كل بلد فى العالم له ما قبل تاريخ وله تاريخ ، والفترة الاولى أطول فى العالم كله من الثانية وأطول فى بعض القارات والبلدان من بعض فقد انتهت فى مصر قبل اوربا وانتهت فى اوربا قبل بقية القارة الافريقية وانتهت فى افريقيا قبل امريكا ولكنها ( اعنى فترة ماقبل التاريخ ) ظلت قائمة فى بعض البلدان ، وخصوصا من القارة الافريقية ، حتى القرن الماضى . وفى هذه الفترة خلف الانسان فى بعض الاحيان أشياء تدل عليه وتصف فى أغلب الحالات ظروف ووسائل حياته .
أما فترة التاريخ فهي التى قدر للانسان فيها ان يدون ما يحدث له متدرجا من الحوادث البسيطة ، وبالوسائل الرمزية ، الى تسجيل الاحداث
العناصر التى تمكن من معرفة التاريخ الموريتانى :
توجد فى أنحاء كثيرة من الجمهورية الاسلامية الموريتانية عدة آثار تدل دلالة قطعية على أن الانسان البدائى عاش هناك منذ آلاف السنين ، ومن هذه الاثار ادوات نحتت من الحجارة واستعملت آنذاك فى المنازل ، وفى مختلف مظاهر الحياة اليومية للانسان ، ومن هذه الادوات الحجرية ما هو مكيف فقط. ومنها ما هو مهذب مما يدل على وجود الانسان فى موريتانيا ، أثناء مراحل العصر الحجرى كلها . وكثيرا ما نلتقى اليوم بمثل تلك الادوات ملقاة على الطرقات دون أن تثير اهتمامنا وخصوصا فى المناطق الموريتانية التى توجد بها الحجارة، وأذكر من ذلك على سبيل المثال ما تطلق عليه العامه (( كويديم الذئب )) أى (( قادوم الذئب )) وهى على شكل (( قادوم )) مهذب من الحجارة كان الانسان يستعملها للقطع ونحوه ، ومن ذلك ايضا (( آدكى )) وهو اناء مصنوع من
الحجارة و (( الباروكة )) وهى كرة حجرية مهذبة فى مهارة عجيبة قد تكون تستعمل للرمى بوسيلة ما ، ومن نوعها - الا انه اكبر واقل تهذيبا - ما يوجد فى آثار الرومان بتونس وفى آثار غيرهم من الامم البائدة فى البلدان الاخرى ، وكان يستعمل كقذائف للمجانيق ، وقد جمع من مثل هذه الادوات الشىء الكثير فى مختلف المناطق الموريتانية الا انه كان ينقل اثناء الاحتلال الى المعهد الفرنسى لافريقيا السوداء الموجود حاليا فى داكار . ( IFAN )
ومن الاثار القديمة ايضا تلك المسلات او الحجارة ذوات الشكل الطويل التى نجدها مقامة فى أماكن مختلفة من البلاد وخصوصا فى (( تجريت )) وأماكن من ((زمور)) وفى (( المغادر )) بالقرب من شنڤيط ، وفى تكانت من نواحى كيو ، وفى غيرها . ويختلف الاثريون فى الاغراض التى نصبت من اجلها هذه الحجارة فلعل منها ما هو معبود لقوم وما هو تعريف لقبر سيد .. او تعريف لمكان مهم من الارض او تذكار لمناسبة من المناسبات الهامة .. ومن الاثار القديمة ايضا بعض النقوش التى توجد فى أماكن متعددة من البلاد . وقد وقعت بنفسى على بعض هذه النقوش فى جبال آدرار بالقرب من الطريق التى تصل أطار بشنڤيط ، وشاهدت صورا لحيوانات مختلفة من بينها الزرافة والفيل ، كما وقفت ايضا على نقوش اخرى (( بتلبه )) من ضواحى (( وادان )) ، وفى هذه النقوش صور لعربات تجرها الخيول ، وصور لبعض الحيوانات الاخرى كما توجد الى جانب النقوش المذكورة رموز استعصى على حلها .
