الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

مصادر الشعور بالكآبة ، في ديوان أغاني الحياة))

Share

اغرانى بطرح موضوع الكآبة فى ديوان الشابى (( أغاني الحياة )) (*) يقيني بأن الظاهرة النقدية حية تخضع لسنة الحياة الرافضة للقرار والرضى والساعية الى الاستحالة والحركة . ولهذا أرفض المواقف التى تعتبر أن ظاهرة أدبية ما قد قال فيها النقد القول الفصل ولا بد من تجاوزها لطرح مسائل أخرى . . . فليس عندى أطيب من العودة الى هذه المسائل التى تناولها النقد فى زمان قضى لمحاولة اعادة النظر فيها من زوايا جديدة, فلعل هذا المنهج يساعد على تسليط أضواء جديدة على قضايا عالجها النقد بعد فنخرجها من روحها الكلاسيكية لنبعث فيها حياة متجددة ، وبذلك يساهم النقد بحق ، وعلى الدوام ، فى اثراء الدراسات الادبية ويحقق الغاية المرجوة من قيامه . من هذا المنطلق أفسر اهتمامى اليوم بظاهرة ناقشتها عديد الدراسات حول الشابى منذ زمن مديد ، ولست أطمع لنفسى فى هذا المقام أن اقول القول الفصل فى القضية بل اعتزم أن أثرى دراسة هذا الغرض المخصوص بمقاربة نقدية قابلة للنقاش والاثراء ...

ثم ان تركيز اهتمامي على دراسة قضية الكآبة فى الديوان دون غيرها يعود الى سبب ذاتى يتمثل فى الأثر الكبير الذى خلفه بيت للشابى فى كياني :

بل هو الفن واكتئابه وال  فنان جم احزانه وهمومه (1)

فبدا لى ان للشاعر مفهوما خاصا للفن وهو مفهوم فى علاقة عضوية مع ظاهرة الاكتئاب فتاقت نفسي الى النظر فى وجوه العلاقة بين الكآبة والفن حسب الشاىي بتقصى المسألة فى الديوان وبالرجوع الى جانب من الدراسات النقدية التى طرحت الموضوع . كما يعود اختيارى لهذا الغرض المخصوص إلى سبب موضوعى فقد بدا لنا جليا فى الديوان ان الكآبة تحتل منزلة متميزة وهى بذلك تتطلب اعادة الدرس.

وبالاضافة الى ما تقدم فانى اعتبر أن مثل هذا العمل الذي أنجز يتجاوز فى نهاية الأمر دراسة قضية مخصوصة فى ديوان (( أغاني الحياة)) الى إطار أوسع ، فهو قد يكشف عن مقومات هذا العالم الفني الجديد الذى اقامة الشابى لذاته في علاقتها ببقية الذوات من جانب وعلاقاتها بالكون من جانب آخر فى آن . ولعلنا بدراستنا هذه نساهم فى تبين بعض معالم هذا المدرج المخصوص الذي ساعد الشابى على بناء عالمه الذاتي داخل العالم وساعده كذلك على بناء عالمه ، هو الذى يكمل كذلك كيانه الذاتى فنرى كيف سعى الشابى لا الى خلق عالم فحسب بل الى خلق ذاته فى عالم. وهذا المعطى يفيدنا كثيرا لفهم أبعاد التجربة الشعرية الفذة فى ديوان (( أغانى الحياة ))...

كيف نظرت الدراسات النقدية الى مسألة الكآبة فى الديوان؟

ان الناظر فى جانب كبير من هذه الدراسات حول الشابى وديوانه أغانى الحياة يمكنه أن يتبين ثلاث أطروحات كبرى تبناها النقاد ودافعوا عنها بحجج مختلفة لتفسير ظاهرة الكآبة فى الديوان .

الاطروحة الأولى : تقوم من حيث المنهج على الربط بين عناصر من الترجمة الذاتية والديوان . . . فقد رأى زين العابدين السنوسي (2) أن كآبة الشابى تعود الى مرضه بالدرجة الأولى . . . وانتهى محمد فريد غازى الى موقف مماثل حيث اعتبر أن مرض القلب الذى كان يشكو منه

الشاعر قد انعكس على شعره (3)  وتوسع غازى أكثر فى دراسة طبيعة المرض فقال : ان (( الأسى الناتج عن ضيق القلب يثير فى المريض قلقا مستمرا ينتهى دائما بالشعور بالتعب العام الذى يجعل المريض يقبع بنفسه بعيدا عن الوسط الذى يحيط به ))  ( 4 ) . وانتهى الناقد الى الاقرار بأنه لعله من الغريب أن (( الأمراض الكيانية )) و (( الامراض العضوية )) قد جمعت مصائبها ضد الشابى فأضرت به ضررا فادحا . . . وبذلك لم يكن مرض الشابى ذا تأثير على نفسيته فقط بل على شعره ايضا ... وتبنى عمر فروخ فى المشرق فى كتابه الشابى شاعر الحب والحياة هذا الموقف ودافع عنه (5) .

