الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

مطاردة قط جائع..

Share

ما هذا إلا مجرد حلم هزنى فى فجر أحد الأيام وكان اكبر من هاته الكلمات

اقتحمت خيوط الفجر السماء ..وانتحرت الزرقة الداكنة عند الافق.. بحثت عيناى عن مهرب ..الشوارع فارغة قفرة ، ممتدة ، طويلة وملتوية.. لابواب والنوافذ مغلقة.. فراغ مخيف يغلف وجه المدينة ..جريت ..جريت فزعة.. صوت أقدامى يكسر ، الصمت يخيفني.. يتردد صداه فى الشوارع الفارغة ..صوت سيارة بعيد يبدد صمت أعقاب الليل ..أهرب ... أهرب.. الى أين ؟ . خوف قلق يسد حلقي.. يختلط باحساسي قاتم يستبد بى..

تاكسى تقبل صاعقة ، صارخة ..جريت الى التاكسي المنطلقة فى الشوارع القفرة.. قبل أن تقف ، تعلقت بالباب أفتحه ..ارتميت لاهثه على الكرسي.. التفت السائق الى يتفحصنى..

- الى أين ؟ - الى أى مكان ! فقط ، اسرع ! اسرع ! أرجوك !

انطلقت التاكسي مسرعة ، مدوية . نظرت خلفي . لم يبد أحد.. أنفاسى ما زالت تتلاحق.. الشوارع الفارغة ما زالت مخيفة.

أى إنسان يمكن أن يرانى فى هذه المدينة المرعبة ؟ أية عدسة يمكن أن تلتقطني في هذا الفراغ الرهيب..

فجأة ، ثقب أذني صوت سيارة ، يهجم الصوت على مدويا . . التفت ،.. صعقت ، هم ورائى ، كلهم ، كلهم .. وأنا وحدى .. يصيبني الدوار ، تبتلعنى دوامة مخيفة فى البحر.

- اسرع ! اسرع أكثر ! أرجوك !.. الدوامة هائلة ، تجذبنى الى القاع, وأنا أقاوم بكل قواى ، السيارة ورائى ، تلاحقني ، تكاد تسحقني ..من البلور ، تبدو عيون نارية تلهبني.. عيون حاقدة ، مخيفة ، كريهة ... أعرفها جيدا . عيون كبيرة ، جائعة ، متلهفة ..أسنان تمتد تنتظر نهش لحمى.. كلهم لاحقوني ..كلهم.. لن أستطيع الافلات.. شرطة وشهود وقاض يلاحقوننى.. صرخت فى السائق:

- اسرع أكثر ! - إنها الشرطة . لا يمكن أن نهرب منهم ، يجب أن نطيع ! أوقف السيارة فجأة.

غرقت في يأس أسود.. الدوامة تبتلعنى .. حتى السائق اللعين لا يريد أن يسوقني الا الى الجحيم ..حتى السائق ، يريد أن يضع بنفسه حبلا فى عنقه ، يساق منه كالبغل ، لا يعيي ، ولا يفهم.

نزلوا من السيارة . جروا الى مسرعين . أحذيتهم تضرب الارض كالحديد . اقترب منى الوجه الذى أعرفه جيدا ، وجه ثلجى صخرى يعتلى قامة عالية ..

جذبت اليد الطويلة الاصابع ، الباب تفتحه بعنجهية . نظر الى من عليائه بتحد . اتسعت عيناه الصفراوان :

- انزلي! ستذهبين الآن الى حاكم التحقيق! - انزل ! بأية تهمة تلح في ملاحقتى؟ - التهمة لها شهود ! كلهم شهود ضدك !

أحسستني لغما سينفجر ، بركانا ستلهب نيرانه أرض الصخر والحقد. - شهود ؟ هؤلاء شهود على ؟ إخوتك وأصحابك وأعوانك شهود على ؟

كان بعضهم يبدى لى الصداقة.. كانوا ياتون يعلنون الود ، يدعون الى الاتحاد.. كنت أحبهم ، أحبهم.. انقلبوا.. أصبحوا شهودا على...

غرزت نظري في أعينهم - كانت نظيفة ، صافية - حجبت الأعين غمامة سوداء ، اشتعلت وراءها النار ، تصاعد دخانها يرسل شررا .

