وهل أتاكم نبا الفاجعة ؟ فاجعة الادب فى علم من أعلامه ؟
لقد نعت الينا الاذاعة والصحافة مصطفى خريف فى وقت كنا ننتظر فيه خلاصة من الداء وتماثلة للشفاء فعز منعاه على كل مواطن وعظمت البليه فى ان جاء منعاه بعد شهرين من وفاة علم آخر من اعلام الجريد هو الاستاذ محمد بو رقعة . مات مصطفى خريف ولكن أدبه لن يموت .
وروحه الكبيرة وقلبه الرحب واحساسه المرهف سيظل ماثلا فى أنفسنا وفي ذاتنا الى الايد ولئن نام خريف فى واحة نفطة واعيد اليها جثمانه طبق ارادته فان شعره ونثره وجهاده الصامت يعيش فى جوانحنا وفى افئدتنا وفى أعماقنا وتمتد انواره الى الاجيال البعيدة لتقول : هاكم اقرؤوا كتبى ، هاكم اسمعوا أناشيدى .
ولئن كان يوم 11 مارس 1967 يوم نكبتنا فى الفقيد يوما من ايام حدادنا الادبى فانا سنجعل منه يوم انطلاق للاشادة بفضل هذا الرجل علينا وتقدير ما عمل من اجله فقيدنا العزيز .
ولا اريد ان اضفى هالات التقديس والاكبار والقى آيات التقدير جزافا فشاعرنا الفقيد من هؤلاء الذين عاشوا من اجل فنهم وامتهم ونشأوا نشأة خاصة وتعودوا على نظام لم يألفه غيره . يقول عنه زين العابدين السنوسى فى كتابه الادب التونسي في القرن الرابع عشر ( عرفنا الشيخ مصطفى خريف زائرا للنادى الادبى حيث يجلس صامتا طيلة مباحثات الادباء لا ينبس ببنت شفة ولا تحرك رئتاه الهواء اذا استثنينا ركونه بين الفترة واختها للذى يحاذيه يسر له كلمة الى ان زارنى يوما فى مكتبى الخصوصى وبين يديه قصيدة بعرضها للنشر فاذا انا اكتشف فيه الشاعرية الجذابة والنفس اللطيف واذا به يطلعني بين الفترة والأخرى على المقاطع الحساسة والقصائد المنمقة . لقد ولد صاحبنا بمدينة نفطة 1909 وقرأ القرآن فى الكتاب ثم جاء العاصمة
وبدا حياته التعليمية فى المدرسة القرآنية واخيرا التحق بالمعهد الزيتونى 1926 واخذ العروض عن امير الشعراء خزنه دار فى المعهد الخلدونى فجاء ادبه لطيفا جذابا )
ذلك ما قدم به السنوسى لشخصية شاعرنا الراحل ولمقتطفات من شعره الباكر اما مجلة الثريا فقد قدمت الشاعر مصطفى خريف فى بابها ( هل تريد ان نعرف ) بالعدد السادس من السنة الاولى الصادر فى جوان 1944 وقالت عنه "لا هو من الاقزام ولا هو من العمالقة شاعر ولا يعلم انه شاعر ليس بثرثار , فات عقده الثالث يقليل ( وهذا عام 1944 ) لا يحب المال ولا يعرف سبيل جمعه وتوفيره - يعيش دائما فى غيبوبة لذيذة بسيطة لا تضر ولا تنفع نور الشمس يؤذيه ولم يقدر لاى كان ان يشاهد سواد عينيه لان بهما حجابا كالحجاب الذى ينزله الهر اتقاء لضوء النهار يكفيك ان تسلم عليه لتحظى بالابتسامة " والنكتة" والسيجارة الاجنبية حضرنا جميعا دروس المدرسة الاهلية وجمعتنا حلقاتها مدة سنتين ومضت على ذلك 15 سنة ولكنه لم يتبدل فلم يشأ ان يمتد ولم يشأ ان يقصر ولم يشأ ان يضعف ولم يشا ان يسمن لا تبديل فى طباعه ولا فى زيه وقد جمع الى تبحره فى اللغة نفسا شعريا متينا وفكرا خصبا لا تلهيه متاعب الحياة حظه من الدنيا ان يسمع الاستاذ العربى الكبادى فى مجالسه وان يحلق بخياله مع دخان السيجارة او غير السيجارة وان يخلص الحب للشعر ولتونس وللاصدقاء وان ينظم القصيد متى واتته الظروف ) مطالعته دواوين الشعر والكتب الاندلسية ، واثاره مجموعة فى ديوانه ( الناعورة ) (ويبدو ان هذا كان الاسم الذى اراده الشاعر لديوانه ثم عدل عنه ) .