ونحن لا نريد ان نناقش هذه الأطروحة بموقف محمد الحليوى الذى يعتبر أن الشابى لم يكن رجلا مريضا فى كل حياته بل كان بدء شكواه من المرض فى السنوات الأخيرة من حياته أى بعد وفاة والده على وجه التحديد (6) . بل نرغب فى مناقشة هذا الموقف من ناحية منهجية.

ان تفسير ظاهرة أدبية دقيقة بالاعتماد على عناصر محددة من الترجمة الذاتية منطلق منهجى لا نوافق عليه ... فهو يعتمد بعض معطيات المدرسة النفسية فى تحليل الأدب أى دراسة النواحي النفسية وبيان مدى تأثيرها فى الخلق الأدبي . الا أن المدرسة النفسية نفسها تنفي هذه الآلية التى ننطق بها الاطروحة التى تعتبر أن أثر المرض ظهر فى مظاهر الكآبة فى الكتابة الأدبية . فالمدارس النقدية المعتمدة على التحليل النفسى تعتبر ان العملية الانشائية معقدة أكثر حيث تتداخل عناصر مختلفة لصياغة العوارض النفسية فى أشكال أدبية ، والى جانب ذلك يتم التصعيد أحيانا والتعويض أو الاستبدال أحيانا أخرى الى حد تظهر معه عوارض الأزمات

النفسية الحادة ولكن فى أشكال فنية مركبة ومعقدة وكاشفة بطريقة غير مباشرة وبعيدة أحيانا عن بذور الازمات النفسية وطبيعتها.

ونود أن نناقش موقف هؤلاء النقاد من زاوية أدبية صرف . فقد اعتبروا أن الادب لا يعدو أن يكون انعكاسا لحالات نفسية ما ، وتكون تبعا لذلك وظيفة الأدب الأولى والأخيرة : الابلاغ عن بواطن النفس الخفية . الا أننا نعتبر الأدب عملية انشائية تخضع الى الاعمال ويحتاج الاعمال الى الانطلاق من مادة خام قد تعتمد فى كثير من الأحيان على حالات نفسية معينة الا أنها تصاغ فى اطار فنى مخصوص فتتطور التجربة الذاتية لتخضع الى مقومات فنية متميزة ، وبذلك يتجاوز الأديب التصريح الى التلميح ويتخطى الرسالة الابلاغية الى وضع رسالة انشائية فنية .

كما لا يمكننا أن نقبل تفسير ظاهرة أدبية فنية بالرجوع الى بعض معالم الترجمة الذاتية . فقد تعين الترجمة الذاتية على فهم بعض النواحى فى الأدب لكن يجب الانطلاق من الأدب أولا ثم تتم الاحالة ثانيا على الاطار الشخصى للتوضيح أو التدعيم ، أما أن يتم العكس فلا تأمن معه المزالق الخطيرة .

نحن نلحظ أن هؤلاء النقاد خاضوا مسألة الكآبة فى الديوان بعيدا عن الديوان وحاولوا تبعا لذلك ولوج عالم الديوان بأفكار مسبقة فطمس هذا المنهج مظاهر الكآبة فى الديوان ولم يحلل عناصرها حتى يبرزها فى اطارها الفنى المتميز .

الأطروحة الثانية : حاول جانب من النقاد تفسير الكآبة فى الديوان بالرجوع الى معطيات التأثر والتأثير.

فهذا خليفة محمد التليسى يرى أن(( الدراسة الواعية لانتاج هذين الأديبين (الشابى وجبران ) تكشف مدى الأثر العميق الذي طبع به جبران الشابى ,وتوضح أن الشابى تلميذ نابغ لجبران )) (7) . وهو يعتبر أن كل خاصة فى أدب الشابى تعود الى أدب جبران . . . من ذلك الالم الحافز.

ونحن نرجع البصر فى هذا القول فنجد له صدى بقلم الشابى نفسه الذى رثى جبران ( 8 ) واعتبر أن أدبه يمتاز بميزتين هما دعامتا مجده الذى لا يزول :

الميزة الاولى : الجدة والطرافة فى أسلوبه ومعانيه وفي روحه

الميزة الثانية : الحياة . الحياة التى لا بد أن تحرك فى صدرك حين تقرؤه عاطفة أو فكرا أو خيالا (9) .

وان كان جبران في نظر الشابى عاصفة مشبوبة وخيالا جامحا وفكرا قويا يجوب اعماق الحياة ، فانه ليس من السهل القول بأن الشابي صدى لجبران ، فالمسألة لا بد ان تخضع الى قواعد الأدب المقارن للاقلاع بالحجة. وحتى ان دار الأمر فى اطار منهج مقارنى سليم فان عناصر المقارنة لا تنفي الفذاذة والتميز ، ولذلك لا نقبل رأى التليسى وحجتنا الرئيسية على ذلك أن الشابى مارس تجربة خاصة متميزة فى الوجود عن تجربة جبران - وان كانت تقاربها فى بعض الوجوه - وعن هذه التجربة مع الوجود من ناحية ومع الأدب والفن من ناحية ثانية نطق بالشعر ...

