الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

مصير الثقافة العربية

Share

حرصت  كل الحرص أن أكون معكم اليوم فى افتتاح مؤتمركم هذا التاسع ، لشغفي ، منذ الشباب الباكر ، بالأدب عامة والشعر خاصة ، مما جعلني أميل ، في دراستى ، الى اختيار أحد مناهج الثقافة الأدبية ، على شدة ولوعي بالعلوم الرياضية .

وان أنس فلا أنسى ما حفظته ، فى ذلك العهد ، من قصائد مطولة ومقطوعات منتخبة ، من أساطين الشعر العربى ، أمثال السموءل والمتنبي وأبى فراس ، وغيرهم ممن تغذت نفسي من معين حكمتهم وجزل خيالهم وفياض مشاعرهم . وتلك رابطة بين المرء وقومه لا تعدلها رابطة ، فى أعماق ضميره ومنعرجات حياته ، مهما تقلبت به الأحوال .

وحرصت أيضا أن أحضر بنفسي جلستكم هذه ، لما يكتسيه الأدب فى نظري من أهمية بصورة عامة ، وفي العالم العربي بصورة خاصة .

فمن طبيعة الحركات الأدبية أن تكون دوما فى طليعة التحولات الثقافية والانقلابات الاجتماعية ، تمهد لها ، وتعبر عنها . وقد بدأت النهضة عندنا بتيارات ثقافية من أهم عناصرها الاطلاع على آداب الغرب والأخذ منها عن طريق الترجمة أو الاقتباس .

ذلك ما حصل في مصر والشام . وهو كذلك ما حصل في تونس بالذات بعد رحلة خير الدين الى فرنسا واطلاعه على مدى الرقي الذي بلغته اوروبا - وقد دون ذلك في كتابه المعروف بأقوم المسالك - وما عقب تلك الرحلة من إصلاحات فى المملكة لعل أهمها إنشاء المدرسة الصادقية التى قصد منها تخريج جيل جديد يجمع بين الثقافة العربية الصحيحه والاطلاع الواسع على علوم العصر ولغات الأمم المتقدمة .

ومما يشهد به التاريخ أن هذه المدرسة قامت بالاشتراك مع جامع الزيتونة ، بدور رئيسى فى تطوير الحركة الأدبية عندنا مع الحفاظ على اصالة الثقاة العربية ، التى ساهم فى تدعيمها أمثال ابن منظور وابن رشيق وابن خلدون .

ثم إنى كنت حريصا أن أشهد افتتاح هذا المؤتمر لاعتقادى أنكم ستخوضون في قضايا حيوية بالنسبة إلى الثقافة العربية لتوضيح السبل وتبيين الغايات . ولما كنت في بعض هذه القضايا ، أرى رأيا خاصا ، أحببت أن اتحدث اليكم ، على أسهم فى اشغالكم بما ينير بعض المعالم

وجماع هذه القضايا ، عندى ، مصير الثقافة العربية : أى منزلتها بين سائر الثقافات الناهضة ومستقبلها فى هذا العالم السريع التطور

تلك هي القضية الأم التى لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا ، ونحن نخطط لمناهج جديدة فى مختلف مجالات التربية والثقافة والتنمية الاجتماعية الشاملة .

ونقطة الانطلاق ، في كل ذلك ، ينبغي أن تكون إيماننا الراسخ بأن ثقافتنا العربية قادرة على الاضطلاع بدور تاريخي هام ، لا فقط بالنسبه إلى الشعوب العربية بل أيضا فى مستوى إنساني عام ، إذا نحن ، أبناءها المنتسبين اليها المتحملين لمسؤولية النهوض بها ، قوينا على النهوض بالمسؤولية ، وأحسنا فهم الواجبات التى علينا .

ولئن تركبت لنا عقد فى الماضي ، حيالها ، وخاصة إزاء ما يظهر لنا من ركودها بالقياس بما عليه غيرها ، فليس ذلك لعلة متأصله فيها ، وإنما هي أمراض تاريخية ، مردها إلى أحوال الشعوب ، وليست فى شئ ناتجة عن طبيعة كامنة أو أسباب دائمة قاهرة .

