السيد امين مدني
- ٢ -
واذا نحن اردنا ان نعرف الطريق الذي وصلت منه اخبار الماضى البعيد الى جاهلية ما قبل الإسلام - فعلينا ان نرجع الى القرآن الكريم فانه ينير لنا معالم الطريق - فلقد قال تعالى على لسان شعيب يخاطب أهل مدين : ) ويا قوم لا يجرمنكم شقاقى ان يصيبكم مثل ما اصاب قوم نوح او قوم هود او قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ( . . ان هذه الآية الكريمة تعطينا الدليل الواضح على أن الذين سبقوا العصر الجاهلى الاخير كانوا يعرفون اخبار من سبقهم من امم البلاد العربية - فلو لم يكن اهل مدين يعلمون اخبار هاته الامم ومصير دولها لما كان لشعيب ان يوجه نظرهم الى شىء يجهلونه !
ان قوم نوح ، وقوم هود . وقوم صالح ، وقوم لوط وغيرهم من امم ما قبل المسيح عرفوا في التاريخ العربي بالامم البائدة
وبعض المؤرخين فهم الابادة بأنها ابادة عامة ، لم تبق ولم تذر من تلك الامم ديارا . . ولكن الذين تدبروا ما جاء فى القرآن الكريم عن نوح وقومه " ١ " ) حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول ومن امن وما امن معه الا قليل ( وعن هود وقومه ) ولما جاء امرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه ( وعن صالح وقومه : ) ولما جاء امرنا نجينا صالحا والذين امنوا معه " ٣ " ( - لا يخامرهم شك فى ان بقية من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح نجاهم الله مع انبيائه ويقول المفسرون والمؤرخون العرب ان ذرية نوح هي التي عمرت الارض بعد الطوفان وان عادا الثانية نسبت الى هود وان البقية من قوم صالح عاشت ذريتها
تحمل اسم ثمود الى ما بعد الميلاد .
وكذلك طسم وجديس وعبيل وجرهم والعماليق والمعانيون والسبأيون الخ لم تبتلعهم الارض عن بكرة ابيهم دفعة واحدة . وانما دولهم هي التى دالت وسلطانهم هو الذي زال فانصهرت البقية المغلوبة على أمرها فى الدول التى برزت بعدها فتبدل اسمها واختفت القابها فاسحة المجال لالقاب المبرزين الغالبين وهكذا سنة الحياة لكل زمان دولة ورجال .
فلا بد أن يكون حديث الآباء للأبناء عن ماضيهم مستفيضا ولا بد أن تحتفظ الاسر التى خسرت مكانتها ونفوذها - بآثار مجدها . وان هي هاجرت من وطن الى اخر فلا بد انها تحمل معها كنزها الثمين من آثار وذكريات . ولا بد أن يحتفظ كل جيل بهاتيك الذكريات العزيزة عليه . ولابد ان يكون شعراؤه يتغنون بماضيهم العزيز ويندبون مجدهم الدفين كما ظل العرب يتغنون بمجد الامبراطورية العربية والإسلامية ويندبون المجد العربي مدى ثلاثة عشر قرنا .
