الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات

Share

هوامش حول كتاب :

الشخصية التونسية :      خصائصها ومقوماتها (*)

يمكن أن نجمل القول فنذهب الى أن الغوص على المجتمع العربى مر بمدارس ثلاث أساسية :

أ ـــ مدرسة الاستشراق المرتبطه عضويا بالحركات الاستعمارية فى القرن التاسع عشر . فنحن نعلم أن الاستعمار بعث مباشرة حركة استشراقية رسم لها هدف مضبوط . فتمثل دورها فى أن تركز ثقافيا ما قام الاستعمار بتركيزه عسكريا . لذلك عملت هذه المدرسة على " هلهلة " المقومات الثقافية للبلاد العربية . فيمكن أن نذكر من بين جوانب خطتها تبريرها السياسى لتقسيم البلاد العربية واحلالها اللغات المحلية محل العربية . عمد الاستعمار الى احتلال البلاد عسكريا وعمدت هذه المدرسة الى عملية واسعة "  لتبخير " التراث الثقافى العربى .

ب - ومع هبوب ما سماه جاك بيرك روح الانعتاق برزت مدرسة ثانية للاستشراق حاولت أن تغوص على شؤون البلاد العربية من الخارج ومن خلال

أساليب " الانتروبولوجيا "  الحديثة . ومن العقوق أن ينكر الانسان العربى الخطوات الرائدة التى قام بها بحاثون مبرزون أمثال ماسينيون فى التصوف الاسلامى وبلاشير فى تاريخ الآداب العربية و ج . بيرك فى علم المجتمعات العربية وأرنالديز فى تاريخ الفلسفات العربية الاسلامية .

ج - مدرسة ثالثة ظهرت فى المغرب نفسه . فقد انطلق فى السنين الاخيرة جملة من الباحثين المغاربة وحاولوا أن يأخذوا على عواتقهم مهمة البحث فى ثقافتهم . وقد أشار المؤرخ الفرنسى أندرى نوشى فى تقديمه لأطروحة الاستاذ البشير التليلى الى منزلة هذه المدرسة المغربية الحديثة .

فهى حسب نوشى تجمع جانبين لا يمكن اجتماعهما عند المستشرق . فقد مارست أساليب البحث الحديثة واحتكت بأحدث التيارات المنهجية ، وهى فوق ذلك عاشت مباشرة وبعمق الاحداث التى تريد ان تقننها . ويمكن لنا أن نذكر فى اطار هذه المدرسة الثالثة باحثين أمثال عبد الله العروى المغربى وهشام جعيط التونسى وعلى مراد الجزائرى . وطبعا ان محاولة البشير بن سلامة ( الشخصية التونسية ـــ خصائصها ومقوماتها ) تندرج فى سياق هذه المدرسة المغربية الجديدة .

ان هذا البحث للمؤلف يندرج فى سياق بحثه السابق ( اللغة العربية   ومشاكل الكتابة ) . فقد نشر منذ سنوات كتابا رائدا حول مشاكل الكتابة لا نريد أن نتحدث عنه اليوم ، ولكن يكفى أن نشير الى أن المؤلف أراد بهذا الكتاب تفجير بعض السنن المحنطة فى اللغة . فالمؤلف مؤمن أعمق الايمان بأن التراث الثقافى يصبح عائقا اذا ما أصابه التحجر . وقد أبرز الاستاذ الطاهر اللبيب " البعد التجاوزى " لهذا المؤلف ، فقارن ثورة ابن سلامة فى اللغة بثورية " حسن فتحى " المصرى فى نطاق الهندسة المعمارية . اذ ان البحث عن الاسس الثقافية الذى يطالعنا به الكاتب فى هذا المؤلف يواصل ما بدأ فيه فى بحثه حول القيم اللغوية . ويمكن بادىء ذى بدء أن نربط محاولة ابن سلامة ببعض المحاولات التونسية لارساء المعالم الثقافية للنهضة . فاذا ما اقتصرنا على فترة ما بعد الاستقلال يمكن ان نربط محاولة ابن سلامة بافتتاحيات الاستاذ محمد مزالى فى مجلة " الفكر " ومقالات الاستاذ الشاذلى القليبى في " العمل " وتحليلات الاستاذ الشاذلى الفيتورى " بالتجديد "  وبحوث عديدة للمرحوم الدكتور فريد غازى " بالفكر " و " التجديد " و " عبقر " . فابن سلامة يندرج فى حركة كاملة لبناء الانسان التونسى الجديد . ومحاولته لها روافد عديدة . فالكاتب أولا أستاذ مارس هذه المهنة سنوات ، وهو كاتب نشر العديد من

الدراسات والاقصوصات ، وهو " رجل عمل " سواء برئاسته لتحرير مجلة " الفكر " أو مسؤولياته العليا فى الحزب الاشتراكى الدستورى . فاذا آمنا مع الاستاذ المسعدى بان الانتاج الثقافى الاصيل لا ينبع الا من الممارسة العملية فى انتصاراتها وانتكاساتها لا يمكن الا ان نرحب بهذا المؤلف الذي أتى " عقلا "  لممارسة ميدانية حقيقية .

