-١-
لا أريد أن أعلل الرغبة القوية التى حفزتني إلى اضاعة جزء من وقتي كنت في اشد الحاجة اليه فى مطالعة شعر المتنبي ، ولا تلك الحالة الغريبة التى تجعلني لا أقتني نسخة مطبوعة من شعره إلاريثما أقدر على الحصول على نسخة احدث منها طبعا ، ولكنني اعتقد ان المتنبي قد اصاب حينما قال فى وصف شعره
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
لقد عني رجال الادب العربى منذ عرف شعر ابى الطيب بدراسته ذلك الشعر ونقده وشرحه ونقله وجمعه وحفظه عناية عظيمة فاقت كل عناية حظى بها شاعر عربي . فاذا قال ابن رشيق القيرواني " العمدة " : ) ثم جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس ( فقد قال فصلا ، وما زلنا نذكر - من آثار شغله للناس فى أقطار العروبة - ذلك الاحتفال الفخم الضخم بذكراه الالفية التى صدقت قوله :
وتركك فى الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء اتمله العشر
وكان من أثرها طبع ديوانه طبعة تعتمد على اقدم النسخ وأصحها تمتاز بزيادات فى الشعر ومقدمات للقصائد وتعليقات قيمة للشاعر نفسه
وقد صحح تلك الطبعة وقارن نسخها وجمع تعليقاتها الدكتور عبد الوهاب عزام وأخرجتها لجنة الترجمة والنشر في القاهرة سنة ١٣٦٣ ه .
ولقد كان حظ هذه النسخة من مطالعتي واعتنائي بدراستها والتحقيق عن صحة ما ذكر عنها مماثلا لقيمة تلك النسخة ذاتها ، ومتناسبا مع ما لمخرجيها من مكانة سامية فى الاوساط العلمية ، وها هو أثر عملى فى هذا الصدد -
ا - اوثق مخطوطة لديوان المتنبى
عثرت في مكتبة الحرم المكي على نسخة مخطوطة تقع في ٢٢٨ ورقة كل ورقة فيها ٢٦ سطرا مرتبة على حروف الهجاء ، ومخطوط اكثرها بخط النسخ الحسن وعناوينها وبعض صفحاتها بالخط الفارسي وهذه النسخة وان كانت حديثة الخط / مخطوط سنة ١١٧٨ ه / إلا انها فى رأي مخطوطة علمت بها لشعر المتنبي وها هو نص ما جاء في آخرها .
ثم شعر ابى الطيب بزياداته والحمد لله وحدة . ونقلت هذا الديوان من نسختين احداهما مقروءة على ابى الطيب ومقروءة ايضا على ابن جنى وفيها تصحيحاته بخط يده والاخرى على كل قصيدة ومقطوعة منها خط المتنبي " صح " وقابلت بها ثلاثة أصول بعد مقابلتى بها الاصلين المنقول منهما . احد الاصول الثلاثة بخط على بن عبد الرحيم السلمي الرقي وهى منقولة من خط الارزني وكان في أول نسخة الارزني بخطه : قال على بن حمزة البصرى سالت ابا الطيب احمد بن الحسين بن الحسن المتنبي عن مولدة فقال ولدت بالكوفة فى كندة سنة ثلاث وثلاثمائة وهذا على جهة التقريب لا التحقيق ونشات بالبادية والشام . قال : وقال ابو الطيب الشعر صبيا فمن أول قوله فى الصبا
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني وفرق الهجر بين الجفن والوسن
وقد عارض الرقي بنسخة عدة اصول : أحدها نسخة على بن الساريان الكاتب والثاني المعارض به نسخة الشيخ تاج الدين الكندى بخط ابن جرير المصرى وقد اعتنى بتصحيحها عنايه لا تحكى ، وصحح على كل موضع مشكل فيها وعلي
