عبقرية الرافعى
يمتاز العباقرة فى العالم بسمات كثيرة ، منها الشذوذ ، وحب الانفراد . فالعبقري شاذ لأن مسالك حياته غير المسالك التى يصطلح عليها كافة الناس ، ويسيرون في اتجاهها :
فهو لا يقيم للاوضاع التى يتعارف عليها الناس وزنا لأن طبيعة العبقرية فيه ترتفع به عن هذه الأوضاع . فلا يعود ينظر اليها بنفس النظرة التى يتألف عليها بنو الانسان . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى لأنه منصرف دائما الى عالم النفسى العميق الذي يوحى اليه بكل ما يكمن فى تلك الطبيعة العبقرية .
والعبقري يحب العزلة لأنه غنى بعالمه العظيم منصرف اليه . فالذي يملك الحديقة الغناء التى تتآلف لديها كل محاسن الحدائق من نضارة وبهجة وجمال وفن الى غير ذلك ، يلجأ إلى الحدائق العامة التى يرتادها مختلف طبقات الناس .
ومن الغريب ان شذوذ العباقرة اكثره مضحك يشبه اعمال الاطفال والمجانين . فقد تعود ( اينشتين ) مكتشف نظرية النسبية ان يبتاع الحلوى المثلحة " ويأكلها بلذة وشغفف كأنه طفل كبير " ، وكان تولستوى يعذب امرأته كثيرا ويضطهدها كثيرا ، وكان اناتول فرانس إذا قصد الحدائق العامة - فى فترات النزهة -
يتخذ مجلسا قصيا بعيدا عن ضوضاء الناس . فيقضي فيه ساعات طوالا يدون في اثنائها خواطره واراءه ، ومن الغريب انه لم يكن يدون تلك الخواطر والآراء الا على قصاصات الاعلانات والمناشير . وكان نيتشه كلما تذكر السوبرمان ( الانسان الاعلى ) يبكى بكاء مرا . وكان أحد العباقرة كلما هم أن يكتب أو يؤلف يعمد الى غرفته فيغلق نوافذها ويسدل ستائرها ثم يضئ مصباحه ليوهم نفسه انه فى جوف الليل .
وكذلك كان الرافعي شاذا على اوضاع المجتمع ، محبا للعزلة والانفراد . لقد كان للرافعي رأى فى المدينة الحديثة . ولذلك فقد كان يحب التفرد والإنصراف - عنها الى نفسه وعالمه . كان ابعد ما يكون عن المدن التى تنشر عليها المدنية ظلال الريبة والاثم وان كان قريبا منها بعض الشئ جسما وهيكلا .
ولذلك عاش الرافعي مغمورا فى بيئته ، ولم يحز من مناصب الجاه ما حازه من هو دونه أدبا وعلما وتفكيرا . وشذوذ الرافعي شذوذ العباقرة الممتازين ، ذلك الشذوذ الذي يجيء . فيصحح به خطأ فى الحياة ، أو يجعل منه قانونا تحدبه اشياء كانت من قبله فى فوضى واضطراب . ويكفى ان نذكر من ذلك قصة حبه وموقفه من ذلك الحب بين ما يرضى زوجته وما يرضى حبيبته . موقفا لا يعد في نظر الكثيرين الا نوعا من الغفلة أو البلاهة .
هذه بعض حالات في حياة الرافعي العظيم ، قد يفسر بها طرف من عبقريته ، ولكن لا يمكن ان تؤيد بها تلك العبقرية العظيمة . انما الذي يصح ان نستند اليه فى التدليل ، هو آثاره الأدبية القيمة التى تضارع أسمى ما انتجه الذهن البشري من كنوز الأدب والمعرفة :
فأما إذا أردنا ان نبحث عن عبقرية الرافعي ، فيما خلف من ثروة أدبية . فأننا نجد أن تلك العبقرية العظيمة تتجلى فى ناحيتين منها . تتجلى فى الناحية الذهنية ، وتتجلى في ناحية البيان .
فأما الناحية الأولى ، وهي الناحية العقبية ، الرافعي يعد بحق عبقري الذهن عبقرى الخيال ، ممتد الآفاق لا تحده حدود ، فقد وهب الله الرافعي ذهنا
جبارا يصنع المعانى ويبتكر التعابير ، على نحو يقف امامه الفكر الانسانى حائرا خاضعا
لقد امتاز الرافعي بهذا الذهن المبدع ذي الملكة القوية فى الاستبكار والابداع . والاستعداد العظيم فى الصقل والتوشيع . فلما اتيح له أن يدرس الأدب العربي القديم ، أنشأ فى دنيا الأدب كنزا لا يغنيه الاقتباس ما عمر الدهر .
