ما احسب أنى قرأت للرافعى من قبل قراءة تأمل وشعور كما قرأت له الآن وما انتهى الرافعى فى نفسي - من قبل - الى مثل هذه المكانة التى انتهى اليها الآن
هذه حقيقة مرة مؤلمة بدا لى خطؤها يوم ان استكشفت هذه الشخصية الادبية الثرة بالحياة والفن فما وسعنى الا أن اهتف من الاعماق مرحبا بهذه العظمة الفكرية السامية
ماذا أقول؟ لقد سررت بهذا الاكتشاف كل السرور. سررت به لاني استطعت ان أسمو بتفكيري فاتبين فساد تلك الصورة العكسية التى كانت تحتل فى نفسي ما تحتله العقيدة الراسخة.
وسررت به لانى كسبت في عالم الادب اديبا ممتازا يعد بحق فى طليعة الادباء الممتازين، بل ماذا أقول؟ لقد كسبت أديبا وفنانا وعالما وفيلسوفا، لقد كسبت الرافعى رحمه الله
فهل يغضب المتعصبون على الرافعي لاني منحته كل هذه الالقاب انا نفسى كنت من المتعصبين على الرافعي - رحمه الله - وان السبب فى هذا ليرجع الى تلك الصورة الاولى التى تركزت في مخيلتي عن هذا الاديب الكبير فما كنت أتصور الرافعي أديبا موهوبا، وفيلسوفا عظيما، وفنانا طليقا، ولكنى تصورته من عشاق الالفاظ والتراكيب.
ومعذرة الي اصحابنا الرافعيين، فأنما كان هذا رأيا قديما لم يستطع ان يثبت مع الايام اذ سرعان ما طغت علية عظمة الرافعى فانتزعت من نفسى تلك العقيدة التى لم تصدر عن المام تام بأدب الرافعي ومواهبه الفنية البارعة. ولست آسف على شئ أسفي على تجاهلى - طيلة تلك المدة - هذا الكنز الأدبى الثمين الذي قل ان يجود به ادب هذا الجيل.
فليس الرافعي من عشاق الألفاظ والتراكيب - كما كنت أعتقد - ولكنه فنان مبدع يلهمك السمو في الذوق والفكر والاسلوب.
قلت ان الذي صرفني عن القراءة للرافعي اني كنت أتصوره من عشاق الالفاظ والتراكيب المبهرجة. ولكن بغض بعض الناس للرافعي لا يقف عند هذا السبب فقط. بل يتجاوز الى اسباب أخرى
فمن الأدباء من صدف عن الرافعى لزعمه بانه رجعى التفكير لا يتناسب ادبه مع الذوق الأدبى الحديث.
ومن هم من صدف عنه لانه يدعو الى الدين ويحث على الفضيله.
فاما ان ادب الرافعى لا يتناسب مع الذوق الادبي الحديث فهذا خطأ ما بعده خطأ فالرافعى اديب عصرى وفنان بارع ممتاز وقليل من أدباء عصره من يجاري الرافعي في هذا المضمار. وان من يقول بعكس هذا فانما هو ضيق الذهن لم يهئ له بعد ان ينفذ الى صميم أدب الرافعى او يمتزج بروحه الفنية الساحره.
اما لما جعلوه الرفاعي إلى الفاضيلة الى الشاق فى سبيلها فلا ينبغى ان يكون داعيا الى الزهد فيه والانصراف عن ادبة الرفيع. ذلك لان الرافعى وان كان يحث
على الفضيلة ويدعو اليها، الا انه لم يسر في هذا على نفس المنهج العتيق الذي يسير عليه كثير من الوعاظ والمرشدين
وبين الرافعي وبين ذلك النوع من الوعاظ ودعاة الفضيلة فروق هائلة لا يستطيع تجاهلها من قرأ الرافعى قراءة تأمل وامعان
فمن المعلوم ان هذا النوع من الوعاظ انما يعمد في اداء رسالته الى صورة واحدة مألوفة لا تعتمد فى اكثر الاحيان الا على رنين الالفاظ وفخامة التركيب. ولذلك فهم لا يستطيعون ان يخلدوا فى الضمائر آثار مواعظهم الى اكثر من الزمن الموقت الذي ينتهى آخره عند فراغ الواعظ من حديثه الطويل.
اما الرافعي فله أساليبه البارعه التى يحتال بها على الوصول الى اعماق الضمائر فيهزها هزا ويترك فيها آثاره خالدة خلود تلك الضمائر.
ومن هنا تظهر مواهب الرافعي الفنية حين يعمد الى الفضيلة فيزيدها نورا من نور. وفنا من نوره، وما يزال يرسم خطوطها والوانها حتى يضع فيها تلك الجاذبية التى تفعل بالقلب ما يفعله المغناطيس بالحديد. ويعمد الى الرذيلة فما يزال يجسمها ويجسمها ويزيدها قبحا وتشويها حتى تظهر في أقبح صورة يشمئز من رويتها الذوق والفكر ويمنع منها الحياء والدين.
فمن يقرأ مقالات الرافعي في الدعوة الى الخلق العالي، فانما يقرأ فنا بارعا يصور الفضيلة فى أجمل الصور الفنية فتتهافت لديها الضمائر، ويصور الرذيلة فى اقبح الصور فتنفر عنها الاذواق والافهام.
فيا روح ذلك الرجل العظيم الذي اسمه مصطفى صادق الرافعي تقبلى هذه التحية الخالصة، تحية الاعجاب والوفاء،،،
له بقية