ان آفة الكتاب التلخيص اذ هو ضرب من " التعليب الثقافى "  . فغايتنا تتمثل أساسا فى الحفز الى دراسة الكتب التى تقدمها ، واحترامنا للقارىء يمنعنا ان نزعجه بمحنطات ثقافية معلبة . فآفات التلخيص متشعبة ، وأخفها الصرف عن الغوص على الكتاب . وقريبا منا قال الاستاذ الطاهر اللبيب : " طبعا ليس اجنى على الاثر من النقد التلخيصى . فأخف ضرره صرف الاكثرين عن النظر فى الاصل وهذا مجزوم به فى بلدان تعد فيها المطالعة استهلاكا حيويا يوميا . ثم ان قيمة الاثر فيما ينتجه من ردود الفعل وقدح الافكار وتنشيط الاذهان فى اختلاف النقاش الى ان يلد الكتاب كتبا . واعتقد أن لا سبيل الى هذا التوليد الفكرى فى تونس ما دام المستثقفون يعانون مركب التحقير المازوشى أو هذا الانعكاس الثقافى الشرطى : مسبقا ودون اقتناع ولا مجرد اطلاع يحكم على ما ينتجه القلم التونسى بانعدام الجدوى . ونستثنى من هذا الحديث المتواتر : مادحو " السد " اكثر من قارئيه وممن رأوه بعين عذرية . باختصار لا يؤتى التونسى كتابه الا بشماله . هذا فى الدنيا " .

فبعد ان حجبنا أنفسنا من " عقدة التلخيصية " نستطيع أن نثير بعض الاتجاهات الاساسية للكتاب . ان هذا المؤلف هو اساسا " فلسفة " النهضة التونسية فى محاولتها تحريك ما تعطل من امكاناتنا . فهو على حد تعبير الكاتب " محاولة استكناه الشخصية التونسية والخروج من التلعثم التاريخى " ، فالكاتب شاعر بان المغامرة التى انطلقت منذ الثلاثينات تحتاج الى فلسفة لاصولها وتأطير نظرى الممارستها العملية . ويربط الكاتب منزلة الشعوب بمنزلة الافراد . فلكل فرد خصال مميزة تبرزه عن المجموعة وتكسبه خصوصية وطرافة يكمن فيهما سر الوجود الانسانى . كذلك بالنسبة للمجتمعات . فيتساءل ابن سلامة " ليست هناك مسألة شائكة قد اختلف فيها التونسيون مثل الحديث عن الشخصية التونسية اى ما يميز الشعب التونسى عن غيره من الشعوب . وليست هناك مسألة تدعو الى التدبر والتروى واعمال الرأى مثل هذه لانها فى الواقع تتعلق بوجود الشعب التونسى كشعب ومستقبله فى أجياله كأمة تريد أن تكون لها بين الامم ما يميزها ويجعلها تعطى

الى البشرية لونا من الحضارة نوعيا "  ـــ وينظر الكاتب فى شؤون الامة العربية ، فيحاول تجاوز المواقف العاطفية الهوجاء الى نظرة علمية . فيرى فى البلاد العربية عوامل لقاء وجنوحا الى الخصوصية . والوحدة العربية التى ينشدها كل عربى لا تأتى من تصورات ضبابية بل من " عقل "  علمى لما يفصلنا . فيقول فى هذا المضمار : ( وهذا فى واقع الامر من الاسباب التى جعلت الامم العربية تختلف فى عصرنا الحاضر ولا تصل الى نتيجة فى رغبتها فى جمع كلمتها اذ انه فى ذهن الكثيرين من اهل العربية يكفى أن نقول بأنه تجمع بين هذه البلدان العربية اللغة والدين ليستخلص من ذلك انه من الواجب الاتحاد وتكوين أمة واحدة ولكن الواقع دل والتاريخ أثبت أن هذه البلدان بعد ان كانت فى وقت ما مجموعة متداخلة تظهر وكأنها كتلة واحدة أخذت خلال العصور ينفصل بعضها عن البعض . قالوا لتفرق الكلمة ولكن أحدا لم يحاول أن يدرس السبب الاصلى فى ذلك وهو حسب ظنى هذه المقومات الموجودة فى كل شعب من الشعوب العربية التى تفاقمت وقويت بمر الزمن حتى اصبحت سببا فى الانفصال هى التى يجب دراستها ومعرفتها لتصبح اليوم سببا فى الوحدة وبدون ذلك يكون سلوكنا سلوك النعامة عندما يدهمها الخطر . " فنرى ابن سلامة يعيد التعليم الاساسى لسقراط ، فيدعو الشعوب العربية الى أن تستشف أمورها علميا لا بصفة سحرية حسب المفهوم السارترى . ويثير الكاتب مشكلا أساسيا : هل يكون الشعب التونسى أمة ؟ فنراه فى تقصيه لهذا الموضوع يبرز عناصر أساسية :