ولا بد مع مرور الزمن ان يدخل على الاخبار خيال الرواة وتصورات الشعراء . . ومما لا شك فيه ان الخيال يتطور مع المدارك واتساع الآفاق ، وان تصورات الشاعر تنطبع بما يحيط بالشاعر من الوان الحياة واحداث الزمن فلا يبعد مع هذه الاحتمالات ان تكون اخبار العرب وصلت الى عصر قريش عن هذا الطريق الطويل محشوة بتصورات الاجيال وما تأثرت به من جراء احتكاكها بمختلف العقليات والمدارك في ارض الواديين : الفرات والنيل - وفي سورية وفلسطين واليمن وشواطئ الخليج العربي
وعن هذا الطريق الطويل حدثنا :
) صاعد ( في طبقاته عن ابي محمد الهمداني الذي يقول : ) لبس يوصل إلى خبر من اخبار العجم والعرب الا بالعرب ومنهم وذلك ان من سكن بمكة من العمالق وجرهم وآل الصيدع بن هون وخزاعة احاطوا بعلم العرب العاربة والفراعنة العاتية واخبار أهل الكتاب وكانوا يدخلون البلاد للتجارة فيعرفون اخبار الناس . وكذلك من سكن الحيرة وجاور الاعاجم من عهد أسعد كرب وبخت نصر حووا علم الاعاجم واخبارهم وايام حمير وسيرها فى البلاد وعنهم صار اكثر ما رواه عبيد ابن شرية ومحمد بن السائب الكلبي والهيتم بن عدى . . وكذلك من وقع بالشام من مشايخ غسان خبير باخبار الروم وبني اسرائيل واليونان ومن وقع بالبحرين من ننوخ واياد فعنه انت اخبار طسم وجديس ومن وقع من ولد نصر بن الازد بعمان فعنه اتى كثير من اخبار السند والهند وشئ من اخبار فارس . ومن وقع بجبل طى فعنه اتت اخبار آل أذينة والجرامقة ومن سكن باليمن فانه علم اخبار الامم جميعا لانه كان فى دار مملكة حمير والعرب اصحاب حفظ ورواية "١ ( .
واني لافترض بجانب ما نقله صاعد عن الهمدانى وما نقله الطبرى عن ابن هشام وبناء على ما قاله المؤرخون عن الخط المسند وانه كان معروفا عند علماء العرب الى عصر ابى محمد الهمداني المتوفى سنة ٣٢٤ ه " ٢ ، وبناء على ما قاله المؤرخون عن وهب بن منبه وانه قرا كتابة يونانية من عهد
سليمان ظهرت على حائط مسجد دمشق في عهد الوليد ٣ ، انني افترض بناء على هذا كله : انه ليس من المستبعد ان يكون الخط المسماري معروفا عند بعض الجاهليين كما كان الخط المسند معروفا عند علماء العرب بعد الاسلام وكما كان يوجد بين علماء العرب في عهد بني امية من يقرأ خطا يونانيا يرجع تاريخه الى عهد سليمان لا يبعد ان يكون فى عهد قريش من كان يقرأ الخط المسمارى لا سيما وقد مر بنا ان بعض الجاهليين نهضت به الرغبة فى توسعة الاطلاع الى اجادة اللغات السريانية واليهودية والفارسية بجانب اللغة العربية
وافترض شيئا آخر وهو انه اذا كان في العصر الجاهلى الثاني اناس لم تقف هممهم عند تعلم الكتابة العربية بل تجاوزتها الى تعلم السريانية او العبرية أو الفارسية - فانه لا يبعد أن يكون فى العصر الجاهلى الاول من يحسن الكتابة والقراءة بلغات السوموريين وغيرهم من امم تلك العهود البعيدة ويفهم مختلف اللهجات السامية فينيقية وفرعونية وارمية . وانى لاعتمد فى افتراضي هذا على تعاطي العرب التجارة منذ عرف الانسان كيف يتعاطى التجارة . . فالمصالح التجارية تقتضى التفاهم والتسجيل . . والمصالح التجارية كانت تربط جميع سكان البلاد العربية : عمالقة ، وارميين وفينيقيين - فى العراق ومصر وسورية وعاديين وجرهمين وثموديين ومعانيين وحضرميين وسبأيين فى الحجاز واليمن ونجد
ولقد تحدث بعض المستشرقيين عن التبادل المادي والروحى بين سكان البلاد العربية التى شاركت وما زالت تشارك فى