لم أعد أعرفها ... لم أعد اعرفها...

غمرني شعور حاد بالغربة . حتى هو ، زوجي ، وقف كالصخرة ، كالتمثال . لا ينطق ، لا يعرف ، لا يتهم ، ولا يفند تهمة ؟ !

- تعالى ! انزلي ! إن لم تريدى ..الذهاب بالقوة !

أحسست بالاشمئزاز ، بالقرف من نظراته ، كنظرات قط كبير جائع, متلهف على فريسة ، أية فريسة يمكن أن ينشب فيها مخالبه ؟ يصرف فيها جوعه ونهمه الى امتلاك أى شئ ؟

ما زال ينتظرني متعطشا ، بكل قوته ، بكل من معه ، بكل تكبره وتعاليه .

- لن أذهب معك ... حتى إن ذهبت ففي هذا التاكسي نزلت امرأتك ، اقتربت ترسم ابتسامة ماكرة على وجهها . بهزء قالت :

- كثير عليك ثمن التاكسي ! تعالى معنا أحسن!

أيتها الحية الرقطاء ، حبكت التهمة ، فأنت تعرفيننى جيدا . فى كل مكان أجدك ، فى كل مكان ترقبيننى ... تحيكين القصص ، تتنكرين ألف مرة. تلبسين كل الاقنعة ، مع ذلك فأنت ساعد قاضينا ، فكيف لا تقدرين على اكتمال التهمة ؟! كيف لا تقدرين ؟!..

- ماذا قلت ؟ جاء صوتك النمرى مزمجرا .

- لن أذهب الا فى هذه التاكسي ! أشرت الى السائق . لم يتحرك ! تسمر فى مكانه ! انحل ! تلاشى ! جبان ! مجرد جبان!..

نزلت من التاكسى . رفعت عيني.. الظلمة تقلصت . إنه الفجر . وأنا أسير معكم بكل خوف ، كأني ألصق دملا قبيحا مقيحا ، لا يبرأ ..

حتى شاهدى الوحيد سكت . جبان آخر يضاف الى شاهديك . انطلقت السيارة بنا .

أغمضت عيني .. فالظلام رحمة .. رحمة بنا حين تسد طريقنا الوجوه الحاقدة المتنمرة ... كدت أجهش بالبكاء ..ولكنى ملكت أعصابي . يجب أن

اثبت . أن أقهرهم ، أن أحيل التهمة ضدهم.. الاحتكار ، الرشوة ، تزييف الحقائق . يجب أن أثبت ، وحيدة فى اعصار الظلم والقهر.

رفيت رأسى. رسمت ابتسامة هزء على شفاهى ، ونظرت الى الافق .

قاعة حاكم التحقيق.. مكتب كبير عليه أوراق وملفات كبيرة تتدلى من السقف تكاد تمس الرؤوس.. مصباح كهربائى على المكتب ضوؤه الساطع يواجهنى . خلفه بجلس حاكم التحقيق . الى جانبه ، يقف رجل وحش الوجه ، بلا عيون وأمامه شرطى عند الباب.

- اجلسى ! جلست ...تركنى وحدى معه.تنفست الصعداء. خرج القاضي متهمى . وشهوده لم يدخلوا بعد . - ما اسمك ؟ - حرة ! تقلص وجهه بعصبية: - تهزئين؟ _هذا هو اسمى!

الاسماء أيضا يجب أن تخضع لما تتداولون..قد  يكون لى اسم آخر , قد يكون لى ألف اسم . فما الذى سيتغير ؟ خلفي شرطي ، وأمامي محقق ورجل وحشي ، وأنا فى قفص . متهمى قوى ، قوى ، يريد سحقى - لا ... لن أتركه ! لن أستسلم !

- التهمة ثابتة ضدك ، فماذا تقولين ؟ - أية تهمة ؟ فتح درج مكتبه . جذب ظروفا عدة..أخرج أورقها.أخذ يقرأ و يقرأ...

- كل رسالة ممضاة من صاحبها ، عشرة شهود ضدك ، التهمة ثابتة ، الادلة موجودة .