ـــ وجود ثقافة تونسية متميزة .

ـــ وجود سنة أدبية فكرية فى تونس ممتدة على مر الحقب التاريخية .

ـــ وجود دولة حقيقية بدواليبها وأسسها وطرق عملها .

ويركز الكاتب جانبا هاما من بحثه الى تحليل ما سماه الغربة اللغوية " هذه أول مرة لم يشعر فيها سكان البلاد العربية بالغربة فى لغة الغاصب اذ تبنوا العربية وأصبحت لغتهم يعتزون بها ولا يستعيضون عنها بغيرها تلك الغربة التى كان يحس بها أصيل البلاد عندما بث الرومان اللاطينية فى ربوعنا ورغم أنه حذق هذه اللغة وكتب فيها وانشأ الروائع التى ما زالت تدرس الى اليوم فانه كان يحس بالغربة فى اللغة اللاطينية . " فالغربة اللغوية تنير اساسا دينامكية التعليم وخاصة مشكلة التعريب . ويقدم ابن سلامة تحليلا طريفا لظاهرة اجتماعية تتمثل فى اقبال التونسى على طلب المعرفة . .

هذه الهوامش حول الكتاب قليل من كثير . وقد اردنا فقط أن نبرز من هذه الشذرات خطورة المشاكل المطروحة . فقد أثار الكاتب جملة من القضايا تبلغ من التعدد والخطورة ما لا يمكن أن يفصل القول فيها تأليف واحد . فأول ما نسجله للمؤلف جرأته على طرح ما يجب أن يطرح من مشاكل وعلى » التشهير بسلوك النعامة على حسب تعبيره « . فالمؤلف مؤمن بان لا نهضة حقيقية اذا لم نصف حسابنا الثقافى ، وان لفحتنا بعض المشاكل بنارها . ونسجل كذلك للمؤلف اعتماده الاستقراء التاريخى فى المشاكل التى يثيرها ، فممارسة الكاتب لا ساليب البحث الحديثة جعلته يؤمن بان المشاكل لا تخلق من عدم ، وأن لكل قضية تاريخا يجب تقصيه لان نفس القضية لا تطرح بطرق متجانسة عبر الحقب التاريخية . لذلك نرى أساسا فى هذا الكتاب تحليلا تاريخيا يبرز لنا أن قضايانا المعاصرة لا "  تعقل " ان هى لم ترجع الى جذورها التاريخية . ويكفى أن ندل يقضية الحجاب التى اتخذت حسب التطورات التاريخية تلونات مختلفة . وكذلك نسجل للمؤلف رغبته فى أن يجعلنا نعايشه تساؤلاته . فهو عبر هذه المحاولة متسائل أحيانا جازم أحيانا أخرى شاك تارة موقن طورا ، فجعلنا الكاتب نعيش مغامرة المفكر بما فيها من مد وجزر ، من يقين لذيذ وشك خلاق .

وأظن أن الكاتب يكفيه أنه فتح للفكر التونسى المعاصر مسالك لا يمكن له أن يتجاهلها . فهذه المحاولة أساسا بذرة لجعل المفكرين التونسيين لا يتيهون فى مشاكل هامشية . ألم يقل الكاتب فى الاسطر الختامية ( فلعلى أكون قد ساهمت فى بلورة ما شعر به لا محالة كل التونسيين وأتحت الفرصة لغيرى لتوضيح ما عجزت عنه . وكل أملى هو أن يقول كل من ظفر بخطأ فى هذا الكتاب أو أنكر فكرة أو رأيا " عذره أنه مخلص " )

هذه جملة من الخواطر أثارتها فينا قراءة أولى للكتاب اردنا تقديمها على علاتها لقراء " الفكر " ، راجين ـــ أعمق الرجاء ـــ الرجوع الى محاولة الاستاذ البشير بن سلامة فى أقرب فرصة حتى نزيد فى تعميق نقدنا وتركيزه .

اشترك في نشرتنا البريدية