فتفاوت الامم في تطورها منعكس لا محالة على سائر أحوالها الاجتماعية والذهنية ، فيؤثر في كل ما لديها من أدوات حضارية ، من ضمنها اللغة والثقافة .

فليست الثقافة هي التى يصيبها الوهن فى جوهرها ، من شدة الهرم ، وانما هو تخلف الأمم تسرى عدواه إلى كل شؤونها ، فيضعف سلطان الفكر فيها ، وتعتل ملكة التعبير وتتقلص سيطرة الانسان على الطبيعيه ، تلك السيطرة التى هى من قوام الثقافة الانسانية عامة .

لذلك نعتقد أن عملية النهوض والتنمية للخروج من التخلف إنما هى عملية واحدة ، شاملة لكل المجالات بالنسبة إلى المجموعة ، وشاملة لكل المستويات بالنسبة الى الانسان ، لا سبيل إلى التجزئة فيها ، ولا إلى التفرقة بينها

وإيماننا الذي لم يزدد إلا رسوخا ، منذ مباشرتنا لمجهود التنمية ، أن سر كبوتنا إنما هو فى تعطل حركة " الاجتهاد " عندنا ، فى شتى المستويات والمجالات ، وأن الشرط الأساسي لاستئناف المسيرة من جديد ، إنما يكمن في رفع العراقيل الاجتماعية والتاريخية التى كبلت الفكر العربى ، فثنته عن مسيرته الطبية التى كانت بلغت به أوج الزعامة الحضارية طيلة قرون متوالية .

ولعل من أهم أسباب تعطل هذا الاجتهاد عندنا - وهو نفسه ناتج ، دون شك ، عن جملة من العوامل التاريخية التى لا يمكننا استقصاؤها فى مثل هذا المقام - انخرام التوازن الضرورى بين مختلف عناصر الثقافة ، مما أدى شيئا فشيئا الى تقلص الفكر العلمي ، وتغلب الذهنية الأدبية على سائر مجالات الفكر والبحث والتعليم . فأصبحت النخبة التى عليها ترتكز عملية الانتاج الثقافي لا تعرف من العلوم الطبيعية والرياضية إلا النزر القليل ، مأخوذا عن طريق الحفظ في أغلب الأحوال ، لا عن روية واجتهاد وتطلع إلى مزيد .

والحقيقة أن للأدب في ثقافتنا العربية منزلة خاصة ، منذ القدم ، غير أن " الأدب " إذ ذاك كان " الأخذ من كل شئ بطرف " ، وهو إذن إطلاع أوسع من أن يهمل مناطق من المعرفة أخذت عن اليونان ، وساهم العلماء العرب في تطوير الكثير منها بما تشهد به الانسانية قاطبة

ونظرا إلى درجة التطور التى كانت عليها العلوم الطبيعية والرياضية فى

تلك العصور ، كان تأثيرها فى المجتمع قليلا يكاد لا يذكر . لذلك لم تكن المرافق الاجتماعية والاقتصادية متأثرة تأثرا مباشرا بنتائج الابحاث والاكتشافات العلمية

أما ، منذ الانطلاقة العلمية التى بدأت في العصور الحديثة ، وخاصة مند القرن الماضي ، فقد أصبحت المجتمعات البشرية متأثرة تأثرا متزايدا بنتائج البحث العلمي ، بل هي اليوم رهينة التقنيات العلمية التى تكيف كل ظروف الحياة الجماعية والفردية فى أغلب أقطار العالم .

من هنا ظهرت القطيعة بين ما عليه البلاد العربية من مفاهيم ثقافية ومناهج نربوية ، وبين ما هو جار فى الأمم المصنعة

فالمشكل الذى يواجهنا ، فى مستوى الثقافة ، يتصل إذن باقامة توازن جديد حركى بين مختلف عناصر الثقافة عندنا ، لاحكام الصلة الحيوية التي لا بد منها بين ضرورات الحياة والانتاج الفكرى

ويمكن أن نحلل هذه الصلة على مستويات متعددة .