- هل يمكننى أن أسأل؟ - أنت عليك الاجابة فقط ! - يجب أن أعرف ، لأدافع عن نفسى. - ما الذى تريدين معرفته ؟

- أنت حاكم تحقيق فى هذه المدينة ؟ - نعم! - وهو قاضى فى هذه المدينة ؟   _ نعم !

_ انت تعرفه ، تعرف متهمى جيدا ! تزاورتما كم مرة . أكلتما وشربتما معا . ونساؤكما  ...

كفى هذرا ! العمل هو العمل ، وعليك بالصمت إن لم تسألى! اقترب مني الوحش ..اقترب وجهه مزمجرا ..كمشت .. سكت.. - هل لك دليل مادى على صدقك أنت ؟  _لا! ولكنهم يكذبون! كلهم , كلهم يكذبون! - حتى القاضى! _أجل , حتى هو ! وزوجته تريد أن تخضع الآخرين لهما ولو بالقوة ..

مجرد  قوة يجب أن تخضع الآخرين..تطأطئ رؤوسهم حتى نفاقا وكذبا ، وأنا لا أقطع !

_هذه تهمة أخرى تضاف الى ملفك.

شع فجأة قبس في ذاكرتى ,ومضى يشق ظلمة نفسى المختنقة..صحت متنفسة :

_زوجى! يمكن يكذب التهمة ! يمكن أن يقول لكم ! التفت المحقق إلى الشرطى أمام الباب :

_ أدخله!

فتح الشرطى الباب . أشار اليه . دخل . لهفة بى الى كلمة حق تزهق الباطل ، تكذب دعواهم . تعلقت بعينيه . فاجأتنى نظراته بعيدة ، غامضة, وعيناه تهربان بعيدا عن عينى.

خوف ما يتسلل الى نفسى..

- هل صحيح ما تقوله حرة ؟ لم تعتدى على حرمة القاضى فتلعنه وتحرض عليه إخوتك - وأنت منهم _ ومعاونيه؟

بقى لحظة صامتا ... نظرةخاطفة الى وجهى المنتظر . عاد بعدها يواجه حاكم التحقيق.

نظراته تتردد بينه وبين الوجه الوحشى بجانبه.

، لا أعرف ..لا أستطيع أن أقول لكم شيئا ، فأنا كنت ليلتها مشغولا بالحديث مع أبى ، وكانت هى تتحدث مع الآخرين...لم أسمع شيئا ...

- لم تسمع ؟ ! لم تسمع ؟ ! غلا دمى ، انفجر يحرق دماغى ، يشوه جمجمتى.

- لم تسمع ؟ ! حتى أنت ! جبان ! جبان ! تسكت لتقيم لنفسك قبرا ؟ لماذا ؟ لانه أقوى منك ؟ تخافه ؟ تخاف تكذيبه ! وأنا ؟ أنا ! حرة ؟ تتركها! هكذا !.. جبان ! جبان ! جبان!

كنت أصرخ ..لا داعى .. أحترق .. أحترق.. - ما هذا ؟ اسكتى! - آه ! الافضل الوقوف الى جانب القوة.

المتهم يمكن أن يزاح ..الضحية تمضى ! ستجد أخرى تتقن ممارسة اللعبة ! تعى جيدا حدود القفص . لا تحاول تحطيمه...سيجدها لك قاضيك! ولكنها لن تكون حرة ! لن تكون أنا ! لن تكون أنا !

كنت واقفة ، متشنجة الاعصاب ، محترقة الدماغ ، أصرخ ، أصيح ،  ألعن، رغم الوحش القابض بكل قواه على ذراعي.. ولاول مرة ، ألمح في   الزاوية ، الكاتب يكتب على آلته . يكتب ويكتب قائمة جديدة من عبارات  التحدى والرفض تضاف الى تدعيم تهمتى ..

والآخر ، لا يقول كلمة ، ينظر الى حذائه فى الارض . يشير اليه حاكم التحقيق ، يخرج مطأطأ الرأس ، ذليلا.

_خذوها ! يتقدم منى الشرطى ، يمسك بذراعي ، يقودني أمام القامة العالية ، والوجه الثلجى الشامت ، الى فناء مظلم طويل.. وغبني ، وظلمي, وقهرى يكاد يعصف بكل مركز الامن ، فيطيره .

اشترك في نشرتنا البريدية