كل موضع اختلفت الرواية فيه . والأصل الثالث : نسخة عتيقة عليها عدة طبقات سماع منقولة من خط الربعي . وبذلت الوسع فى ذلك فصحت بحمد الله ومنه وكتب عبد العزيز بن عبد الرحمن بن مكى البزاز البغدادى بمدينه دمشق حرسها الله فى شهور سنة خمس عشرة وستمائة حامدا الله على نعمه ومصليا على رسوله محمد وآله وصحبه ومسلما . وكان فى آخر نسخة الرقي حكاية ما كان مكتوبا فى آخر نسخة السماع ما صورته وحكايته : وكان فى آخر نسخة على بن عيسى الربعي الذي عارضت به هذه النسخة بخطة : انى قابلت به خمس عشرة نسخة وعولت على كتاب ابن حمزة لأنه وافق حفظي من بينها وذكر على بن حمزة ان القصيدة الكافية آخر قصيدة قالها ابو الطيب . قال وكتبها والتي قبلها منه بواسط يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقين من شهر رمضان سنة سنة اربع وخمسين وسار عنها فقتل ببنيرع قتله بنو أسد وابنه واحد غلمانه وأخذوا ماله يوم الاربعاء لليلتين بقيتا منه والذى تولى قتله منهم فاتك بن ابى الجهل بن بزار وكان من قوله له : قبحا لهذه اللحية ياسباب وذلك أن فاتكا هذا قرابة لضبة بن يزيد العتبى الذى هجاه المتنبي بقوله : ما انصف القوم ضبة . وهى من سخيف شعره فكان سبب قتله وذهب دمه فرعا . قال : وفى نسخة أخرى أنه سار عن حضرة عضد الدولة ومعه خيل مختارة ومطايا منتخبة موقرة بالعين والورق وفاخر الكسى وطرائف التحف وغرائب الالطاف يغذ السير بنفسه وعبيده ، وعين اعدائه ترمقه ، واخباره الى كل بلد تسبقه ، حتى اذا كان حيال الصافية من الجانب الغربى من بغداد عرض له فاتك بن ابي الجهل الأسدى فى عدة من اصحابه فاغتاله هناك وقتله وابنه محسدا اوغلا ماله يدعى مغلي واخذ جميع ما كان معه لست ليال بقين من شهر رمضان سنة اربع وخمسين وثلاثمائة . ووجدت فى أول نسخة على بن عيسى أنه ولد ابو الطبيب أحمد بن الحسين بن الحسن المتنبي بالكوفة فى كندة سنة ثلاث وثلاثمائة على التقريب لا على التحقيق ونشأ بالشام . والبادية وقال الشعر في صباه فمن أول قوله أبلى الهوى أسفا . وذكر بعده قال : وقد مرجلين قد قتلا جرذا وأبرزاه يعجبان الناس عليه من كبره لهما
لقد أصبح الجرذ المستغير أسير المنايا سريع العطب
رماه الكناني والمالكى وتلاه للوجه فعل العرب
كلا الرجلين اتلا قتله فأيكما غل حر السلب
وأيكما كان من خلفه فان به غضة فى الذنب
ولم يكن على بن عيسى يروى هذه القطعة . ووجدت فى آخر النسخة أيضا لست ادري بخط من هو : وله عند اجتيازه برام هرمز الى ابى الفضل عبد الرحمن بن الحسين الفندجاني جواب عن كتاب :
ايرحم بعد الناي قرب ولم أجد بقربك ١ ما يشفى الفؤاد من الوجد
ولم تكتحل عيناي منك بنظرة يعود بها نحس الفراق إلى سعد
فلي لحظات فى الفؤاد بمقلة من السوق تدنيكم كأنكم عندي
إذا هاج ما فى القلب للقلب وحشة فزعت الى أمر التذكر من بعد
وانا استغفر الله عز وجل من جميع السقط فى هذا الديوان وانيب اليه سبحانه منه
وبعد ذلك ) وذلك يوم الاثنين الخامس من شوال سنة ثمان وسبعين ومائة والف احسن الله ختامها . ( ثم هذان البيتان :
قد تصفحته فصح ولكن ليس يخلو من هفوة إنسان
واذا ما بذلت مجهود وسعى لم يكن للملام عندي مكان
ولم يذكر في هذه النسخة اسم كاتبها ، وهو فارسي كما يظهر من بعض كلمات فارسية يكتبها فى الحاشية لتوضيح بعض الكلمات العربية ، وفى هذه النسخة حواش كثيرة منقولة من شرح الواحدى . وتمتاز بدقة ضبط الكلمات بالعلامات ، والكلمه التى يصح فى ضبطها وجهان : تضبط بهما ويكتب فوقها كلمة " معا " . ويذكر فيها اختلاف النسخ فى الكلمات التى تختلف فيها
ومما نقلناه عنها تتبين شدة العناية بالأصل الذي نقلت عنه ، عناية لا نجد مثلها فى كثير من مخطوطات العربية
للبحث بقية

