منذ عشرين عاما كنت طالبا فى الجامعة الازهرية ، وكنت قد اشتركت مع طائفة من شباب الشعوب العربية فى تأسيس جمعية الوحدة العربية وجمعية الهداية الاسلامية فى القاهرة عاصمة المجتمع العربى الكبير .
وكانت الجلسات الاولى لكلتا الجمعيتين فى رواقنا رواق الحرمين فى الازهر .
وقد اقتضى ذلك اتصالا واسعا بشتى طبقات الشعب المصرى ، وجاليات الشعوب العربية والاسلامية جميعا . .
المقصود أنى عرفت مصر بالامس معرفة دقيقة وهأنذا أعود اليها ، فى هذا العهد الاصلاحى الاجتماعى العربى العام ، بمناسبة انعقاد المعسكر العربى الكشفى الثانى من يوم الاربعاء ٢٥ يوليو الى يوم الثلاثاء ٧ أغسطس عام ١٩٥٦
القومية العربية
كنا بالامس اذا قلنا : نحن ابناء المجتمع العربى تجمعنا قومية عربية واحدة تؤلف ذات بيننا ، وتجمع كلمتنا حولها ، رد علينا عملاء الاستعمار والانفصاليون الرجعيون : لا عرب ولا عروبة فى هذا المجتمع الشرقى الذى تسمونه المجتمع العربى
ان كنتم مصريين فنسبكم ينتهى الى الفراعنة ، وان كنتم شاميين فنسبكم ينتهى الى الكنعانيين الذين منهم الفينيقيون ، وان كنتم عراقيين فنسبكم ينتهى الى الاشوريين والكلدان وان كنتم من ابناء الجزيرة فان كنتم من القحطانيين فانتم أحباش ، وان كنتم من العدنانيين فانتم كلدان لأن جدكم عدنان ينتمى الى اسماعيل ، واسماعيل كلدانى ، وان كنتم مغاربة فأنتم برابرة وقراطجة اذن فمحال أن تجمعوا أنفسكم حول قومية واحدة ، وتبنوا مجتمعا عربيا واحدا ، وأنتم تنتمون الى أصول مختلفة .
فان قلنا لهم : وهبوا أنا ننتمى الى اصول مختلفة - وان كان هذا يكذبه الواقع التاريخى ، ووحدة الاصل السامى النازح من جزيرة العرب منذ أبعد الازمان - فهؤلاء شعوب الولايات المتحدة الامريكية أوجدوا لأنفسهم وحدة قومية ، وهم يعلمون بكل تأكيد أنهم ينتمون الى أصول مختلفة فأصبحوا بعد أن كانوا مستعمرين للانجليز أقوى وأكبر دولة فى العالم فلماذا لا نجمع انفسنا واستمرار وجودنا فى الشرق يفرض علينا ذلك قالوا : أنتم مختلفون ، وليست لكم ثقافة اجتماعية راقية ، تجعلكم أهلا لاجتماع الكلمة فان اجتمعتم
اختلفتم اختلافا آخر أدهى وأمر من اختلافكم هذا !
وهكذا ظلت الوحدة العربية العامة أحلاما فتانة فى أنفسنا !
أما اليوم فالوحدة العربية العامة أصبحت حقيقة ملموسة انطلقت من مصر مجلجلة هازجة تهز المشاعر ، وتتغلغل فى أعماق القلوب عقيدة مقدسة وفكرا اجتماعيا نيرا ، وعملا مجيدا مؤثلا ، وقد اخذت طريقها الى الحياة بكل عزماتها وتضحياتها وقواها وهواتفها الرنانة الخالدة
الجامعة العربية
كانت الجامعة العربية بالأمس سقطا مسيخا ، تنتكس فيه الحياة الاجتماعية شر انتكاس ، وكانت مؤتمراتها ومقرراتها كسراب خداع بصحراء، كل هباته لحياتنا الاجتماعية الحريق والظمأ والاملاق والموت .
أما اليوم فالجامعة العربية أخذت توطد أعمالها على منهج الثورة الاصلاحى ، فحياتنا أصبحت حياة الوليد الطبعى الذى يقتحم طريقه الى الحياة التكاملية القوية بانسجام وتتابع ، وما موقفها الموحد القوى حيال قضية القناة الا آية ذلك .
الدين . .
كان الناس بالأمس بعيدين عن المثل العليا التى أوحاها الله فى القرآن المجيد لاسعادهم وقوتهم وحريتهم وهداهم ، كل البعد ، وكانوا مكتفين بالتقاليد الدخيلة وأساطير الوثنية
الادبية ، حتى أصبح التدين مظاهر وثنية فى أعمال الحاكمين تفتن الشعب وتخفى عنه روح القرأن ، وما كان عليه السلف .