ملخص ما نشر
ان العرب في جاهليتهم كانوا يعرفون اشياء عن الحضارات التي عاصرتهم ولم يكونوا جهلاء جهلا عميقا بما يدور حولهم وفي عالم ما قبل الاسلام . وكان لهم في الحيرة كتاتيب تعلم الكتابة والقراءة العربية . وقريش اخذت الكتابة من اهل الحيرة . وقد يكون بعض قريش بعثوا ابناءهم الى مدارس الحيرة ! او غيرهم ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المبتعثين مطلقا . كما انه ليس للعرب في جاهليتهم ثقافة مركزه . ولم يكن كل العرب اميين وكانت الطائف تزخر بالقراء الكتاب . ومن العرب في جاهليتهم من يجيدون العبرية والسريانية والفارسية الى جانب العربية . ومعنى الامية التى وصفهم ) بها القرآن المجيد عدم تنزيل كتاب عليهم . . وقد كان في قريش والمدينة المنورة اناس يكتبون ويقرؤون . . وتقاس امية العرب في جاهليتهم بما شوهد في اواخر العهد العثمانى من شبه انعدام الكتابة والقراءة في بادية الاقطار العربية . وفي التاريخ العربي القديم نجد الكتابة والقراءة في جاهلية العرب قبل المسيح لدى المعانيين واللحياليين والثموديين والصفويين بشمال الحجاز . والعرب في جاهليتهم الاولى والثانية كانوا يهتمون بتسجيل حوادث الحياة . ومن ذلك تدوين اخبارهم وانسابهم . وقد وضعت مؤلفات فارسية في التاريخ كانت الحيرة تحتفظ بها ترجم بعضها الى العربية قبل الاسلام وبعد الاسلام . . وكانت لعاد ونبيهم هود ولثمود ونبيهم صالح الذين لم تذكرهم التوراة شهرة عند عرب الجاهلية والإسلام لا تقل عن شهرة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام . . والندوات الجاهلية حول الشعر واخبار الشعراء ومغازي العرب والشؤون التجارية والاجتماعية دليل على اهتمامهم بالاخبار والتاريخ . واذن فعلينا ان نعرف الطريق الذي وصلت منه اخبار الامم البائدة الى عرب الجاهلية ومن اين عرفوا انباء عاد وثمود .
الحياة البشرية وبين إيران ومصر وحوض البحر الابيض المتوسط والهند وافريقية وقالوا : ان عمق هذا الاتصال من اقدم الازمان وان استمراره إلى العصر الحاضر اوهم بعض المؤرخين الكلاسكيين فاعتنقوا النظريات التى شاعت بين اليونانيين فى بعض العصور والتى تقول بوجود اصل دموى بين بعض القبائل العربية واليونانية .
فكما ان التبادل المادي والاحتكاك الفكرى اللذين استمرا طويلا بين العرب والفرس دفع بعض العرب الى دراسة اللغة الفارسية وادخل الى اللغة العربية كثيرا من الكلمات الفارسية فان للأسواق التجارية التى كانت من عهد عاد وثمود والعماليق الاقدمين وان لاحتكاك الثموديين والمعانيين بسكان سورية وفلسطين ومصر - اثرا كبيرا في حياة المصريين والسوريين . . لا ينقص عن الاثر الذى احدثه احتكاك الارميين بالسوريين ، والذي كشفت عنه آثار الحمورابيين فى بابل والآشوريين فى نينوى
وكما نقلت اخبار الفرس من الحيرة الى مكة فى عهد قريش نقلت اخبار الدول العربية الى مكة فى عهد جرهم وخزاعة وكما تعانقت ثقافة الامم العربية وافكارها وقضاياها فى الزمن الحاضر تعانقت ثقافة الامم العربية وافكارها وقضاياها فى الزمن البعيد .
هكذا تجمع القصص التاريخي الجاهلى وهكذا صيغت اساطير الجاهليين والفت نوادر الاخبار عن سير الماضين ، مختلطة المصادر ، مختلطة الاخيلة ، مختلطة الثقافة ، عربية فارسية اسرائيلية يونانية .
٤
الآن وقد اقتنعنا بان العرب لم يكن جميعهم اميين لا يقرأون ولا يكتبون . .