والى جانب ما تقدم توجد آثار الجدران والقبور القديمة والكهوف المنحوتة فى الجبال ، ومن أعجب ما اطلعت عليه كهف فى المكان المسمى (( تبرجيت )) نمير بعيد من مدينة اطار وهو آية فى الروعة والجمال . وهذا الذى ذكرته قليل من كثير .
نمط الحياة عند الموريتانيين الاوائل :
من الصعب تكييف الحياة عند الموريتانيين الاوائل ويمكن القول بانها لم تكن تختلف كثيرا عن نمط الحياة عند الانسان البدائى فى المراحل الاولى ثم اصبحت نوعا آخر من الحياة تتلاءم وبيئة البلاد . ولا يمكننى القول بان البلاد قد عرفت درجة مهمة من الحضارة ولا انها عرفت الازدهار التام فى عهودها المبكرة الا اننى استطيع التأكيد بان موريتانيا سبق لها ان عرفت ضروبا من الحياة لم يصل اليها الانسان فى بعض النواحى الاخرى من المعمورة الا بعد أمد طويل ، فالنقوش الموجودة والتى ترجع فى تاريخها ، ولا شك ، الى
ما قبل الاسلام بقرون عديدة تنبئ ان اهل هذه البلاد قد عرفوا العربات التى تجرها الخيول ، وعرفوا استعمال كثير من الادوات التى تستعمل فى الفلاحة والصيد والحروب كما أن تلك النقوش تدلنا من جهة اخرى على أن البلاد قد عرفت ظروفا اقل قساوة من الظروف الطبيعية الحالية وان البلاد كانت أكثر خصبا، فمثلا تمثل النقوش الموجودة فى شمالى البلاد صورا للزافة والفيل والمعلوم ان هذين الحيوانين وخصوصا الفيلة لا تسكن الا فى بلاد الخصب الكبير ، وارجو ان لا نكون قد ابتعدنا عن الموضوع بحيث أن الذى يهمنا الان هو الالمام فقط ببعض العناصر التى يمكن أن يعتمد عليها الباحث لجمع شتات التاريخ الموريتانى .
دور الرواية الشفهية والاساطير فى التاريخ الموريتانى
للرواية الشفهية والاساطير دور مهم فى حفظ التاريخ ليس فى موريتانيا فحسب بل حتى فى جميع بلدان العالم بما فيها تلك التى سجلت أحداثها منذ عشرات القرون . الا ان هذا الدور لا يمكن ان يظل مهما الى الابد فالرواية الشفهية لا تستطيع ان تستمر ردحا طويلا من الزمن بدون ان يدخلها التناقض و الخلط والاضطراب . والاساطير بدورها فقد تدل الباحث على جوانب مهمه من التاريخ ولا يقبل ان تكون هى نفسها تاريخا .. وبالرغم من هذا كله فان الرواية لا تزال مصدرا لكثير من الاحداث التى مرت بها البلاد الموريتانية ، الا ان الوقت قد حان لمراجعة تلك الروايات وتدوين المهم والاعراض عن غير المهم كما يجب التشهير بالفاسد المدلس للحقائق والعمل على محوه وانتزاعه من أفكار الناس باحلال الحقيقة مكانه ، واضرب مثلا لذلك فكل من لم تتح له معرفة التاريخ المكتوب - اذا سئل عمن فتح موريتانيا وادخل اليها الاسلام ، يقول على البديهة : (( ببكر بن عامر )) رجل جاء من المغرب ودوخ البلاد وحمل اهلها على اعتناق الديانة الاسلامية . وهذا اكبر خطأ وافدحه حتى ان بعض الذين قيدوا بعض النبذ من تاريخ البلاد اتخذوا من هذه الرواية المغلوطة قاعدة بنوا عليها ما كتبوه وجعلوه حقائق مسلما بها . ولا داعى ان أقول ان الرواية باطلة فى عدد كبير من جوانبها فببكر بن عامر هو مواطن موريتانى صميم ولم يأت من الخارج لنشر الاسلام لا ولم يأت كذلك من الخارج ليغتصب ملكا فى موريتانيا لم يتركه له آباؤه واجداده وانما كان مواطنا واميرا موريتانيا غيورا على الاسلام وعلى الوطن عمل على نشر الاسلام واذكاء شعلة الوطنية ( راجع بقية مقالات العدد ) .
