الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مصادر الشعور بالكآبة، في ديوان (( أغاني الحياة ))

Share

العامل الثانى : ما كان للشابى أن يشعر بعمق المأساة لولا فرط حساسته التى تميز بها وتفطن اليها وعبر عنها :

والشقي الشقي من كان مثلي            فى حساسيتي ورقة نفسي (35)

ورهافة الاحساس جعلت الشاعر يحول الغربة ذات الطابع الاجتماعى الى غربة روحية فعاش شقيا مشردا عن وطنه السماوي :

فى غربة روحية ملعونة                أشواقها تقضي ، عطاشا ، هيما

يا غربة الروح المفكر ! انه            فى الناس يحيا ، سائما ، مسؤوما (36)

العامل الثالث : الموقف من الوجود تولد نتيجة الغربة الروحية التى مكنت الشابى من تقطيع حبائل الآمال فانتبه الى سخافة الدنيا وبعدها عن الطهارة فتاقت نفسه الى سحر الكون للذوبان فيه :

فانا السعيد بأنني متحول                     عن عالم الآثام والبغضاء

لأذوب فى فجر الجمال السرمدي           وأرتوى من منهل الأضواء (37)

وسينسى الشابى فى فجر الجمال السرمدى دنيا الناس وينتشى على شواطىء الأزل :

ونسيت دنيا الناس فهي سخافة                  سكرى من الأوهام والآثام

فوجدت سحر الكون أسمى عنصرا             واجل من حزني ومن آلامي

فأهبت مسعور المشاعر ، حالما                نشوان بالقلب الكئيب الدامي (38)

فقد تخطى الشاعر ريح الحياة وطيبها لانه اشتم فيها رائحة الاثم والبغضاء فتاقت نفسه الى التسامى نحو عالم الطهارة المفقودة وساعده على ولوج هذا الفضاء الرحب قلب كئيب سكنته فكرة مجهولة صارت عندى معلومة هى تطليق الدنيا العابثة فقد مات عهد النواح ونجمت فكرة الفنان .

هذه عيشة تقدسها نفسي     وأدعو لمجدها وأنادي (39)

تولدت عن هذه العوامل الثلاثة فلسفة واضحة المعالم وفهم لمنزلة الشاعر فى الوجود فعاش الشابى تجربة فذة طبعت أشعاره بلون متميز وصرنا نلمس فى شعره عالما يعيش داخله الشابى وينتشى بالاقامة فى هيكله بعد ان احر على مشارف الطبيعة فى مدخل الغاب :

انى انا الروح الذى سيظل في الدنيا غريب

ويعيش مضطلعا باحزان الشبيبة والمشيب (40)

واذا اتخذت الكآبة بعدا مخصوصا فى شعر الشابى وكانت مركزا أساسيا تجمعت حوله آراء الشاعر ومواقفه فانه من الطبيعى أن تتميز مصطلحات أخرى فى الديوان بمعان جديدة اذ هى فى علاقه عضوية مع الكآبة المركزة ، فكيف أثرت هذه الظاهرة فى الحقل الدلالى لبعض المفاهيم النابعة لقصة الكآبة حسب عرضها فى الديوان ؟ .

اتخذ الشابى الكآبة سبيلا بكرا للخروج من الهيكل المتهدم المهجور دخول وطنه السماوى الذى شرد عنه ، فكون لذاته عالما خاصا يقيم داخله ، وهنا اتخذت بعض الالفاظ بعدا متميزا فى المستوى الدلالى . .  .

فلم يعد الطفولة مثلا حقبة زمنية معلومة يتجاوزها المرء لبلوغ الرشد بل صارت عنده جنة توفرت فيها عناصر الطهر والبراءة ، فتاقت نفسه اليها من جديد وتغنى بها :

ان الطفولة حقبة شعرية بشعورها

ودموعها وسرورها وطموحها وغرورها

لم تمش فى دنيا الكآبة والتعاسة والعذاب

فترى على أضوائها ما فى الحقيقة من كذاب (41)

فهى عنده مرحلة قريبة من مهجة الكون ، وما التغنى بها الا وجه من وجوه التغنى بالاقتراب من الوطن السماوى ، فهى مرحلة تقرب الانسان من تجربة ما قبل الولادة لينتشى بالذوبان فى الكون :

