الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2 الرجوع إلى "المنهل"

مصير المدنية الحاضرة، ، على ضوء العلم والتاريخ

Share

سؤال معقد ، وعسى ان يكون الجواب عليه اشد تعقيدا ، ولكنى راض _ بلساني على الاقل وإن بدأ قلبي يتذمر - بإطاعة مجلة المنهل واشباع فضولها الادبى اللذيذ ، بفضول مثله وإن يكن اقل منه لذة !

ان هذه المدنية الحاضرة تبدأ من عصر النهضة فى ايطاليا او تبدأ من الثورة الفرنسية ، اوتبدأ من ثورة ( كرومويل ) فى انكلترا ، او عند اكتشاف سر البخار وتذليله ، او الكهرباء واستعمالها ، فلست ادري بالضبط متى بدأت هذه العجوز الشوهاء الحيزبون تتخذ الاصباغ والطلاء وادوات التبرج ، لتعود كما خيل اليها غادة كعابا ، ومع ذلك فإنى أود _انا وحدى ان لم يكن معى احد _ لوزالت هذه المدنية بأسرع مماجاءت.

اقسم بخير ما يقسم به انسان ، انى من شدة برمي بها ومقتى لها ، لكأنى الذي اوجدتها وحملت وزرها فمتى اطرحها عن ظهرى ، ليت شعري ؟

هذه المدنية ان لم تزل بطبيعتها كما زالت المدنيات السابقة ، فينبغي للناس ، بل يتحتم عليهم جميعا ان يزيلوها ، ويطهروا من شرورها الموبقة . وأن يبدعوا لهم مدنية عالية تبنى دعامها الاساسية على القيم الروحية والمعنوية ، وتتألف عناصرها من خير ما ارتقى اليه وفطر عليه الانسان من الخلق والصدق والنبل والعدل والصراحة ، لا لأجل ان يلبسها متى اراد ، ويخلعها متى شاء كما يفعل انسان هذه المدنية الكيذبان ، ولكن يلبسها فى السراء والضراء ، وفي المنشط والمكره ، وفي كل حال ، وعلى كل حال .

إن انسان هذه المدنية مارد انطلق من قمقمه ، فانطلقت معه كل الشرور والآثام والمظالم والمعاصي ، وقد ركبت فيه غريزته شر تركيب ، فهو يريد التسلط ويحب الاستبداد ويتشهى الاستعلاء ، وجرت الأثرة والانانية في عروقه مجرى دمائه .

الذين كانوا يخوفوننا من استبداد الطغاة منهم ، هم الذين استبدوا بنا اليوم وقد كانوا يطلبون منا ان نناصرهم لاسترداد حرياتنا المهددة ، فلما ناصرناهم عليهم وأدوا حرياتنا ونحن قيام ننظر ، وقد رأينا بأعيننا اخلاف جبارين بعد اسلاف ، وعلوج مستعمرين بعد اجلاف ، فأي أمر انصلح ؟ وأية حالة طابت ؟!

ان قيمة الانسان ( السياسي ) اليوم ، هى قيمة ما ترعاه دولته من ملايين الافراد وما تحتله حكومته من عشرات البلدان ومايطاع من امر بلاده ومالا يطاع ، وليست قيمته فى اخلاصه لبنى البشرية ، وصدق خدمته للانسانية وعمله على اسعادها ورفاهها : فاذا كانت هذه هي قيمة الرجل ( السياسي ) الممتاز فما قيمة الانسان العادي على وجه العموم ؟ اليس الفرد العادي عبدا ذليلا يفعل به سادته المحدثون ( المتمدنون ) اليوم شرما يعمله ( الرومان ) القدماء قبل الفى عام وزيادة ؟!

وماذا نقول عن العلم الحديث الذي بلغ الذروة ؟ ان الوسائل الى تسير الباخرة والطائرة فى السلم هى الوسائل التى تستعمل للتدمير والعدوان ، فالبخار والكهرباء والطاقة الذرية  شرها اعظم من خيرها وضرها اضعاف نفعها . .

فلأول مرة  انبثقت ( الذرة ) كانت نذير شؤم وخراب ، وقد ابادت مدينتين بسكانهما الابرياء من شيوخ ونساء واطفال وغيرهم ، ولم تستعمل حتى الآن في شىء صالح او نافع وهم لا يريدون تدمير الارض فقط ، ولكنهم ضلة لاحلامهم . يريدون ايضا الوصول الى القمر حتى يتم استعماره ودماره فهل من كفر وعصيان يفوق هذا الكفر والعصيان ؟ ولكن الله جل جلاله لن يبلغهم مايريدون . هذه المدنية تحمل جراثيم فنائها فى عناصرها الاساسية وستدمر نفسها بنفسها كلما طغى العقل او العلم ، وتوهم انه لاحد له يقف عنده او ينتهى اليه .

مصر هذه المدنبة الزوال المحتوم . وإنى لأستعجله ابرح استعجال ، ولكن الله سبحانه يقول : (أتى امر الله فلا تستعجلوه ) . . فحمدا حمدا يا نافخ الروح ويامانح الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية