان حملات مشابهة إن اردنا طبعا ان نقوم تذبذب انتسابنا اللغوى والثقافي والحضارى الذى لا يزال يشكو منه مجتمعنا التونسي الى أيامنا هذه .
فوزارة الثقافيه يمكن لها القيام بحملات هدفها توعية التونسيين بشخصيتهم واسس ثقافتهم وحضارتهم . وهذه الحملات يجب أن تمس كل طبقات الشعب التونسى وليس الفئة المثقفة وحدها وهناك فئة خاصة من بين المثقفين تستحق اكثر العون من محتوى مثل هذه الحملات ذات الطابع الثقافي والحضاري .
انى أقصد هنا ثلة مثقفينا من ذوى الثقافة الغربية والفرنسية خاصة .
إن التونسى الثقف بثقافة معظمها غربى يجب أن لا يلام اذا كان يشكو عدم رؤية واضحة مطمئنة حيال تراثه الثقافي والحضارى . إن هذا النوع من التونسى نلاقيه داخل المجتمع التونسي وخارجه وهو بذلك ليس بصورة خيالية ينسجها عقل الانسان . إن هذا الصنف يجهل كثيرا عن حضارته التونسية العربية الاسلامية فى حين أن له معرفة أوفر - خاصة عن طريق ثقافته المدرسية - للحضارة الغريبة .
وهذا التكوين الثقافي يؤدى فى كثير من الحالات الى مشاكل نفسية وسلوكات اجتماعية معبرة وعاكسة لنتائج ظاهرة مثل هذا الانقسام الحضارى الذي لم يعد نافذة تفتح على الخارج وإنما اصبح فعلا أداة انتحار حضارى يبلى بها هذا النوع من المثقفين وبالتالى المجتمع التونسى نفسه . ولقد لاحظت بنفسي هنا في شمال أمريكيا ما يمر به التونسى المثقف ثقافة فرنسية اذا هو اراد أن يؤكد انتسابه الى عناصر حضارته التونسية العربية الاسلامية .
انا اتحدث هنا عن جيلنا المثقف فى مدارسنا التونسية منذ الاستقلال . اني لاحظته يعاني من عدم قدرته على القراءة والفهم بسهولة باللسان العربى الفصيح . هذا فى حد ذاته لا بد ان تكون له انعكاسات نفسية ربما حادة فى شخصية مثل هذا التونسي المتطلع الى انتساب امتن الى حضارته وثقافته التونسية العربية الاسلامية وهو غريب خارج أرض الوطن .
ولقد حضرت اخيرا اجتماعا للمهاجرين التونسيين فى منريال . كان هدف هذا الاجتماع هو تأسيس ودادية أو ما يشبه ذلك لجمع شمل المهاجرين التونسيين فى كندا .
وكانت لغة التونسيين فى هذا اللقاء فرنسية فى معظمها رغم اقتراح البعض ( وهم الاقلية ) استعمال اللغة العامية التونسية او الفصحى فى المداولات والمناقشات لهذا الاجتماع . ومن التناقض ان يتكلم معظم الحاضرين عن اهمية الذاتية الحضارية للتونسيين بكندا دون أن يجعلوا العنصر اللغوى اهم عناصر الذاتية لاى مجتمع أو أى مجموعة إنسانية . وأهمية العنصر اللغوى بالمجتمع الكيباكى الحالى كان يمكن أن يلفت نظر هؤلاء التونسيين الى اهمية لغتهم في أى محاولة للمحافظة على الذاتية التونسية . وحتى إن أرادوا استعمال لغة تونس الدارجة أو العربية الفصحى فان معظمهم طبعا غير قادر على استعمالهما فى المناقشات التى كانت تحتوى على مفاهيم واصطلاحات لم يعرف معظم التونسيين الحاضرين مرادفات لها بالعربية الفصحى أو الدارجة . وهكذا فان بعضا من المتكلمين إعتذروا فعلا عن عدم مقدرتهم على أن يعبروا عما يريدون بالعربية الفصحى أو الدارجة فى مثل هذه المناقشات التى أثيرت في هذا الاجتماع . أما بعض الآخرين فلم يعتذروا عندما تكلموا بالفرنسية لان هذه الاخيرة ربما هى اللغة التى يعتبرونها لغة تونس العصرية ! وفي كلتا الحالتين فان سطوة الاستعمار الفكرى واللغوى الذي وقع تحت تأثيره كثير من التونسيين - خاصة من بين المثقفين - تبدو واضحة وجلية في المناخ الذي ساد كثيرا من ملامح هذا الاجتماع .
منابر قومية لأجل التاصيل :
إن وزارة الثقافة يمكن لها ان تقوم بحملات قومية فى كل انحاء الجمهورية وبين كل الاوساط الاجتماعيه التونسية . هدف هذه الحملات هو توعية التونسى بذاتيته الحضارية والثقافية واللغوية . وإن هذه الحملات يمكن شنها عن طريق اقامة المنابر والمناقشات حول قضية الاصالة الثقافية للمجتمع التونسى .
إن وسائل الاعلام من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون يمكن طبعا أن تساهم - على الاقل - فى طرح قضية الانتساب الحضارى والثقافي واللغوى للتونسيين ومجتمعهم .
ويمكن توسيع رقعة المواضيع المطروقة فى مثل هذه المنابر والمناقشات الشعبية . فقضية التعصر الذي يعيشه الغرب والشرق لا بد من طرحها للمناقشه فى اى محاولة لتأصيل المجتمع التونسي . إن كثيرا من أبنائنا وبناتنا يجدون انفسهم مقلدين لأوجه الحياة العصرية الغربية خاصة وهذه النزعه المقلدة تكاد أن تكون آلية أو شعورية . لأن التكوين الثقافي - كما اشرت - لكثير من التونسيين يجعلهم غير قادرين حتى على القيام بمقارنة ثقافية وحضارية ولغوية بين تراثهم التونسي والتراث الغربي الذي يقلدون مظاهره وانماطه عن غير بصيرة فى كثير من الحالات .
فنحن نعرف أن أنماط الحياة العصرية الغربية تهاجم وتنقد في عقر دارها خاصه فى الحقبات الاخيرة . وعلى المناقشات والمنابر الشعبية أن تتعرض إلى التحليلات والدراسات النقدية لاوجه الحضاره الغربية العصرية يمكن لها ان تساهم فى تقويم التصورات الخاطئة حيال تراثنا القومى خاصة لدى المثقفين الذين يشكون أكثر من غيرهم فى مجتمعنا التونسي من الاستعمار الثقافى .
إن نوعية المواطن التونسى - خاصة مثقفينا ذوى الثقافة الغربية - بملف الحضارة الغربية العصرية كما يراها وبحللها أبناء وبنات هذه الحضارة نفسها
لهى مساهمة في تقليل حدة دافع التقليد الأعمى الذى يلاحظه الملاحظ عند كثير منا ممن بلوا بالاستعمار الفكرى الغربى . إن ابراز الظواهر السلبية على المستوى الفردى والاجتماعي لأنماط الحياة العصرية الغربية واضحة لكل محلل للمشاكل التى يعيشها الغرب خاصة منذ الستينات .
ان ابراز الحقائق لكل التونسيين فيما يخص الحضارة الغربية المعاصرة نوع من التثقيف التأصيلى لابناء وبنات المجتمع التونسى الذين تغرهم مظاهر هذه الحضارة فيسقطون ضحية التقليد المخنق بسرعة وبدون مقاومة . إنه من الغريب أن يتحدث كثير من المثقفين والعلماء الاروبيين (13) عن الازمات التى تمر الحضارة الغربية ويستمر في نفس الوقت التقليد غير الواعي لنفس هذه الحضارة القلقة من قبل كثير من مواطنينا وفى نفس الوقت الذى نبرر فيه أسباب قلق وحيرة الحضارة الغربية المعاصرة لمواطنينا يجب ان نقدم لهم بالمقارنة المساهمات الانسانية والحضارية والثقافية للتراث العربى الاسلامى الذي كان يعامل الانسان وينظر اليه كوحدة لا يمكن تجزئتها الى قسيمات منفصلة ان نظرة الاسلام للانسان نظرة تأخذ بعين الاعتبار كل المظاهر للنفس الانسانية دينا وسياسة واقتصادا واخلاقا ... الخ ... (14) . ان التركيز على نظرة الاسلام للانسان يبرز عمق الاسباب التى أدت الى ازمات الحضارة الغربية كلما أكثرت هذه الاخيرة فى تقسيم الانسان ونشاطاته الى وحدات منفصلة . ونتحدث الآن فى الغرب القلق عن ضياع عنصر المبادئ أو القيم الثابتة التى يمكن أن يلجأ لها الفرد فى تفسير سلوكاته ونشاطاته . إن ضاع القيم الثابتة أو Les Points de Reference فى المجتمع الغربى المعاصر خلق تمزقات نفسية لدى الفرد تؤدى أحيانا إلى انتحارات فى مستهل الشباب وقد تؤدي أيضا الى انتفاضات جماعية رأينا عينات منها فى الهيبى Hippies والمتخنشن والمجموعات الاخرى التى اتخذت العنف سياسة لها فى هذا البناء الحضاري الغربي العصرى . ومجموعة Mein hoff فى المانيا الغربية مثل على الانتفاضات الجماعية العنفية فالحضارة الغربية .
ان مثل هذه المناقشات والمناير الشعبية - اذا كانت جادة - يمكن أن تحدث تغييرا في عقلية التونسي ونظرته الشخصية الى نفسه وحضارته وثقافته
ولغته . إن التونسى المنزوع من التكوين العربى الاسلامى لصالح التكوين الثقافى الغربى يصعب عليه أن ينظر الى نفسه بسهولة وارتياح على انه فرد ذو شخصية يجب أن تعتز بمكوناتها اللغوية والحضارية والثقافية .
إن التذبذب الذى يلاحظه الباحث فى الذاتية التونسية الحضارية والثقافية واللغوية لا بد أن يكون له علاقة حقيقية بطبيعة التكوين اللغوى والثقافى والحضارى الغرببى الذى تعرض له كثير من التونسيين دون أن يتعرضوا لنفس النصيب من اللغة والثقافة والحضارة التونسية .
إن الثورة الثقافية لا يمكن أن يتنبأ بها المرء فى مجتمعنا التونسي لأن الظروف الحالية - سياسيا واجتماعيا - لا تسمح لتونس كمجتمع أن تخوض بجدية فى مثل هذا التغيير الثقافى . لكن قضية الاستعمار الفكرى - فى نظرى - هي قضية سوف يزداد طرحها أكثر فأكثر خاصة من قبل الشعوب النامية فى المستقبل . فبعدما شهدته هذه الشعوب النامية من احتلال ، جاء الاستقلال السياسي لمعظمها . ثم تلا الاستقلال السياسي برامج النمو الاقتصادى . ثم جاءت حوادث اكتوبر 1973 فبعثت فكرة النظام الاقتصادى الجديد فى العالم le Nouvel Ordre conomique . وعبر كل هذه المراحل التى مرت بها البلاد النامية ظل طيف الاستعمار الثقافي مختفيا عن العيان بصف عامة . لكن هذا الطيف بدأ يصبح حقيقة لكثير من الشعوب النامية (15) التي لم تدرك أخطاره مثل كل ظواهر الاستعمار . بدأنا مثلا نتحدث عن تحرير ثقافة هذه الشعوب فى منطقتنا (16). أرجو أن يكون هذا الجهد التحرري الثقافى فى تونسنا جادا وذا نفس طويل يمكننا من الخروج من الاستعمار الثقافى المشين لشخصيتنا وذاتيتنا الحضارية والثقافية واللغوية . فالسؤال العمودى المطروح هو : إن تونس قادرة سياسيا واجتماعيا على أن تسن
الطرق وتقوم بالسياسات الشجاعة لكى تتخلص بحق من أخطار الاستعمار الثقافي ؟
ان ظاهرة الاستعمار الثقافي فيها تحديات شتى ومتشعبة تضاهى أو تفوق الصعوبات التى عاشها الشعب التونسي فى سبيل نيل استقلاله السياسى والرفع من مستوى حياته اقتصاديا واجتماعيا . هل لشعب تونس الشجاعة والسياسية المدروسة لازالة الصعوبات التى تقف دون نيلة الاستقلال الثقافى ؟ ان توعية المواطن التونسي بهذه الحقيقة : حقيقة وانعكاسات الاستعمار الثقافى فى المجتمع التونسي لخطوة مهمة فى طريق التخلص من قبضة الاستعمار الفكرى الخانق .
والخطوة الثانية هي إمداد التونسي بثقافة قومية لغويا وحضاريا وثقافيا بطريقة تفوق تكوينه الغربى على هذه المستويات الثلاثة .
والخطوة الثالثة هو جعل المحيط الخارجي متناسقا مع التكوين الثقافى ، اللغوي للناشيء التونسي خريج هذا النظام التربوى الجديد - المقترح فى هذا المقال - حيث يتقن أبناؤنا وبناتنا العربية قبل الفرنسية ويتعلمون ثقافتهم وحضارتهم قبل ثقافة الآخرين وحضارتهم .