أما اليوم فقد صرعت الوثنية الادبية فى أعماق القلوب وطرحت باطيلها تحت الاقدام ، وعاد الحاكمون والمحكومون الى مثل القرآن العليا فى السياسة والاجتماع والاخلاق والاعداد والتمجيد عادوا اليها يكتشفون كنوزها القيمة ، ويهتدون بأضوائها وأهدافها التقدمية التحررية السامية فى مسالك الحياة الاجتماعية الفردية .
فلا خيانة ولا تواكل ولا جبن ولا غفلة ولا ترف ولا شح ولا استهتار بعد اليوم . الجميع مؤمنون ، والجميع مؤمنون على أكمل ما أوصى به الله فى القرآن المجيد من استقامة وعدل وحرية وتفكير واعداد وجهاد واجتماع كلمة وايثار وعفة وتواد وصدق ويقظة وانتباه .
الروح الحربية الدفاعية
قد انحلت الروح الحربية الدفاعية فى مصر بعد أحمد عرابى وصحبه الابطال ، الى حال مؤسفة تنذر بالزوال .
فكنا نرى الأسر الغنية تفضل تقديم العوض المالى على تقديم أبنائها لشرف الدفاع عن حرية الوطن وعروبته واستقلاله وعزته وامجاده ، ونشاهد الاسر اللائى يعجزن عن تقديم العوض المالى ، تقدم أبناءها بالعويل واللطم !
أما اليوم فقد طرحت بودقة الثورة المصرية الزيف والاختلاط وعاد ميراث الشعب المصرى العسكرى كأقوى وأنبل وأشد ما كان .
بطولة مغامرة ، وعروبة حماسية وشوكة مسلحة وفنونا عسكرية حديثة وعددا ، واقبالا على الجندية والتدريب بكل بسالة وشوق واقدام واشتهاء عجيب للموت فى ساحات الشرف .
وكم من عزة مفرحة تستقبل المجتمع العربى حين تشاهد الشعب المصرى اليوم اليوم معسكرا ذا ثلاث شعب ١ - شعبة الجنود ٢ - وشعبة الحرس الوطنى ٣ - وشعبة الكشافة والجوالة
الفلاحون
كان الفلاحون بالامس عبدانا يجهدون الليل والنهار لتأمين آثام المترفين العاطلين الذين يحملون ما ينتجه الفلاحون من ثورة مصر الى مواخير أوروبا وحاناتها ويطرحونها تحت أقدام مومساتها غير مبالين بما يزرح تحته من شقاء وحرمان وبؤس وجهل أولئك الفلاحون الذين خلفوهم وراءهم بسبب كفرهم بحق وطنهم عليهم .
أما الفلاحون اليوم فهم الدولة بل هم القوة التقدمية العاملة المصلحية المناضلة ، وعلى الرغم من النفقات الضخمة الملقاة على عاتق الدولة ، من جراء الاعداد والتحصين والتدريب فانها استطاعت أن تؤمن للفلاحين أسباب الوقاية الصحية ، وأن تعمم
التثقيف وأن تيسر رخاء العيش وأن تملكهم الارض بالقدر المستطاع
والواقع أن قادة الثورة استطاعوا أن يحققوا للفلاحين المثل الاعلى التقدمى الذى نوه به رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحيا أرضا مواتا فهى له )
فحصروا تملك مزارع مديرية التحرير فى المزارعين أنفسهم .
المرأة . .
كل ما كانت المرأة تعرفه عن واقعها أن المجتمع أعدها لتهىء نفسها للنيل الجنسى ، فهى بحكم ذلك الاعداد الرجعى المنحط أصبحت بصيرة بابراز مواطن الفتنة من جسدها قادرة على الاغواء والاغراء دون أن يؤنبها ضمير أو يعصمها قانون ، أو يصدها حياء ومن أجل ذلك كانت تنفق كل أوقاتها التى هى قوام سلامة الأمة ، وملاك اخلاقها ودعائم شوكتها وثروتها وثمن أمجادها ، تنفقها فى اكتشاف الوسائل التى تتمكن بها أن تنحط بمعنويات الشباب الأبية الصاحة الى بؤرة الغريزة الجنسية .
فهل يرجى من امرأة تلك تربيتها وهذه أطماعها فى الحياة أن تخرج للامة جيلا مثقفا واعيا مجاهدا مضحيا ، أو هل يرجى منها هى نفسها أن تكون كذلك .
ولم يكن يومئذ قانون يعصم سلوك المرأة على الوجه الصالح لخير الامة وسعادتها وشوكتها . . ذلك ماضى المرأة ، أما حاضرها فالثورة فرضت عليها شطر الكفاح لأن الكفاح عزة
الحياة أو ذلتها لابد أن يصيبها شطرها وعزائم المرأة اليوم منصرفة :
١ - الى خلق المنزل العربى الاجتماعى المثقف المهذب
٢ - والى السهر على تربية الجيل الجديد على تقدير قيم مسؤوليات الحياة العزيزة المعدة للنضال والانتصار .