واقتنعنا بان العرب قبل الاسلام كانوا يهتمون بالتاريخ ويحرصون على معرفة انباء من سبق من الدول التى قامت على ارض البلاد العربية وعرفنا الطريق الذي وصلت منه اخبار الجاهلية البائدة الى جاهلية ما قبل الإسلام وبعد هذا كله علينا ان نبحث عن مصير المخطوطات الجاهلية وما هى الصورة التى رسمها العرب الجاهليون لدول البلاد العربية في ماضيها البعيد
وجدير بنا إذا اردنا ان نعرف مصير ما دون فى العهد الجاهلى ان نرجع الى البحوث التى عنيت بموقف المسلمين من مدونات العصر الجاهلي . . ومن اهم البحوث التى تعرضت للمدونات الجاهلية ومصيرها بعد الاسلام ، بحث نشرته مجلة الابحاث فى جزئها الثاني ناقش ما قاله نبيه امين فارس فى مقدمة الجزء الثامن من كتاب الا كليل عن اتجاه رغبة الاسلام الرسمية لاستئصال كل ما يمت الى الجاهلية بصلة وان حديث ) الاسلام يجب ما قبله ( دفع المسلمين الى طمس آثار كل شئ يتفرع عن النظام القديم غير مميزين بين ما يتعلق منه بالوثنية والانصاب والإصنام وبين ما يتعلق بالحالة العامة كالثقافة والادب والتاريخ فكان من نتاج ذلك ذهاب اخبار الجاهلية .
ولقد اتخذ جواد على هذا البحث اساسا لكلامه عن المدونات الجاهلية فرد " ١ " على الذين يقولون ان المسلمين فهموا من الحديث : الإسلام يجب ما قبله - انه امر يقضى باعدام كل اثر جاهلى : - بان القرآن والاحاديث ذكر اخبارا عن الجاهلية
واصنامها وان كتب السيرة لم تجد حرجا في ذكر اخبار الجاهليين ، ورجع الى أصل الحديث فى صحيح مسلم وبين غرضه الذي يبعد كل البعد عن هذا الفهم ، وبناء على ذلك رجح جواد ان اخبار الجاهلية قد طمست في ايام الجاهلية وان ما كان العرب يعلمونه عند ظهور الاسلام لا يتجاوز عمره قرنا او قرنا ونصف قرن . ويبرر ترجيحه بقوله : ) انه لا يعقل ان تطمس اخبار الجاهلية وينمحى تاريخها من الذاكرة بمثل هذه السرعة لو كان للجاهليين تاريخ مضبوط الى ظهور الاسلام ( .
وكذلك من اهم البحوث التي تعرضت للمدونات الجاهلية فصول عقدها ناصر الدين الاسد فى كتابه ) مصادر الشعر الجاهلى ( ذكر فيها كثيرا من الروايات التى تحدثت عما فعله المسلمون ببعض المدونات الجاهلية .
فعلى ما فى نقاش البحوث المتاخرة من تحقيق ونقد وادلة يطول بنا البحث ان نحن استعرضناها - فان مما لا سبيل الى نكرانه : ان المسلمين اهتموا بالقرآن الكريم وان قادة المسلمين خافوا على الدهماء ان يضللهم المنافقون والذين فى قلوبهم مرض بالمخطوطات الجاهلية المليئة ، بالافك والاساطير وتصورات الجاهلية وان بالافك والاساطير وتصورات الجاهلية وان ذلك الاهتمام وهذا الخوف كانا عاملين اساسيين دفعا المسلمين لاعدام الكثير من المدونات الجاهلية فلم يرتح قادة المسلمين الا بعد ان جمع القران وحفظ .
وان مما لا سبيل الى نكرانه ايضا : اننا لم نسمع بوجود تاريخ مضبوط لعرب ما قبل الاسلام . . وانما سمعنا ان الجاهليين كانوا يعرفون اخبار دول الجاهلية البائدة وشيئا من تاريخ الفرس والرومان . وان مما أكده البحث عن الطريق الذى وصل منه
تاريخ الامم الغابرة الى عرب جاهلية ما قبل الاسلام : ان هناك اخبارا مسطورة كان بعض العرب يحتفظ بها وان افرادا من ذلك البعض كان يتحدث بما سطره من اخبار الماضيين ذكرهم مؤرخو الاسلام بالمناسبة كالنضر بن الحارث . . أما الذين لم يكن هناك داع لذكرهم في تاريخ الاسلام فقد اهملوا فلم يعرفوا ولم يعرف ما كانوا يحتفظون به .
وكذلك بين لنا البحث عن الطريق الذي وصل منه تاريخ الماضي الجاهلي البعيد الى العرب الذين شهدوا شروق الاسلام ، ان الاخبار عن الماضى وصلت الى عصر قريش مشوبة باخيلة مزيج : عربية واسرائيلية وفارسية ويونانية وحبشية نتيجة لاختلاط هاته الامم بالعرب وتبادل المصالح بينها وبين العرب .
ولقد رايت ابان جولتى التفتيشية على منطقة جازان سنة ١٣٦١ ه في قرية من قرى جازان بلغ بها الجبل الى حد جعلها لا تعرف شيئا غير حوادث القرية الثقافية ولوازم الحقول البدائية وبلغ بها الانزواء الى حد جعلها لا تعرف شيئا عن الحرب العالمية آنذاك - رأيت في هذه القرية خزانة كتب يمتلكها قاضيها ولمست في صاحب هذه الخزانة معرفة بالتاريخ والادب ولو لم يؤكد لي رفاقي الجازانيون انه ابن هذه القرية النائمة فى سهول تهامة ، وانه لم يتخط حدود اليمن والمملكة العربية السعودية - لقلت انه خريج احدى الجامعات الاسلامية الكبرى . .
فذلك الذي ظهر لنا من البحث عن الطريق الذى وصلت منه انباء الماضي لجاهلية ما قبل الإسلام وهذا الذى شاهدته فى قرية من قرى تهامة التى عاشت طويلا فى غيابة الجهل - يجعلني لا اعتقد بأن أخبار دول العهد الاول للبلاد العربية
طمست في ايام الجاهلية وان البلاد العربية على اتساعها هي خلو من الكتب المدونة . وان العرب عند ظهور الاسلام لا يعرفون قليلا ولا كثيرا من اخبار الماضي البعيد " ١ " كما يقول جواد على - فجواد على نفسه يقول : ان العرب كانوا يعرفون اخبار عاد وثمود وغيرهما من امم الماضى البعيد - مستدلا بالقصص القرآني الذي ذكر وحذر بما كانت عليه دول الماضي وما حل بها . وقبل جواد على - قال الهمدانى وقال ابن جرير : ان العرب كانوا يعرفون الشئ الكثير عن عاد ومن عاصر عادا من الدول البائدة وقال ياقوت الحموى عندما نقد تقويم بطليموس : انه اعتمد على رواية العرب - فاقوال هؤلاء الأعلام القدامى تؤكد اهتمام الأجيال العربية بمعرفة بلادها وسكانها الاقدمين . . وتؤكد تحقيقات المؤرخين ان الاعتداء الحبشي على مكة كان درسا قاسيا بعث الوعى السياسي واظهر لقريش خطأها فى جهودها في الناحية التجارية فاخذت من ثمة تهتم بالناحية السياسية . والاهتمام بالناحية السياسية يدفع إلى معرفة الوضع الدولى . . والاندفاع وراء معرفة الوضع الدولى يسوق الى معرفة الاسباب التى قامت عليها الاوضاع الدولية ولا تتاتى معرفة الاسباب ما لم يتوغل البحث في معرفة مهياتها والأحداث التى اوجدتها . . فلذلك كان على قريش ان تضيف الى اهتمامها بالتاريخ العربي العناية بالتاريخ الدولي العام فجمع النضر وغيره شيئا من التاريخ الدولى وجعلوا يتحدثون عنه في اندية مكة ، ولقد كشف لنا جدل
ابي بكر مع قريش ورهانه على ان الروم من بعد غلبهم سيغلبون ، عن مدى اهتمام العرب بالشؤون الدولية ومبلغ فهمهم للاحداث وما يترتب عليها .
فاذا كانت اخبار الماضين الذين سبقوا ظهور الاسلام بمائتى سنة قد طمست فمن أين جاء المؤرخون بأخبار عاد ووفدها واخبار ثمود وزعماء المعارضين لرسالة صالح واخبار العماليق وجرهم الاولى وعاد الثانية وطسم وجديس والخ . . فان مما جاء فى التاريخ العربي عن الجاهلية البعيدة ما لم يرد في المصادر الاسرائيلية ولا فى المصادر اليونانية .
اننى لا انكر كما قلت انفا ان كثيرا من المدونات الجاهلية قد اتلفت في فجر الاسلام للأسباب التى مرت بنا - فلقد تحدث ) خالد بن عرفطة ( بما فعله عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالقيسي الذي نسخ كتاب ) دانيال ( . . وكيف أمر عمر بمحو الكتاب بالحميم والصوف الإبيض ، وتحدث ) مرة ( بما فعله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالكتاب الذي جاء به اليه ) ابن قرة ( من الشام وكيف انه دعا بطست فيه ماء فملئه ثم محاه قائلا : انما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم . . فلا شك ان عملا يفعله هذان العلمان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود لا بد ان يكون له اثره الكبير في نفوس المسلمين ولا بد ان يكون كثير من المسلمين اقتدى بهما
بيد أن هذا الذي فعله ابن الخطاب وابن مسعود ليس هو امرا بابادة كل مخطوط جاهلى مهما كان موضوعه لان هناك حديث مجلة لقمان التى حملها سويد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والتى قال
عنها النبي صلى الله عليه وسلم ) ١ ( : ) ان هذا الكلام حسن والذى معي افضل من هذا قرآن انزله الله تعالى على هو هدى ونور ( فهذا الحديث يدحض قول كل من اتهم المسلمين بابادة ثقافة ما قبل الاسلام . . فليس في التشريع الاسلامى نص صريح بوجوب ابادة الكتب غير الاسلامية - عربية كانت أو غير عربية ، بل الاسلام أمر بوجوب الاستفادة من العلوم حيث وجدت .
ولقد اتخذ بعض المستشرقين من قصتي عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود سلما لنقد الاسلام واتهام العرب بحرق مكتبة الإسكندرية عندما فتح عمرو بن العاص
مصر ، ولقد رد على هذا الاتهام كثير منهم مستشرقون مثل ) رينان ( الفرنساوي الذي لم يستسغ زعم الذين يقولون بان العرب اشعلوا النار في مكتبة الإسكندرية بامر عمر بن الخطاب
أجل ! لو كان هناك امر يقضي باتلاف كل ما كتب قبل الاسلام واعتباره باطلا لا يصح الاحتفاظ به لما جسر علماء التفسير واعلام التاريخ على ذكر الروايات الاسرائيلية والاعتماد على المصادر اليونانية والفارسية ولما امر خليفة من الخلفاء ان تترجم المؤلفات اليونانية فلسفية وعلمية وتاريخية .