بين يدي الآن " وحي القلم " وهو كتاب للرافعى حشد فيه روائع بيانه ، وملهمات فنه ؛ وقنونا من التعابير التى ابتكرها ذهن عظيم متفتح الافاق مضئ الجوانب والانحاء . يكفيك أن تقرأ هذا الكتاب لتقرأ الرافعي الأديب ، والرافعى الفنان . والرافعى الفيلسوف ، وبالاجمال تقرأ فيه الرافعي امام كتاب الجيل الحديث .
خذ مثالا لذلك ( الجمال البائس ) ، وهي سلسلة مقالات كتبها فى راقصة حسناء ساقها الفقر والهوى فاندفعت الى الحضيض . فما تنتظر من الكاتب ان يقول فى مثل هذا الموقف ؟ .
قليلا من الاسف والجزع على هذا الجمال الذي اصبح طعمة للماضغين . وقليلا من الاسف على نضارة العمر ، وربيع الحياة تعبث بها ايدي المستهترين ولكن الرافعي اعظم من ان يقف عند هذا الحد . لقد كتب فى هذا الموضوع ابحاثا متسلسلة ، تناول فيها بالكلام ، البيئة والحياة ، وانتقل الى الغرائز الجنسية ، والى العلاقة بين النوعين واتجاه كل منهما نحو الآخر ، ثم الى الاخلاق والفضيلة . وتناول عواطف المرأة بالتحليل فنفذ الى اعماقها مستكشفا باحثا بذهن نافذ وقاد . يصور لك المرأة الفاضلة تستقبل حياتها واسرتها فى حدود منزلها بعيدة عن ضوضاء الرذيلة ، فهي ملكة على عرش الاسرة . ويصور لك المرأة المستهترة تترك وراءها الاسرة وحياة الامومة لتنغمر فى محيط الرذيلة ، فهي ما جنة مستهتره .
وهكذا يغوص الرافعي في اعمق الاعماق منتقلا من منطقة الى أخرى ، حتى لتحسب الرجل قد تاه فى محيط ليست له حدود . وهذه هي الميزة الواضحة فى أدب
الرافعي . فهو لا يكتفى بالنظرة السطحية يلقيها على عواهنها ، ولكنه يسدد النظر نحو الاعماق ، فاذا بك أمام عالم مكتمل بظلاله وآفاقه وفصوله الاربعة :
على ان الرافعي لم يدرس الأدب الغربي دراسة عالم مطلع على اسراره ، ولكنه مع ذلك قد تفوق ببصيرته وخياله ، على كثير من الذين تشبعوا بالأدب الغربي وهذه ميزة أخرى تدل بحق على عبقرية الرافعي العظيم
اما عبقرية الرافع فى التعبير : فالرافعي طريقته الخاصة التعابير الادبية الفنية . وقد وهب الرافعي بيانا لا يضارعه فيه الا القليل من فطاحل أدباء مصر ، أمثال الاستاذين العقاد والزيات . وهب بيانا اشبه بالريشة البارعة تلقي على اللوحة الظلال والالوان والاضواء على نحو منجم يفتح امامك مغالق الكون ، ويفتح بين يديك اسرار الطبيعة الساحرة
وكما يقول سعد زغلول مقرظا أحدى مؤلفات الرافعي ( في بيان كأنه تنزيل من التنزيل : قبس من نور الذكر الحكيم ) ( له بقية ) مكة - سيف الدين عاشور
مطبوعات ثمينة
مجموعة النظم ١ - قسم القضاء الشرعي ٢ - قسم الصحة العامة والاسعاف كانت إدارة جريدة أم القرى الغراء ومطبعتها أهدتنا المجلد الاول من مجموعة النظم الخاص بالقضاء الشرعي حين صدوره ، ثم أهدتنا أخيرا المجلد الثاني من هذه المجموعة القيمة وهو الخاص بالصحة العامة والاسعاف ، والمجلد الاول حافل بجميع الانظمة الشرعية المعمول بها فى بلاده هذه المملكة ، والمجلد الثاني حافل بالانظمة والتقارير والتعليمات الصحية بما فيها الاسعاف ، وكلاهما مطبوعان بمطبعة أم القرى طبعا جيدا جميلا على ورق صقيل في قطع متوسط ، فنوجه اليهما الانظار ونرجو لهما الرواج والانتشار ونشكر لأدارة أم القرى هديتها القيمة وعنايتها الطيبة بترقية الطباعة