( واعماله الصحافية اقتصرت على التحرير فى السرور وفي الثريا الآن الى ان يقول صاحب المجلة ( اما شعره فقد بوأه مكانا عليا وقطعته الحديد من ابدع ما طالعه الناس فى الشعر التونسى الحديث وقد ذكر فى حقه شيخ الادباء ( انه احق من يتبوأ مكانة الشابى ) .
وقد عرفت به عكاظية تونس فى حلقاتها وبعد ان ذكرت تاريخ ولادته ونشأته واطوار تعلمه مما يتفق مع المصادر المتقدمة قالت : ( لم يتخذ طريق العلم وسيلة وانما تعلق به على اعتبار انه غاية ومقصد وعزف عن عبودية الوظائف التى يجعلها الاخرون غايتهم من طلب العلم ) وقالت عن مؤلفاته وبحوثه ( اسهم الاستاذ خريف في النهضة الادبية بتونس ونشرت له المجلات - والجرائد الكثير الطيب من الادب وترجم له الاستاذ السنوسى فى الجزء الثاني من مجموعة الادب التونسى فى القرن الرابع عشر الهجرى ونشر طائفة من شعره ) وقالت عن نشاطه ( وهب الاستاذ خريف نشاطه وشبابه وحتى حياته للادب والفن فملا فراغ النوادى التى تأسست فى تونس وواكب الشباب الصاعد يشد خطاه ويماشى هوايته الشعرية بلطفه الساحر وادبه الجم ، ورفض فى اباء ان يكون
الاديب المحترف وان يتطلب ولو كفاف العيش من وراء انتاجه الادبى ، وقد تعرض الى قسوة الحياة وواجهها جلدا مبتسما ولم يتخل ابدا عن مجده الفكرى وكرامته الادبية يهوى الجلسات الادبية فى اشراقة الشمس او حلكة الليل فى قاعات النوادى او على مقاعد المقهى ويصبر على الاستماع لكل ما يقال من الشع قديما وحديثا ويحيا حياة الشاعر بكل ملابساتها وخصائصها ).
وعن المهام التى تقلدها الاستاذ خريف تقول العكاظية ( لا يمتاز الاستاذ خريف بدراسة الادب الشعبى وحفظ جانب مهم منه وقد دعى ليشرف على مصلحة الادب الشعبي ثم دعي لادارة حصة هواة الادب بالاذاعة . وتخرج على توجيهاته كثير من ادباء الشباب واشارت العكاظية لاسلوب الشاعر فقالت (يجمع شعره بين متانة اللغة وجمال الديباجة وحلاوة التصوير وينهج فى اسلوبه منهج ائمة الشعر ملتزما طريقة السهل الممتنع وقد تناول الاستاذ محمد الفاضل ابن عاشور فى كتابه ( الحركة الفكرية والأدبية فى تونس ) فى صفحة 214 فى حديثه عن الشعر قيمة الشاعر خريف حيث يقول ( واما الشعر فان مادته الحماسية قد اكتملت فاكتمل فيه مظهر الجزالة والقوة واسلاس التراكيب الفصيحة الفخمة وابتداع القوافى الاخاذة والمعانى العميقة والصور الرائعة وقد عاد اليه الهادى المدنى بعد طول الانقطاع وعلا فيه نجم مصطفى خريف الذى تركناه فى مشرقه قرينا للشابى وظهرت قصائد هذين الفحلين فى صورة " الملاحم القومية السامية " الروح المتينة النسج الشريفة المعانى تاخذ من الاحداث وروح المجامع معانيها المجردة فتطرد فى وضعها والاشادة بها وترفيع مغازيها الروحية السامية حتى أصبحت بحق روح الشعور القومى وصورة العالم المثالى المشرق الذى اضاءت بأنواره بصائر الداعين الى القومية الكبرى وصدق فيها بلوغ الشعر فى هذه الحقبة اوج كماله ) .
وهكذا تتلاقى آراء الكتاب والباحثين فى تقديم شخصية خريف وهكذا نجد انفسنا من جديد مضطرين لان نضيف الى هذه التعاريف بعض الاضواء التى تزيد هذه الشخصية تعريفا . ففي ميدان النشر كان للاستاذ خريف مجال كبير يتنفس فيه قلمه ، فقد شارك فى أغلب صحفنا ومجلاتنا وبالاضافة للابواب التى كان يكتبها بالعمل كباب ( نحن نمشى ) وباب ( قطائف من اللطائف ) وبالاضافة لتعليقاته الاذاعية بحصة هواة الادب ، فقد كان شاعرنا ينشر بمجلة ( الثريا ) دراسات عن الادب الشعبى وينشر صفحات من ( اوراقه ) ومن اروع ما كتب فى ( الثريا ) ( بلاغة القرآن فى الشعر ) . .