ومن اهم الاساطير الموريتانية التى دخلت الى صميم التاريخ تلك التى تتعلق (( بيافور )) حيث نسج الاسطوريون حول هذا الاسم وخصوصا فى شمال البلاد ما لا حصر له من الاساطير ، واصبحنا نجد بعض ذلك فيما يكتبه الاجانب عن مورتانيا حتى ذهب بهم تيار الاساطير الى الاعتقاد بان الاسم نفسه مختلق والحقيقة تنافى ذلك لان (( يافور )) قبيلة موريتانية عرفها التاريخ فعلا .
هكذا رأينا ان الاثار وان الرواية الشفهية والاسطورة كلها عناصر قد تسهم وتساعد على معرفة ما مضى غير مكتوب من التاريخ كما انها تعضد فى بعض الاحيان ما كتب من هذا التاريخ ولكن الاعتماد عليها كمرجع وحيد لا يمكن ان يستمر الى وقت طويل والاثار أهم من الرواية وهذه أهم من الاسطورة .
موريتانيا فى التاريخ المكتوب :
طبعا التاريخ المكتوب هو الذى يمكن الرجوع اليه بصفته شيئا موجودا يبقى على مر السنين دون ان تنال منه عوامل التعرية كما تنال من الاثار ، ولا ان تقع فيه الخلط والاضطراب كما يقع ذلك فى الرواية الشفهية ، الا ان الحظ لم يسعد كل البلدان فى ان يكون لها تاريخ مكتوب منذ اقدم عصورها مما اضطر المؤرخين الى الاعتماد فى تاريخها على ما نقلوه عن الرواة ، ولذلك وقع الاضطراب والتناقض فيما كتبه اولئك المؤرخون لان الراوى تخونه ذاكرته تارة ، ويتحيز لطائفة معينة تارة اخرى ، فلا يحفظ الا ما كان فى صالح جماعته وربما ينسب اليها من الامجاد والبطولات الخيالية ما لا يتصور الا فى ذهنه هو كما يخيل اليه ان الجماعة التى كانت فى الطرف الاخر عاشت مجردة من كل مجد وليس لها مكان تستطيع ان تقول انه وطن لها . والطامة الكبرى تاتى عندما يقابل مؤرخ آخر رواية لاخبار الجماعة الاخيرة فينقلب الامر رأسا على عقب ويظهر كتابان متناقضان كل التناقض فى تاريخ بلد واحد ، وذلك مع الاسف ما هو موجود الان فى كثير من البلدان الافريقية التى لم يكتب عنها القدماء من الرحالة والمؤرخين العرب ولم يصل اليها الاستعمار الا متأخرا . وقد ساعد الحظ والحمد لله موريتانيا فلم تكن من هذا النوع من البلدان بفضل دخول الاسلام اليها فى فترة مبكرة من انتشاره فى افريقيا الشمالية ، وزارها الرحالون العرب وكتبوا عنها ، واحتكت بالعالم الخارجى طيلة كثير من الزمن وظهرت فيها الدول العظيمة وانطلقت منها الحملات التى حولت مجرى التاريخ فى العالم وظلت طوال قرون عديدة ملتقى بين عالمين ومركزا مهما للتبادل التجارى فيما بينهما . كل ذلك لفت انظار المؤرخين اليها وجعلهم يكتبون عنها ويحاولون
الكشف عن حقائقها ويتناولون باقلامهم طبائع شعوبها وعوائد اهلها الى غير ذلك مما يأتي عليه التاريخ .
وينقسم الذين كتبوا عن موريتانيا الى أربعة اقسام :
1 - الرحالة والمؤرخون العرب
وأقصد من بين هؤلاء الرحالين الذين زاروا موريتانيا وكتبوا عنها بعض أجلاء المؤرخين العرب الذين شاع ذكرهم ودوى صيت كتاباتهم حتى عم انحاء المعمورة .
فقد زار موريتانيا من مشاهير الرحالة العرب ثلاثة هم : (( ابن حوقل )) فى النصف الاخير من القرن العاشر الميلادى ، وترك لنا مجموعة لا يستهان بها من من اخبار البلاد وخصوصا عن مدينة أودغست وامبراطورية غانا وزارها كذلك ابن بطوطة والبكرى ..