فاليوم - أكثر من أى وقت مضي - يتعذر على الانسان أن يفهم الكون الذى يعيش فيه ، بدون ثقافة تلم بأهم مكتسبات العلم الحديث ، سواء فيما يتعلق بالمادة أو بالحياة أو بالفلك الذي يحيط بالكرة الأرضية .

أما بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية ، فان الانسان يعيش اليوم فى محيط صناعي تتوقف عليه حياته اليومية

فنحن اليوم أحسننا أو كرهنا ، ترتبط معظم مرافق حياتنا بما يأتينا من الخارج من أدوات وآلات وخبرات ، هي من انتاج أمم بيننا وبينها بون متزايد بعد وعمقا كل يوم

فهل يمكن أن يرضى الانسان العربى بأن يبقى غريبا فى عالم غريب الأطوار ، لا يدرك منها إلا مظاهر سطحية ملؤها الرموز والألغاز ؟

ذلك أن الذين يصنعون هذا العالم السحرى الجديد كلهم من غير العرب .

وهنا تعترضنا مشكلة المشاكل بالنسبة إلى الثقافة العربية : فهى لم تعد فى

عصرنا هذا تساهم في الجهد البشرى لانشاء الحضارة ، أى أنها فقدت أولى مقومات الثقافة عامة : أعني السيطرة على المادة ، تلك السيطرة التى بها يكون الانسان خليفة الله فى الارض ، والتي بها سلطانه وشرفه على سائر الكائنات

والأمر حينئذ يتجاوز قضية الثقافة ، إذ يتعلق بكرامة الانسان العربى الذى لا ينبغي أن يقل مقدرة عن غيره من البشر فى سياسة شؤون حياته .

والأمر يتجاوز أيضا كرامة الانسان باعتباره فردا ، ويهم فى الدرجة الأولى المجموعة العربية إذ هي تجد نفسها عالة على أمم غيرها ، هي التى تبتكر الحضارة وتبتدع العلوم وتصنع مصير الانسانية قاطبة

ورحال الاجتماع والاقتصاد فى العالم ، ممن اختصوا بمراقبة المستقبل وسير آفاقه ، كثير ما يتساءلون ، " كيف ستكون الحضارة بعد سنة 200000 ؟ " .

ولا مفر للمثقفين العرب من أن يلقوا على أنفسهم هذه الاسئلة : " ماذا يكون مصير الأمة العربية عندئذ ؟ وماذا سيبقى مما نعتز به من الحضارة العربية وما تكون منزلة الثقافة العربية إذ ذاك من هذه الثقافات الغازية التى تكتسح العالم غربا وشرقا ؟ وما حظ العربية فى التعبير عن هذا العالم الجديد الذي بزج بنا فيه ولا ينبغي أن نلجه القهقرى ؟ "

هذه أسئلة لا بد من مواجهتها ، إذا أردنا تلافى الأمر قبل فواته ، فنرغم على الرضى بالدون قسطا لأمتنا التى كان لها مجد تليد ، ولثقافتنا ولغتنا ، وقد كان لهما اشعاع بين الأمم غير قليل

ثم ان للمشكلة جانبا آخر لا يمكن إغفاله فى مثل هذا المؤتمر الذي من شعائره الانتصار لقضايا العروبة ، والنضال من أجل العزة والكرامة لكافة الشعوب العربية .

ولست أبالغ في شئ ، إذ أقول ان الأمر يتعلق بكسب الرهان الجارى الآن فى المشرق بين الكيان العربى والتوسع الصهيونى

ذلك أن قوة إسرائيل إنما هى فى حذقها للعلوم الجديدة والتكنولوجيا الحربية فى أحدث أطوارها ؟ أما العرب فضعفهم ناتج بالذات عن ضيق باعهم فى تلك العلوم . وقلة خبرتهم بما يستورد من معدات حربية وآلات

فالحرب اليوم لم تعد التحام جيوش ، الغلبة فيه للأقوى عددا وعدة ، بل هى

ترتكز أساسا على استراتيجية خاطفة ، للتقنيات العلمية فيها دور رئيسى مشهود فى كل الحروب التى قامت منذ سنة 1939