وان المتتبع لاسلوب خريف فى النثر يراه اسلوبا يعتمد النصوص وحسن الانتقاء وكثرة الرواية وغزارة الاحاطة بالادب والتاريخ وقد تراه يجمع الخواطر والافكار والنوادر ويسوقها من غير رابطة بينها . كما كان يفعل فى ( القطائف واللطائف ) وفى عالم الشعر حيث كان شاعرنا كثير التنقيح لشعره وكثير
التردد فى اختيار الفاظه وعباراته وفى اختيار اسماء دواوينه فقد كان ينوى بعد ان ظهر ديوانه الاول ( الشعاع ان يشفعه ( باللهيب ) ثم ( بالرماد ) لكن رايناه يعدل عن ذلك اخيرا ويطبع شعره فى ديوان عام سماه ( شوق وذوق ) فى عالم الشعر كانت صولات خريف وجولاته مشهورة موفقة واذا كان بعض الشعراء يميلون فى مقدمات دواوينهم الى التواضع فى الاعلان عن قيم انتاجهم فان خريف على عكس ذلك كان يعتز بشعره وبفنه ويغار على انتاجه وهو الذى يقول فى مقدمة ( شوق وذوق ) ( انى اهدى اليك أيها القارىء تحفة عزيزة على وغالية استطيع اخفاء ذلك فمفهوم ان هذه المجموعة تعتبر متواضعة فى حجمها فى وزنها المادى فى عدد القصائد والابيات والكلمات ولكنى انا غير متواضع فى الاحتفال بها وفى تقدير ما اعرف لها من قيم مختلفة ) ويحب الشاعر ان يقدر الناس انتاجه ويحترموا مجموعته فيقول ( إذا لم يظفر كتابى باعجابك فلا اشك فى انه سيرمى بتعجبك وهو امر مرضى طموحى ففيه البركة ) ويتعرض الشاعر فى مقدمة ديوانه الى عدم تنظيم قصائده غرضا وتاريخا ناسبا ذلك مرة الى مرضه ومرة الى تشويق القارىء واغرائه بالتنقل من جو الى آخر واقسام الديوان تتعدى الثلاثة فقسم للحماسة وقسم للصبابة وقسم من هنا وهناك ولكن مواضيع هذه الاقسام هى مواضيع الحياة بأكملها هى عناصر حياة الشاعر وتأملاته هى معانى الايمان بالحياة وبالطبيعة وبالحضارة وبالوطن وبالفضيلة وبالانسانية ينظر الشاعر الى وطنه فيتقدم الى باعث الحياة فى ارجائه قائلا :
الم تخبره انى ذكرت خياله يرف حواليه الهدى ويحوم
وفى كل قلب طلعة من بهائه تضئ شموس حولها ونجوم
أفاد بلفظ الحب ملك رقابنا وللحب حكم فى النفوس قديم
ويتقدم للرئيس بقصيد ( قربان الدم ) هاتفا :
سلام الله للبطل المفدى وتسليما لمذهبه وعهدا
وآيات من الاخلاص تتلى ودينا عن كواهلنا يؤدى
سلاما للذى احيا وابدى وساق شوارد الآمال وفدى
سلاما للذى اقتحم الدواهى فخر لهولها الاجبال هدا
وانك لتلتمس فى قصائد خريف دعوة لوحدة المغرب العربى فهذا قصيد فى ذكرى ابن باديس يقول فيه :
حيى الجزائر فهى قلب المغرب واهتف لفتيتها الكرام ورحب
وهذا قصيد يرحب فيه بوفد المغرب الشقيق هاتفا :
تحيات شوق لا تعد ولا تحصى من المغرب الادنى الى المغرب الاقصى
وفى صفحات الصبابة الوان معبرة عن ألم الشاعر وامله عن اشواقه وميوله وعذابه النفسى . .
ومن قصائده فى الطبيعة ( اشواق ) تلك القطعة الرائعة التى يتحنن فيها لمواطن صباه ويصف اسرار جمالها ومواقع سحرها ويختتمها بالبيتين اللذين عدا وصية منه ليدفن فى تلك البقاع وهما :
تلك الفراديس اهواها وساكنها وافتديها على بعد وتفدينى
يا اهل ودى ان غال الردى جسدى ففى رطيب الثرى منها اعيدونى
نعم يا مصطفى ، ها انت تنام فى بلدتك ( نفطة ) بل فى فردوسك الذى هويته وتمنيت ان تعود الى رطب ثراه فرحمك الله بقدر ما عملت واسديت لبلدك تونس وللادب العربى على الاطلاق - وسقا تربتك من شآبيب رحمته ورضوانه .
هذه كلمة عاجلة عن حياة خريف وحياة خريف فى حاجة الى دراسة شاملة وتحليل مطول لا يتسع له مجال هذه العجالة والسلام .