فانا السعيد بأنني متحول                        عن عالم الآثام والبغضاء

لأذوب فى فجر الجمال السرمدي               وأرتوي من منهل الأضواء (42)

لقد صارت السعادة تتمثل فى هذا الشوق الطبيعى لتطهير المشاعر فى نار الجمال فيتجاوز عوارض الحزن المولد للكآبة :

فوجدت سحر الكون أسمى عنصرا                وأجل من حزنى ومن آلامى (43)

أما الموت فلم يعد يخشى باعتباره نهاية بل صار يعد وسيلة الخلاص من هذه الأرض الدائمة الاثم ، فتاقت نفسه الى تجربة ما بعد الموت ـــ أو على الأصلح ما قبل الحياة ـــ أى الى عالم الطهر ومعانقة سحر الكون :

فاصبر على سخط الزمان ، وما تصرفه الشؤون

فلسوف ينقذك المنون ، ويفرح الروح الحزين (44)

واعتمد الشاعر على الخيال ليتجاوز عتبة الحياة الدنيا فينكشف له بعض أسرار الوجود وهنا تلون السند المرجعى عند الشابى بلون متميز فكان الانصات الى أصوات الطيور ومناجاة الطبيعة والاحرام على مشارف الغاب والتطهر فى نار الجمال والتحليق على تخوم الدنيا . وصبغ ذلك شعر الشابى بظاهرة انزياح واضحة ساهمت فى تأكيد فذاذة الرؤية الشعرية عنده .

ولم يعد الحلم كذلك هاجسا أو عملية لا واعية لا يتحكم فيها الشاعر وتفرض نفسها عليه بل تحول الى حلم فى اليقظة أو يقظة فى الحلم تأمل

الشاعر عبره ذاته من الداخل فانتشى بما اختار من عيشه بعيدا عن دولة الانصاب والالقاب . وبعد ان كان الحلم ينعكس على الذات فيساعد على سبر أغوارها صار عند الشابى وسيلة انفتاح على الكون لمعانقة القبر والارتواء من الكون واعتمد تصوير عالم الاحلام على أخيلة جديدة استلهمها الشاعر من حساسيته ومن اثر مطالعاته القديمة والحديثة الشرقية والغربية وانصهر كل ذلك فى نفس الشاعر فتلون شعره برؤية مخصوصة تتغنى بمجد الحياة والشوق الى الذوبان فى الكون .

ولعبت المرأة دورا هاما فى هذا المدار المخصوص باعتبارها رمزا للطهارة والجمال والسحر فاتخذها الشابى وسيلة معراج الى هذا العالم حيث عانق الفجر احلامه ولثم الضياء بضوئه :

وتبثين رقة الأشواق ، والأحلام                    والشدو والهوى فى نشيدى

بعد ان عانقت كآبة أيامى                         فؤادى ، والجمت تغريدى

فانفخي فى مشاعرى مرح الدنيا                   وشدى من عزمى المجهود (45 )

ان الشعور بالكآبة ضرورة تجعل الشاعر ينفتح على عالم البهجة والشعور بالانتشاء عندما يطل الصباح الجديد .

وسكن العزم وطن الكآبة فألبسه ثوبا جديدا بعيدا عن البكاء والنحيب وحلق الشاعر يشدو كطائر الجبل بعد ان كانت تمشى على قلبه الحياة :

فنسيت الشقاء والدمع واليا                      س ونامت بمهجتى الحركات

وقضى فى سكينتى طائر الحز                     ن واغفت بصدره الندبات

هكذا يلجم المنون فؤادى                        وتهب الحقائق الخالدات (46)

هكذا تمكن الشابى بفضل هذا الشعور الحاد بكآبته من اكتشاف أبعاد ذاته فأنشأ صورا شعرية تترجم عن ذاته فى أعمق أعماقها وتكشف عن وجوه حساسيتها وعزمها وهذا الاكتشاف مكن الشاعر من ان ينشىء لنفسه عالما ، بل مكنه من أن يغلق ذاته فى عالم ، وأهم مميزات هذه الذات التخطى والسعى الى معانقة الكون ولمس الجذور الاولى فى عالم رحب خطير :

هذا مصيرى يا بنى الدنيا فما أشقى المصير ! ( 47 )

اشترك في نشرتنا البريدية