٣ - والى اعداد نفسها تتزود عن الوطن فى ساعة العسرة شأن جداتها تماضر الخنساء، صفية بنت عبد المطلب خولة بنت الازور . . رفيدة . .
أجل أصبحت المرأة اليوم بفضل مبادئ الثورة ارادة خبرة ، وقوة فنية مدربة ، وفكرة اجتماعية نيرة ويقظة واعية لكل ما تأخذ أو تدع، واستقامة وتضحية واخلاصا فى اعطاء رجلها وبنيها حقهم ، مع الاحتفاظ بحق أمتها العربية كاملا غير منقوص .
والذى جعلنى أعتقد أن التوفيق مواكب النهضة العربية الحديثة التى يرفع اعلامها أبطال الثورة فى مصر ، هو أن المرأة الرجعية التى كانت تنفق كل أوقاتها من أجل الغريزة العمياء عدمت من كل مكان ، وحل محلها امرأة الثورة بعزائمها باخلاصها ببطولتها باقدامها بعروبتها بفهمها للحياة العزيزة وما تفرضه الحياة العزيزة من تضحيات .
الصحافة
عمل الصحافة فى كل مجتمع هو توحيد كلمة شعوبه ، والذود عن حقهم فى الحياة الحرة الشريفة ، والسمو بثقافتهم ولغتهم وأدبهم وفنهم
وتوجيههم الى الرشد فى كل أعمالهم ودفع الاخطار عنهم ، والنهوض بهم من الحسن الى الأحسن .
أما صحافتنا العربية ، فقد كنا نسمع عنها بالامس - ونحن طلبة بالجامعة الازهرية - أن الاهرام سياستها افرنسية ، وأن المقطم سياستها انجليزية ، وأن الهلال سياستها امريكية ، وأن . .
ومن أجل ذلك كانت الصحافة بالامس لا تخلو من كلمات شعوبية ممزقة لوحدة المجتمع العربى وشعوبه ومن الحط من ثقافته وتشويه تاريخه ومن اندس على المثل العليا التى أوحاها الله فى القرآن المجيد لاسعاد الانسانية جمعاء وسلامها وتفاهمها واصلاحها
أما الصحافة اليوم فهى توجيه اجتماعى عربى سامى . . وكفاح جبار فى سبيل حرية الشعوب العربية واستقلالها واجتماع كلمتها ، ونضال واسع المجال عن مبادىء الثورة العربية الحديثة فى مصر التى يحمل لوائها جمال ورفاقه الأبطال الاجتماعيون بل التى يحمل لوائها كل شاب عربى فى كل أقليم من اقاليم المجتمع العربى أى هى اليوم عربية مادة ومعنى . . وللعرب وحدهم . . وويل لليد التى تمتد هنا أو هناك لتأخذ ثمن تمزيق الشعوب العربية والقضاء على تفاهمها وتوحدها واجتماع كلمتها ودس سوء التفاهم بينها ، انها تقطع وتلقى فى النار . .
وما يقال عن الصحافة يقال عن الاذاعة والسينما وكل وسائل النشر والدعاية . .
كنت أعهد الاغانى خليعة ماجنة مفعمة بالميوعة والفحش والاستهتار بحقوق الوطن والبطولة والتضحية والاقدام كأغانى «محطة الشرق الادنى» التى لا تنفك تهدم مثاليات العرب من بطولة واقدام وعفة واستقامة وغيرة على الاعراض وذود عن حقوق الفرد والجماعة .
أى شأن كل أغانى الأمس . . التحريض على اشعال بواعث غريزة الميل الجنسى والهيام بها والتضحية والفداء من أجلها وانفاق الوقت . . وصرف الاموال فى سبيلها والاستهانة بكل شىء سواها . .
أما أغانى اليوم فانها اقتحمت حلبة البطولات ونزلت فى ساحة
الوطنيات وأكبرت العروبة وشعوبها وقدست اجتماع كلمتها وتوحيد رايتها وترنمت بأمجاد ماضيها ومستقبلها وتنادت باقتحام المعضلات وشد العزمات والشوق الى التضحية والفداء ، وهذا عين الفارق بين تمثيليات الأمس واليوم ما خلا تمثيليات المحطة المعلومة التى توغل فى التهتك وكشف الاستار وتحطيم مبانى الكفاح فى الشباب ، وكلما أوغل قادة المجتمع العربى المفكرون فى الدعوة الى القوة والتماسك والفداء من أجل أمجاد الوطن العربى الاكبر وعزته وكرامته وصيانة حقوقه حفظ موارده أوغلت هى فى شأنها ! ! . . وشأنها مكشوف للعيان !