فالذى فعله ابن الخطاب وابن مسعود بالامس تفعله اليوم وتفعله غدا " مراقبة المطبوعات " في كل دولة من دول العصر الحاضر حرصا على اخلاق المجتمع وعقائده ومبادئه . . فهل يعتبر ما تفعله مراقبة المطبوعات بالكتب المناقضة للمبادئ والاخلاق تشريعا للدولة يقضي باتلاف كل ثقافة اجنبية او فكرة جديدة ؟ فاذا كان عمر بن الخطاب
اتلف كتاب دانيال فدانيال عرف بتنبؤاته والاسلام يحارب التنبؤات فقد ورد فيه : ) لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير ، فالله وحده هو الذي يعلم غيب السموات والأرض
وكذلك مما لا سبيل الى نكرانه ان المسلمين حصروا اهتمامهم . بتاريخ الاسلام وكل ما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بالبلد الذي اقام ابراهيم واسماعيل عليهما السلام دعائم البيت على ارضه وبالبلد الذي تشرف بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم اما غير ذلك فلا يتحدث عنه المؤرخ الاسلامي الا بالمامة اذا ماساقه البحث عن التاريخ الاسلامى الى موضوع جاهلى
واهتمام الرعيل الاول من المسلمين بالقرآن وتشريعاته جعل بعض المستشرقين ) ١ ( يقول بان الدراسات التاريخية لم تكن محمودة عند العلماء مستشهدا بقصة ابن اسحاق عندما سأل احد المشتغلين بالتاريخ مستهزئا : من كان يحمل لواء جالوت ؟ وبان النووى عاب على ابن عبد البر تضمينه مؤلفاته اخبار المؤرخين . ولكن ما يقوله المستشرقون عن الدراسات التاريخية فى فجر الاسلام - على ما فيه من أدلة صريحة - لا يعنى ان المسلمين جميعهم كانوا على هذا الاعتقاد فالإمر لا يعدو أن يكون اعتزازا بالدراسات الاسلامية فابن اسحاق والنووي لاينكر ان فضل ابن عباس الذي اهتم بالتاريخ الجاهلى فكان مرجعا يرجع اليه في معرفة اخبار الماضى وسير الامم .
بيد أن كل هذه الاعتبارات التى اضطرنا البحث عن مصير المخطوطات الجاهلية
لذكرها لا يجعلنا نحكم بفناء جميع ما كان يحتفظ به العرب من مخطوطات في فجر الاسلام . . فاذا كان من المحتمل أن يحتذي الكثيرون بما فعله عمر بن الخطاب وعبدالله ابن مسعود . واذا كان من المحتمل ان يزهد انصراف المسلمين الى دراسة القرآن وفهم تشريعاته والى سيرة صاحب الرسالة وتدوين مغازية - الناس في كل ما هو غير اسلامي ، فان من المحتمل ايضا ان يتروى البعض وينظر الى الموضوع بعين البصيرة فلا يتعجل باتلاف ما لا يستحق الاتلاف من تلك المخطوطات ولا ينصرف عن سماع وتدوين ما يصل اليه من اخبار الجاهلية وان من المحتمل أن تنزوي بعض المخطوطات عن الصراع الذي احتدم بين المدينة وسائر البلاد العربية ، منها المؤلفات التى كانت تحتفظ بها الحيرة ، وان من المحتمل ان يحفظ البعض بما يثبت ماضيه وما كان له فيه من سؤدد منهم عبد الله بن شرية الذي اتاح له معاوية بن ابي سفيان ان يتحدث عن اخبار ما قبل الاسلام ويشيد بما كان لجرهم من مكانة فى قلب البلاد العربية . ومن المحتمل ان يكون ابن هشام وابن البرقي وابن منبه وغيرهم اعتمدوا في كثير من رواياتهم على ما يحتفظ به امثال ابن شرية
ولا غرو ان وجد مؤرخو العرب انفسهم مضطرين الى جمع الروايات العربية وتكلفوا لذلك الصعاب خدمة للتاريخ ، فجهود مضنية الجهود التى تداركت ما يمكن تداركه من اخبار الماضى الجاهلى ، وجهود موفقة الجهود التى لم تحرمنا من الصورة التى رسمتها اساطير الجاهلية لتاريخ الدول البائدة والتى نرى منها صورا فيما جمعه هؤلاء من اخبار عاد وثمود وجرهم والعمالقة
ونرى فيها الوانا من الخيال الاسرائيلي الملىء بخوارق المعجزات ، ومن الخيال الفارسي الذي يصور الماضي عمالقة غلاظا يعمرون مئات الاعوام
فالذى يطلع على اخبار عبيد الله بن شرية يلاحظ تعليق السيد زين العابدين الموسوى مصحح دائرة المعارف الحيدرابادية - على ما قاله احد المستشرقين ) كرنكو ( ان الجامع لهذا الكتاب هو ابن هشام بانيا استنتاجه على ماجاء في النسخة الاصلية حدثنا عبد الله بن شرية عن البرقي - فالبرقى تلميذ ابن هشام مؤلف التيجان - فلقد علق السيد الموسوي على هذا الاستنتاج مصححا الرواية ) حديث ابن شرية عن البرقي ( ) ١ (
والذي يطلع على اخبار ابن شرية يجد فيها القصص الشعبى المتأثر بالاسرائيليات كما يقول جواد على ) ٢ ( ويجد فيها ادعاء ابن شرية بانه ادرك عامة ملوك حمير ولخم وكندة وغسان . وادعاء كهذا يرجح لنا الظن بأن ابن شرية كان يحتفظ بمدونات العصر الجاهلى - على تصديق قول ابن شرية : انه ادرك كل اولئك الملوك ، ويرجح لنا احتمالا آخر وهو ان ابن شرية لم يظهر ما يحتفظ به من مخطوطات حرصا على مكانته لدى معاوية
والذي يطلع على اخبار ابن شرية يجد فيها اعتزاز الجرهمى بالماضى الجرهمى القديم ظاهرا في قوله : ) انما كانت مضر بالامس ، وكانت اليمن وملكت ما ملكت ولم يكن مضر ولا معد ولا عدنان ولا اسماعيل انما اليمن من ولد هود - يا معاوية ! انت تعلم
وغيرك يعلم من اولى العلم ان العرب العاربة هى عاد وثمود وطسم وجديس وارم والعماليق وجرهم وقحطان بن هود فهم كانوا اوائل الناس منهم يعرب الذي تكلم العربية واليه تنسب العربية ) ١ ( فاعتزاز مثل هذا لا محل له بعد ظهور الاسلام الذي قضى على نعرة الجاهلية وان تحدث به احد فلا يجد مستمعا له فقد شغل الخطباء والشعراء بانساب قريش واخبار قريش التى زادها الاسلام عزة ومجدا وبانساب الانصار واخبار الانصار التى كان لها القدح المعلى فى نصرة الاسلام .
والذي يطلع على اخبار عبيد الله بن شرية واخبار ابن منبه فى كتاب التيجان يجد فيهما صورة واضحة للقصص الجاهلى المتأثر بالاخيلة التى تسلطت على العقلية الجاهلية وحددت فهمها لتاريخ شعوب الماضي ويجد فيها نموذجا لنوع التاريخ الذي كان العرب يتداولونه في جاهليتهم ، وللفكرة التى كانوا يحملونها لدول العرب البائدة . .
وهذه الصور والنماذج هي التى جعلت المستشرقين يقولون في دائرة المعارف الاسلامية ) ٢ ( :
وما صنفه الاثنان وهب بن منبه وعبيد ابن شرية دليل واف على ان العرب الاقدمين كان ينقصهم في تدوين التاريخ قوة الابداع والنفوذ الى الحقائق حتى في اخص ما يتصل منها بحوادث عصرهم
وبعد فاذا كانت مدونات الجاهلية لم تصل الينا عينا فلقد وصلت الينا صورها عن طريق ابن شرية وابن هشام وابن منبه وغيرهم من الذين سبقوا الى تدوين اخبار العرب البائدة ودول الزمن القديم وجمعوا الى جانبها اخبار الجاهلية الثانية وإيامها . وان على المؤوخ الذي يحاول ان يرجع الى مصادر التاريخ العربي عند العرب قبل الأسلام ان يوطن نفسه على الصبر والاناة ويتلمس الوثائق التاريخية في الاخبار القصيرة والكلمات العابرة التى يجر اليها البحث في التاريخ الاسلامى وفي الادب الجاهلى واخبار شعراء الجاهلية . وعليه ان يجرد الروايات التى يطلع عليها من الخيال ويستخلص الحقائق التاريخية من الاساطير التى دست فيها . . وانه لعمر الحق امر جد عسير
" تم البحث .