لذلك لم ينفع العرب عددهم ولا مالهم من عتاد حربى ، فى المعارك الثلاث التى دارت بينهم وبين إسرائيل . إذ العبرة ليست بملايين الجنود ولا بعدد اسراب الطائرات ، ولكن العبرة بالقدرة على استعمال هذه الوسائل طبقا للطرائق الجديدة التى ابتدعتها الجيوش النازية فى ألمانيا ، ولم تحكم استعمالها جيوش الحلفاء إلا بعد هزائم منكرة . والسر فى قوة إسرائيل أن أغلب ضباطها الذين يقودون المعارك ضد العرب كانوا مارسوا هذه الطرائق وأحكمو تعلمها ، لما كانوا فى المواجهات الأوروبية ، سواء إلى جانب الحلفاء أو فى الجبهات الروسية . فتلك الخبرة العسكرية هى سر التفوق الاسرائيلى فى ميدان الحرب ، إضافة إلى أن إسرائيل برمتها تمثل نخبة البلاد المتقدمة فى مختلف المجالات ، وخاصة فى العلوم والتقنيات التى هى أقوى سند للطاقة الحربية فى الدول العظمى

فلكل هذه الاعتبارات نعتقد أن المعركة بين العرب والصهيونية هي قبل كل شئ قضية تفاوت علمي وتكنولوجى . وهي تهم أولا وبالذات مستوى الاطارات التقنية في كل الدرجات ، وهذا ما كنا نادينا به غير ما مرة ، قبل نكسة 67 فقوبل بالاعراض وأحيانا بالسخط ، ولم يصبح الكلام فيه مباحا عند بعضهم الا بعد فوات الفوت واكتساح إسرائيل للفضاء العربى ولمناطق شاسعة من الأرض العربية .

فمن أوكد واجباتنا أن نولى قضية المستوى العلمي ما تستحق - وذلك الآن قيل الغد - وعجلة الزمان لا تدور حتما لصالح العرب إن هم واصلوا مواجهة القضية بسلوك النعامة .

لذلك رأيت ان أغتنم فرصة اجتماع نخبة لامعة من ابناء العرب المثقفين ، لأطرح القضية من جديد ، وألفت الاهتمام إلى ما تكتسيه من خطورة بالغة بالنسبة إلى مستقبل الثقافة العربية وبالنسبة إلى مصير الأمة جمعاء .

وليس من علاج للقضية سوى ثورة ثقافية عارمة منظمة ، شاملة لكل قطاعات النشاط عندنا ، حتى نصلح الأوضاع بغاية السرعة وبكامل الحزم وبأقصى ما نستطيع من روية وبعد نظر

هذا ما أردت أن أصار حكم به ، على عادتى التى عرفت بها فى عدم المواربة وفي اجتناب ستر الحقائق المرة

وأمنيتى فى هذا الصدد أن لا تقتصر على مجرد القول الذى لا يتبعه عمل . فكم قيل عنا ، معشر العرب ، ما يقال عن الكثير من شعوب البحر المتوسط من أنهم يميلون إلى الاعتقاد بأن الكلام ضرب من ضروب " الفعل " ، إلى درجة الاكتفاء بالكلام والاقتصار عليه ، وهما وحماسة وغرورا . فالله وحده سبحانه " يقول للشئ كن فيكون .

ولئن كنت ولا أزال ممن يكبرون منزلة " الكلام " فى النضال وقد كان الكلام أول سلاحي في المعركة التى كرست لها حياتى طيلة ربع القرن ، ولا يزال الخطاب عندى إلى الآن من أهم وسائل تغيير ما بأنفس البشر فانى اعتقد مع ذلك أن الكلام وحده لا يكفي لتحقيق كبريات المآرب ، إذا العمل لم يدعمه بسنند قوى ، على مدى طويل ، ذلك أن العمل إنما هو قوام الأمور . " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . . " .

اشترك في نشرتنا البريدية