أما كيف نفسر صدى شعر جبران في شعر الشابى فان الأمر بعود فى نظرنا الى ظاهرة النص الحاضر الذي يعتبر وريثا شرعيا للنص الغائب. فأشعار جبران تعتبر ضمن النصوص الغائبة التى أعجب بها الشابى الى جانب غيرها من النصوص الأدبية الأخرى القديمة والحديثة الشرقية والغربية ، وتميز النص الحاضر عند الشابى بالصياغة الفنية الجديدة لهذه النصوص الغائبة التى تفاعلت مع تجربة الشابى فى الكون ومع الفن في آن .

ومشكلة تأثير جبران فى الشابى - حسب توفيق بكار ، لو نعلم - جزء من مشكلة أعم هي مشكلة رومنتيكية الشابى وعوامل نشوئها (10) ...

واعتبر محمد الفاضل بن عاشور فى كتابة الحركة الأدبية فى تونس ان الشابى كان ينظر الى الوجود من خلال المناظر الطبيعية والى المجتمع الانسانى من خلال الصور المرتسمة منه فى مادة مطالعاته وتأملاته ، وفيما يجد في نفسه من الحقائق الشعورية... فانبعثت أمام عينيه صور من الأدب الغربى الذي تعرف اليه من خلال المترجمات وانس بما فيها من صور قاتمة وروح متشائمة ...  ))   (11) . وربما استلهم الباحث هذا الموقف من حديث الشابلى نفسه عن ده فينيه او لامرتين او تقديمه لديوان (( الينبوع )) لابى شادى حيث نوه بمقومات هذه المدرسة . . .

ان القول بمدى تأثر الشابى بالنزعة الرومنتيكية هو وجه من وجوه البحث فى ظاهرة الكآبة وتفشيها فى شعره وذلك لان الرومنتيكى لم يكن عادة بالمرح ولا بالتفائل ((وانما كان فريسة ألم مرير بسبب الجفوة بينه وبين مجتمع لا يقدر ما فيه من نبل الاحساس ونتيجة انهيار آماله الواسعة وتعذر ظفره بالمثال المنشود )) . ( 12 )

ولسنا نرغب فى هذا المجال بعث مسألة الرومنتيكية ودورها فى شعر الشابى ، ولكن نود أن نلاحظ ان الشابى وان كان معجبا بمبادئ الحركة فان ذلك لا يفسر لنا تفشى ظاهرة الكآبة فى شعره ، وذلك لأننا نعتبر أن الكآبة معطى ذاتى أى تجربة مع الكون ومع الذات خولت مواقف جعلت الرجل يدخل عالم الرومنتيكية . فالكآبة إذن ان خولت له دخول المذهب وليس المذهب - في نظرى - هو الذى أملى عليه تبني الظاهرة . وحجتنا على ذلك ذات طابع تاريخى ولغوى فى آن . فقد ظهرت الرومنتيكية فى الغرب فى اطار تاريخى موضوعى مخصوص وتبنى المذهب من قبل الشابى لا يمكن ان يكون الا نتيجة تعامل جديد على أساس تاريخى موضوعى مغاير ومتميز ، وبذلك تفرغ التجربة ضرورة من بعض لوازمها فى الغرب لتلبس لباسا أدبيا حضاريا جديدا فى الشرق,

ونلاحظ ان مقومات اللغة تفرض هذا التبنى الجديد لا على أساس النقل بل على أساس التبنى والاستيعاب أى على أساس الوضع الجديد ، فالحقل اللغوى

الرومانتيكى عند الغرب له مجاله واطاره ودلالته وأبعاده وهو مغاير فى عديد الوجوه لمعطيات حياة الشرق ، ولذلك من الطبيعى فى نظرنا أن نقول ان ظاهرة الكآبة وان كانت مشتركة بين شعر الشابى وشعر الرومانتكيين فى الغرب الا ان لها عوامل ذاتية خاصة لا بد من تبينها ودراستها لفهم الصيغة الانشائية لشعر الشابى.

ان تفسير تواتر أغراض شعرية فى ديوان أغانى الحياة بارجاعها الى ظاهرة التعامل مع شعر مهجرى أو شعر رومنتيكى ظاهرة خطيرة لا بد من اعادة النظر فيها من جديد لتنزيل أدب الشابى منزلته الحقيقية . . . وكيف دار الأمر فاننا نعتبر أن الشابى هو غير جبران وغير دفينيه أو لامرتين بل هو الشابى بتجربته الشعرية الفذة . ولعل هذا ما قصده الشاذلى بويحي حين قال : .. لقد عرف الشابى شعر جبران وشعر المهجر كله . وأولع به - كما أولع به جيله - ، ولا شك أنه أعجب به ، ولعله أراد ( الحذو) حذوه ونسج مثله ، لكن عبقرية الشابى وقوة شخصيته فى شعره ساطعتان لا تتركان المجال للباحث أن يقف عند التأثير الجبرانى وألا يعدوه - كمجرد مرحلة - وهي مجرد مرحلة - الى ميدانه الذاتي حيث الشابى هو الشابى لا جبران ولا لامرتين )) . ( 13 )

               (يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية