ما هذا إلا مجرد حلم هزنى فى فجر أحد الأيام وكان اكبر من هاته الكلمات
اقتحمت خيوط الفجر السماء ..وانتحرت الزرقة الداكنة عند الافق.. بحثت عيناى عن مهرب ..الشوارع فارغة قفرة ، ممتدة ، طويلة وملتوية.. لابواب والنوافذ مغلقة.. فراغ مخيف يغلف وجه المدينة ..جريت ..جريت فزعة.. صوت أقدامى يكسر ، الصمت يخيفني.. يتردد صداه فى الشوارع الفارغة ..صوت سيارة بعيد يبدد صمت أعقاب الليل ..أهرب ... أهرب.. الى أين ؟ . خوف قلق يسد حلقي.. يختلط باحساسي قاتم يستبد بى..
تاكسى تقبل صاعقة ، صارخة ..جريت الى التاكسي المنطلقة فى الشوارع القفرة.. قبل أن تقف ، تعلقت بالباب أفتحه ..ارتميت لاهثه على الكرسي.. التفت السائق الى يتفحصنى..
- الى أين ؟ - الى أى مكان ! فقط ، اسرع ! اسرع ! أرجوك !
انطلقت التاكسي مسرعة ، مدوية . نظرت خلفي . لم يبد أحد.. أنفاسى ما زالت تتلاحق.. الشوارع الفارغة ما زالت مخيفة.
أى إنسان يمكن أن يرانى فى هذه المدينة المرعبة ؟ أية عدسة يمكن أن تلتقطني في هذا الفراغ الرهيب..
فجأة ، ثقب أذني صوت سيارة ، يهجم الصوت على مدويا . . التفت ،.. صعقت ، هم ورائى ، كلهم ، كلهم .. وأنا وحدى .. يصيبني الدوار ، تبتلعنى دوامة مخيفة فى البحر.
- اسرع ! اسرع أكثر ! أرجوك !.. الدوامة هائلة ، تجذبنى الى القاع, وأنا أقاوم بكل قواى ، السيارة ورائى ، تلاحقني ، تكاد تسحقني ..من البلور ، تبدو عيون نارية تلهبني.. عيون حاقدة ، مخيفة ، كريهة ... أعرفها جيدا . عيون كبيرة ، جائعة ، متلهفة ..أسنان تمتد تنتظر نهش لحمى.. كلهم لاحقوني ..كلهم.. لن أستطيع الافلات.. شرطة وشهود وقاض يلاحقوننى.. صرخت فى السائق:
- اسرع أكثر ! - إنها الشرطة . لا يمكن أن نهرب منهم ، يجب أن نطيع ! أوقف السيارة فجأة.
غرقت في يأس أسود.. الدوامة تبتلعنى .. حتى السائق اللعين لا يريد أن يسوقني الا الى الجحيم ..حتى السائق ، يريد أن يضع بنفسه حبلا فى عنقه ، يساق منه كالبغل ، لا يعيي ، ولا يفهم.
نزلوا من السيارة . جروا الى مسرعين . أحذيتهم تضرب الارض كالحديد . اقترب منى الوجه الذى أعرفه جيدا ، وجه ثلجى صخرى يعتلى قامة عالية ..
جذبت اليد الطويلة الاصابع ، الباب تفتحه بعنجهية . نظر الى من عليائه بتحد . اتسعت عيناه الصفراوان :
- انزلي! ستذهبين الآن الى حاكم التحقيق! - انزل ! بأية تهمة تلح في ملاحقتى؟ - التهمة لها شهود ! كلهم شهود ضدك !
أحسستني لغما سينفجر ، بركانا ستلهب نيرانه أرض الصخر والحقد. - شهود ؟ هؤلاء شهود على ؟ إخوتك وأصحابك وأعوانك شهود على ؟
كان بعضهم يبدى لى الصداقة.. كانوا ياتون يعلنون الود ، يدعون الى الاتحاد.. كنت أحبهم ، أحبهم.. انقلبوا.. أصبحوا شهودا على...
غرزت نظري في أعينهم - كانت نظيفة ، صافية - حجبت الأعين غمامة سوداء ، اشتعلت وراءها النار ، تصاعد دخانها يرسل شررا .
لم أعد أعرفها ... لم أعد اعرفها...
غمرني شعور حاد بالغربة . حتى هو ، زوجي ، وقف كالصخرة ، كالتمثال . لا ينطق ، لا يعرف ، لا يتهم ، ولا يفند تهمة ؟ !
- تعالى ! انزلي ! إن لم تريدى ..الذهاب بالقوة !
أحسست بالاشمئزاز ، بالقرف من نظراته ، كنظرات قط كبير جائع, متلهف على فريسة ، أية فريسة يمكن أن ينشب فيها مخالبه ؟ يصرف فيها جوعه ونهمه الى امتلاك أى شئ ؟
ما زال ينتظرني متعطشا ، بكل قوته ، بكل من معه ، بكل تكبره وتعاليه .
- لن أذهب معك ... حتى إن ذهبت ففي هذا التاكسي نزلت امرأتك ، اقتربت ترسم ابتسامة ماكرة على وجهها . بهزء قالت :
- كثير عليك ثمن التاكسي ! تعالى معنا أحسن!
أيتها الحية الرقطاء ، حبكت التهمة ، فأنت تعرفيننى جيدا . فى كل مكان أجدك ، فى كل مكان ترقبيننى ... تحيكين القصص ، تتنكرين ألف مرة. تلبسين كل الاقنعة ، مع ذلك فأنت ساعد قاضينا ، فكيف لا تقدرين على اكتمال التهمة ؟! كيف لا تقدرين ؟!..
- ماذا قلت ؟ جاء صوتك النمرى مزمجرا .
- لن أذهب الا فى هذه التاكسي ! أشرت الى السائق . لم يتحرك ! تسمر فى مكانه ! انحل ! تلاشى ! جبان ! مجرد جبان!..
نزلت من التاكسى . رفعت عيني.. الظلمة تقلصت . إنه الفجر . وأنا أسير معكم بكل خوف ، كأني ألصق دملا قبيحا مقيحا ، لا يبرأ ..
حتى شاهدى الوحيد سكت . جبان آخر يضاف الى شاهديك . انطلقت السيارة بنا .
أغمضت عيني .. فالظلام رحمة .. رحمة بنا حين تسد طريقنا الوجوه الحاقدة المتنمرة ... كدت أجهش بالبكاء ..ولكنى ملكت أعصابي . يجب أن
اثبت . أن أقهرهم ، أن أحيل التهمة ضدهم.. الاحتكار ، الرشوة ، تزييف الحقائق . يجب أن أثبت ، وحيدة فى اعصار الظلم والقهر.
رفيت رأسى. رسمت ابتسامة هزء على شفاهى ، ونظرت الى الافق .
قاعة حاكم التحقيق.. مكتب كبير عليه أوراق وملفات كبيرة تتدلى من السقف تكاد تمس الرؤوس.. مصباح كهربائى على المكتب ضوؤه الساطع يواجهنى . خلفه بجلس حاكم التحقيق . الى جانبه ، يقف رجل وحش الوجه ، بلا عيون وأمامه شرطى عند الباب.
- اجلسى ! جلست ...تركنى وحدى معه.تنفست الصعداء. خرج القاضي متهمى . وشهوده لم يدخلوا بعد . - ما اسمك ؟ - حرة ! تقلص وجهه بعصبية: - تهزئين؟ _هذا هو اسمى!
الاسماء أيضا يجب أن تخضع لما تتداولون..قد يكون لى اسم آخر , قد يكون لى ألف اسم . فما الذى سيتغير ؟ خلفي شرطي ، وأمامي محقق ورجل وحشي ، وأنا فى قفص . متهمى قوى ، قوى ، يريد سحقى - لا ... لن أتركه ! لن أستسلم !
- التهمة ثابتة ضدك ، فماذا تقولين ؟ - أية تهمة ؟ فتح درج مكتبه . جذب ظروفا عدة..أخرج أورقها.أخذ يقرأ و يقرأ...
- كل رسالة ممضاة من صاحبها ، عشرة شهود ضدك ، التهمة ثابتة ، الادلة موجودة .
- هل يمكننى أن أسأل؟ - أنت عليك الاجابة فقط ! - يجب أن أعرف ، لأدافع عن نفسى. - ما الذى تريدين معرفته ؟
- أنت حاكم تحقيق فى هذه المدينة ؟ - نعم! - وهو قاضى فى هذه المدينة ؟ _ نعم !
_ انت تعرفه ، تعرف متهمى جيدا ! تزاورتما كم مرة . أكلتما وشربتما معا . ونساؤكما ...
كفى هذرا ! العمل هو العمل ، وعليك بالصمت إن لم تسألى! اقترب مني الوحش ..اقترب وجهه مزمجرا ..كمشت .. سكت.. - هل لك دليل مادى على صدقك أنت ؟ _لا! ولكنهم يكذبون! كلهم , كلهم يكذبون! - حتى القاضى! _أجل , حتى هو ! وزوجته تريد أن تخضع الآخرين لهما ولو بالقوة ..
مجرد قوة يجب أن تخضع الآخرين..تطأطئ رؤوسهم حتى نفاقا وكذبا ، وأنا لا أقطع !
_هذه تهمة أخرى تضاف الى ملفك.
شع فجأة قبس في ذاكرتى ,ومضى يشق ظلمة نفسى المختنقة..صحت متنفسة :
_زوجى! يمكن يكذب التهمة ! يمكن أن يقول لكم ! التفت المحقق إلى الشرطى أمام الباب :
_ أدخله!
فتح الشرطى الباب . أشار اليه . دخل . لهفة بى الى كلمة حق تزهق الباطل ، تكذب دعواهم . تعلقت بعينيه . فاجأتنى نظراته بعيدة ، غامضة, وعيناه تهربان بعيدا عن عينى.
خوف ما يتسلل الى نفسى..
- هل صحيح ما تقوله حرة ؟ لم تعتدى على حرمة القاضى فتلعنه وتحرض عليه إخوتك - وأنت منهم _ ومعاونيه؟
بقى لحظة صامتا ... نظرةخاطفة الى وجهى المنتظر . عاد بعدها يواجه حاكم التحقيق.
نظراته تتردد بينه وبين الوجه الوحشى بجانبه.
، لا أعرف ..لا أستطيع أن أقول لكم شيئا ، فأنا كنت ليلتها مشغولا بالحديث مع أبى ، وكانت هى تتحدث مع الآخرين...لم أسمع شيئا ...
- لم تسمع ؟ ! لم تسمع ؟ ! غلا دمى ، انفجر يحرق دماغى ، يشوه جمجمتى.
- لم تسمع ؟ ! حتى أنت ! جبان ! جبان ! تسكت لتقيم لنفسك قبرا ؟ لماذا ؟ لانه أقوى منك ؟ تخافه ؟ تخاف تكذيبه ! وأنا ؟ أنا ! حرة ؟ تتركها! هكذا !.. جبان ! جبان ! جبان!
كنت أصرخ ..لا داعى .. أحترق .. أحترق.. - ما هذا ؟ اسكتى! - آه ! الافضل الوقوف الى جانب القوة.
المتهم يمكن أن يزاح ..الضحية تمضى ! ستجد أخرى تتقن ممارسة اللعبة ! تعى جيدا حدود القفص . لا تحاول تحطيمه...سيجدها لك قاضيك! ولكنها لن تكون حرة ! لن تكون أنا ! لن تكون أنا !
كنت واقفة ، متشنجة الاعصاب ، محترقة الدماغ ، أصرخ ، أصيح ، ألعن، رغم الوحش القابض بكل قواه على ذراعي.. ولاول مرة ، ألمح في الزاوية ، الكاتب يكتب على آلته . يكتب ويكتب قائمة جديدة من عبارات التحدى والرفض تضاف الى تدعيم تهمتى ..
والآخر ، لا يقول كلمة ، ينظر الى حذائه فى الارض . يشير اليه حاكم التحقيق ، يخرج مطأطأ الرأس ، ذليلا.
_خذوها ! يتقدم منى الشرطى ، يمسك بذراعي ، يقودني أمام القامة العالية ، والوجه الثلجى الشامت ، الى فناء مظلم طويل.. وغبني ، وظلمي, وقهرى يكاد يعصف بكل مركز الامن ، فيطيره .