2 - الاروبيون :
وهم على قسمين ، منهم من زار موريتانيا واتصل باهلها وكتب ما سمعه منهم او ما شاهده ومنهم من اخذ فقط من الكتب التى كتبت قبله فجمع شواردها ولم شتاتها فى كتاب واحد عن موريتانيا بمفردها او عنها داخل مجموعة من البلدان . وقبل ان اعلق على كتابات الاوروبيين لا يسعنى الا ان اشكر لبعضهم الجهود التى بذلوها فى جمع شتات التاريخ ، والمحاولات القيمة التى قاموا بها فى التمحيص والتنقيب حيث استهدفت رد الامور الى نصابها وتحديد الاماكن وضبط التواريخ والبحث فى القضايا الاجتماعية وسوف لا نطيل الكلام فى تعداد المؤرخين الاروبيين لكثرتهم من جهة وعدم احاطتنا بمعرفتهم ولان الامر لا يهمنا بقدر ما يهمنا التعليق على كتاباتهم من جهة ثانية .
كان البرتغاليون أول الاروبيون الذين اتصلوا بموريتانيا منذ القرن الخامس عشر الميلادي وكتبوا اشياء تتعلق بنواحى جغرافية واقتصادية على الخصوص ولا اظنهم على ما اعلم تعرضوا لجوانب مهمة اخرى تخص صميم التاريخ فى مفهومه الحقيقى .. ثم تتابعت بعد البرتغال على الشواطئ الموريتانية كل من اسبانيا وهولندا وبريطانيا وفرنسا واهتم الجميع آنذاك بالمسائل الجغرافية والاقتصادية اكثر من التاريخية حتى القرن التاسع عشر حيث اصبح الفرنسيون على الخصوص اكثر احتكاكا بالسكان الموريتانيين فبدؤوا يتطلعون الى معرفة
بلادهم واحوالهم ، ثم نشأت الاطماع الاستعمارية بعد ذلك ، واهتم الفرنسيون منذ اواسط القرن التاسع عشر بداخل البلاد فوجهوا اليها البعثات وحاولوا الحصول على المزيد من المعلومات عنها وسجلوا من ذلك ما امكنهم ، الا ان اهم ما كتبوه عنها يرجع فى تاريخه الى القرن الحالى حيث كتب الكثيرون من الضباط الفرنسيون عن مغامراتهم داخل الصحراء ، وتحدثوا فى مذكراتهم عن المعارك التى اصطدموا فيها بالمواطنين الموريتانيين ثم ما لبثت هذه المذكرات ان اصبحت كتبا تاريخية نشرها وعلق عليها سواء اصحابها بانفسهم وسواء كتاب آخرون ، وساعد ذلك ايضا رجال الابحاث والمؤرخين فوضع البعض منهم مصنفات عن موريتانيا وترجم البعض ما عثر عليه من كتابات تهم تاريخنا من العربية الى الفرنسية ككتاب (( شيم الزوايا )) و (( أمر الوالى ناصر الدين )) ونبذة للشيخ احمد بن سليمان (( والانساب الموريتانية )) .. واستمر الامر كذلك حتى جاء الاستقلال فلفت انظار الكثير من الكتاب الفرنسيين وغير الفرنسيين فكتبوا عن موريتانيا الشئ الكثير .
قيمة ما يكتبه الاروبيون حديثا عن موريتانيا
يمتاز ما يكتبه الاروبيون منذ عهد الحماية بالدقة فى التاريخ بالنسبة للاحداث التى عاشوها سواء فى ذلك الاحداث السياسية او غيرها . . اما ما كتبوه عن الفترات التى سبقت ذلك وخصوصا ما نقلوه عن المؤرخين العرب فيتعرض غالبا للاغلاط التاريخية وللخلط ويرجع الكثير من ذلك الى عدم اتقان الترجمة غالبا وبوجه عام اذا نحن استثنينا من كتابات الاروبيين ضبط التواريخ وجمع شتات عدد لا يستهان به من المعلومات عن تاريخ البلاد الموريتانية نجد البقية اقل بكثير من فائدتها وخصوصا الفرنسيين ، وما من عموم الا وتحته خصوص . ويرجع ذلك الى انها تمتاز فى جملتها بالطابع الاستعمارى من تجاهل الحقائق ودس الدسائس وتشويه سمعة البلاد والمواطنين واذا حاولنا ان نلتمس لهم العذر فى جهل اللغة وان المجتمع الموريتانى ظل الى عهد قريب متعصبا ضد غير المسلمين وظروفه المعاشية وطبيعة حياته لا تسمح للباحثين بالاطلاع على حقيقة الامور عنده فاننا نجد لهم العذر فى الاستعجال فى البحث واصدار الاحكام الجائرة وسنأخذ كمثال لذلك اربعة من الكتب التى اطلعت عليها عن موريتانيا لكتاب فرنسيين :
أولا : مقاطعة آدرار Colonie de I' Adrar
للعقيد غورو Gouraud صاحب الحملة على منطقة آدرار سنة 1908 - 1909 ، واذا كان من حق هذا الضابط الاستعمارى ان يتحدث عن بطولاته وشجاعة جنوده ، فما إخال ان له الحق فى القدح والتشنيع بالمواطنين الموريتانيين ولا ان يصنفهم بالذئاب الجياع فى غير ما مرة من حديثه ، وليس له كذلك أن يصف تقاليدهم وعاداتهم - اذا لم تكن تتفق وعاداته وتقاليده - بالسفولة والنذالة ، وكان حريا به ليؤكد شجاعة جنوده أن يعترف بشجاعة المويتانيين لان شجاعة وقوة المغلوب تبرهن عن شجاعة وقوة الغالب وحبذا لو عمل (( كورو )) حسابه فى موضوع توازن القوى بين الطرفين المتحاربين اللذين كان يمثل احدهما والتمس العذر للوطنيين الموريتانيين خلال ذلك .
ثانيا : التغلغل داخل موريتانيا لبريفتال غيليان
Le Penetration en Mauritanie Brevete la Gillien
طبعة باريس سنة 1926
يتحدث هذا الضابط بدوره عن الموريتانيين ولكنه يعترف لهم بكثير من الشجاعة والاقدام وكتابه فى جملته لا بأس به ، يكاد يكون خلوا من التحامل لولا بعض الهفوات تعرض فيها للموريتانيين واتهمهم بارتكاب الجرائم الفظيعة فى عدة قضايا من بينها قضايا الجنس مما لا يتفق بتاتا وعوائد الموريتانيين ويتنافى مع الدين الاسلامى ، وكتابه رغم اعتداله يقدح الى حد بعيد فى سمعة الانسان الموريتانى وفائدته تكاد تنحصر فى ضبط الاحداث .
ثالثا : صحراء خصبة
Desert Fertile : Un Nouveau Etat , la Mauritanie
للكاتبة الفرنسية : كرستين غارنيه Christine Garnier
صدر سنة 1960 .
وحاولت هذه الكاتبة ان تلقى نظرة عامة على التاريخ الموريتانى قديمه وحديثه ، وكانت الى جانب ذلك تحاول التملق واظهار الاعجاب بالموريتانيين وتخلط الغث بالسمين ، وارتكبت من الناحية التاريخية اغلاطا فادحه ومن أهمها انها جعلت حرب (( شرببه )) المعروفة ( 1644-1674 ) حربا بين عرب غزاة (( المغافرة )) وبين بربر أصليين فى البلاد (( تشمشه )) وهذا مردود من اصله ، فحرب (( شربب )) لم تكن من اجل التنازع على السلطان بين الاطراف المعنية وانما بدأت لاسباب دينية ، والطرفان المتنازعان اصيلان ، فالامر يختلف
كل الاختلاف عما اعتمدته (( كرستين )) وتواتر عليه اكثر المؤرخين الغربيين ، والذى يعنى ان العرب اتوا البلاد غزاة واجتاحوها بالسلب والنهب وان البربر ثاروا فى وجههم وحاولوا صدهم الا ان الحظ لم يساعدهم ووقعوا مكرهين تحت السلطة العربية فهذا افتراء على التاريخ وتدليس للحقائق .
وخاضت (( كريستين )) كذلك ملحمة المرابطين وهى تتخبط وتتعثر بالاغلاط، وما على الراغب فى المزيد من الاغلاط الا ان يراجع الكتاب المذكور مع مقارنته بالكتب التاريخية المعتمدة .
والى جانب الاخطاء التاريخية يمتاز مؤلف (( كريستين )) بالتحامل الشديد على الموريتانيين وصوغ هذا التحامل احيانا فى قالب من التنكيت وسرد الحوادث الباطلة فبينما نراها تدعى ان العرب استعبدوا ذرارى ، ونساء البربر فى موريتانيا ، نجدها مرات أخرى تصف علاقات الموريتانيين والسود باشنع وافظع الاوصاف ، وتتعرض كريستين لذكر الامراء الموريتانيين السابقين وتتهمهم بانحلال الاخلاق وخبث السحايا مما يطول ذكره وخصوصا منهم امراء الترارزة فى القرن التاسع عشر ، ويكفى المستمع ان يمعن النظر فى صفحات ولو قليلة من هذا الكتاب ليصب لعنته على الكاتبة وما كتبت .
رابعا : مدخل للتاريخ الموريتانى 1934-1900
Contribution a I' histoire de la Mauritanie
للكاتبة الفرنسية جنيفيف ديزيرى فلمين
Genevive Desire
طبعة داكار سنة 1962
ويمتاز هذا الكتاب بأن قدمت له احدى الشخصيات الموريتانية البارزة مع مساهمة مالية من طرف الدولة الموريتانية .. وقد استطاعت المؤلفة ان تجمع فى صفحات كتابها التى تنيف على اربعمائة ما لم يجمعه احد قبلها من المستندات التى تتعلق بالفترة المؤرخ لها ، كما عملت له ملحقا بجوانب سياسية مهمة فى الفترة التى اعقبت 1934 الى ما بعد استقلال البلاد .. وكتاب الدكتورة يمثل جهودا جبارة بالنسبة للمستندات القيمة التى اوردها والمصادر المهمة التى تعرض لذكرها الشئ الذى يسهل على الباحث ويذلل أمامه كثيرا من الصعوبات والحق يقال .
ولم يفت الكاتبة ان تثنى على الجهود التى يبذلها الموريتانيون من اجل بناء دولة عصرية ذات سيادة وطنية حقيقية وقد تفضلت علينا بكثير من عبارات التشجيع والتملق ..
ولكن الكاتبة ديزيرى كانت تتمتع بروح استعمارية ما اظن ان اى فرنسى يتمتع بها ، فهى حاقدة ومتعصبة ضد الموريتانيين الى حد لم نعهده لدى غيرها حتى لدى أولئك الجنود الذين خاضوا المعارك وتكبدوا فيها الخسائر من أجل احتلال البلاد .. فهذه الكاتبة لم تستح ، مع ان الكتاب مقدم له من طرف شخصية موريتانية ، وان الحكومة دفعت مساعدة مالية ، وانه موجه الى الموريتانيين الاحرار الذين قاوموا الاحتلال وكبدوا جنوده أفدح الخسائر . فنجدها تطلق عليهم قطاع الطرق مرة والخونة مرة أخرى ، وتفتخر بان تقول سقط من جنودنا او استشهد من رجالنا كذا .. ومات من العدو كذا ، واذا استشهدت احدى الشخصيات الموريتانية تصب عليها عبارات اللعنة والشماتة كما فعلت بالنسبة للامير (( بكار بن اسويد احمد )) و السيد (( وجاهه )) و (( محمد المأمون )) و (( العروسى بن بابا حمد )) و (( سيدى بن مولاى الزين )) وغيرهم من الابطال الموريتانيين الذين سقطوا فى ميدان الشرف فتقول الكاتبة اليوم بطل سحر فلان ترك عظامه فى ساحة المعركة وانتهى فلان شر نهاية حتى ان القارئ يخيل اليه اننا لا نزال فى ميدان القتال نحن وحضرة الدكتورة ديزيرى اما الذين لم ينزلوا الى الساحة من الشخصيات فهى اما ان تصفهم بالسحر والشعوذة اذا كانوا من رجال الدين مثل ما ذكرت فى جانب الشيخ ماء العينين واما ان تصفهم بالشره والارتزاق اذا كانوا من رجال السياسة والسلطة كما فعلت فى حق كل الامراء الموريتانيين .
ولا تكتفى الكاتبة بهذا النوع من التشنيع والسب واظهار البغضاء اثناء فترة الاحتلال والمعارك ولكنها بعد الاستقلال كذلك تحاول التشكيك فى مستقبل الجمهورية الاسلامية الموريتانية وتتكهن بان الوحدة الوطنية لا يمكن ان تتم الا بعد خمسين سنة من الاستقلال وتؤكد ان هذه المدة ايضا يسيرة.
ومع ما يحتوى عليه هذا الكتاب من حقد وتعصب وتشويه للحقائق فجوانبه التاريخية ايضا ، وخصوصا فى الفترة المتقدمة على الاتصال بين الفرنسيين والموربتانيين مفعمة بالاغلاط الا انها تدخل فى جملة الاغلاط التى ارتكبها عن عمد او خطأ مؤرخو العالم العربى تجاه التاريخ الاسلامى .
3 - المؤرخون المعاصرون من العرب :
وبعد اعلان قانون الاطار فى موريتانيا ، وفى غمرة الدعوى المغربية ، اهتم اخواننا العرب بمعرفة الجمهورية الاسلامية الموريتانية وتناولها البعض منهم
بالكتابة فمنهم من افرد لها كتابا خاصا كما فعل المرحوم (( يوسف مقلد )) فى كتابيه (( موريتانيا الحديثة )) و شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون )) و (( يونس بحرى )) فى (( جمهورية موريتانيا الاسلامية )) وغيرهما .. ومن المؤرخين من تحدث عنها او ذكر اشياء عن ماضيها التاريخى ضمن مجموعة من البلدان او فى موسوعة تاريخية كما فعل الدكتور (( حسن ابراهيم )) و (( الدكتور عبد الرحمان زكى )) وكما فى (( دائرة المعارف الاسلامية )) .
4 - ما كتبه الموريتانيون :
الى حد الآن لا نستطيع القول بان مواطنا موريتانيا قد كتب فيما مضى تاريخا يمكن ان يعتمد عليه كمرجع عام للتاريخ الموريتانى ، وكل ما كتبه الموريتانيون عبارة ، الى حد الآن - إما عن رحلات كرحلة (( الطالب احمد بن طوير الجنة الودانى )) و (( محمد يحى بن اهل ابو الولاتى )) وقيمتهما التاريخية لا تعد شيئا كبيرا ، او مؤلفات فى الانساب (( كعمود النسب لاحمد البدوى )) و (( الغلاويه لسيدى محمد بن الشيخ سيد المختار )) و (( الحسوة البيانية فى الانساب الحسانية )) و (( نبذة فى الانساب للشيخ أحمد بن سليمان )) و (( نبذة اخرى )) لسيد محمد حبت ، او تراجم للفقهاء او الادباء ككتاب (( فتح الشكور )) للبارتيلى الولاتى و (( الوسيط فى تراجم ادباء شنقيط )) لاحمد بن الامين العلوى ، والنوع الرابع والاخير هى الكتابات التى تتعلق بتدوين الاحداث او نبذة تكتب عن حادثة ما ، والاول مثل ما كان يفعله اهل تشيت واهل دبانكو ، وكان مثل ذلك فى تكانت على عهد سيدى عبد الله بن الحاج ابراهيم فكان مثلا امام المسجد يحتفظ بدفتر يسجل فيه اهم الاحداث التى تقع ويصل اليه خبرها ، واما ما كتب عن قصة بعينها فمثله ما كتبه العلامة محمد اليدالى عن حرب شربب وشيم الزوايا فى عهده .
ورجال السلف معذورون على ما اعتقد ، لان رسائل التأليف كانت عسيرة للغاية فى زمنهم والمراجع لا يمكن الحصول على الكفاية منها والحالة الاجتماعية للبلاد لا تشجع على وضع كتاب شامل عن تاريخها .

