حينما بدأت حملة المثقفين التونسيين من أجل اللغة العربية عموما ومن أجل تعريب التعليم على الاخص اعتبرناها انتصارا كبيرا لفكرة تدعيم العربية فى بلاد المغرب العربى لا لأن تونس أقل عروبة ،
ولكن لأن الدعوة الى الفرنكوفونية كانت نوعا ما انحرافا عن خط المجاهدة فى دفن رواسب الماضى القريب الذى دعمه الاستعمار الفرنسى ، كما أن الدعوة الى تدعيم ازدواجية اللغة فى المغرب يمثل نفس الانحراف الذى لا يتفق فى شىء مع الانطلاقة التحررية التى يجب أن تأخذ مسيرتها فى المغرب العربى . ثم لأن تونس هى التى ساهمت بحظ وافر فى تعريب المغرب العربى منذ دخلها الاسلام والعروبة ، وقامت جامعاتها ومدنها ورباطاتها بتركيز العربية فى الجزء الغربى من الوطن العربى والاسلامى . ولذلك فرسالتها الحالية يجب
* تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة . * عمل فى حركة التحرير الوطنى فكان أمينا عاما لمؤتمر المغرب العربى . * عاد إلى المغرب فاشتغل بالصحافة والأدب ، فراس تحرير مجلة " رسالة المغرب " وكان عضوا بارزا فى حزب الاستقلال الذى قاد الحركة الاستقلالية بالمغرب . * أعتقل عدة مرات . * بعد الاستقلال عاد إلى الصحافة ثم عين وزيرا مفوضا فى وزارة الشؤون الخارجية مدير لقسم الشرق " افريقيا آسيا " .
أن تستمد من رسالتها التاريخية ، لا العزم فحسب ، ولكن النموذج كذلك .
ثم حينما أعلنت تونس أنها ستعرب الادارة لم نعتبر ذلك غريبا عن تونس فقد كانت سباقة الى تدعيم العربية فى مدارسها حتى فى عهد الاحتلال منذ الاصلاح الذى أدخله على التعليم الوزير خير الدين فى منتصف القرن الماضى ولذلك لم تكن العربية - رغم تركز اللغة الفرنسية فى التعليم والادارة - بغريبة عن المثقف التونسى .
وقد كان من نتيجة حملة المثقفين المساهمة القيمة التى شارك بها الاستاذ البشير بن سلامة فى مجلة " الفكر " والتى انتجت هذا الكتاب الجديد الذى نقدمه للقراء .
عنوان الكتاب فيما يظهر لم يوف بكل الموضوعات التى تناولتها فصوله المتعددة ، فان الكتابة العربية ومشاكلها لم تأخذ من الكتاب الا بابه الاول ( خمسة فصول ) نحو 62 صفحة ) أما بقية الكتاب فقد تناول الخلق الادبى واللغة العربية فى الباب الثانى ( خمسة فصول 65 صفحة ) وفى الباب الثالث ( خمسة فصول 35 صفحة ) تناول لغات الشعر : مشكلة الوزن والتفعيلة الخ . من ذلك يمكن أن نقول ان الكتاب يفتقد الوحدة الموضوعية الا اذا كان المؤلف بفكر بصورة أوسع فى مشاكل الكتابة سواء منها ما يتصل بالحرف أو بالخلق الادبى أو بالطريقة الفنية للأداء التعبيرى .
مهما يكن فان ضعف أواصر الوحدة الموضوعية فى الكتاب لا ينقص من قيمة المجهود الكبير الذى بذله المؤلف فى الموضوعات الثلاث ، مما يجعل هذا الكتاب وصدوره فى تونس على الاخص مساهمة مهمة فى نشر الوعى بتطوير اللغة العربية وبالتفكير الجدى فى مشاكلها .
* استقال من وظيفته لينصرف إلى عمله الأدبى والصحفى . * يعمل الآن مديرا لجريدة " العلم " اليومية وهو عضو فى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال . * من كتبه المطبوعة : " الاستقلالية " " فى الاصلاح القروى " "صحفى فى امريكا " "فى الثقافة والأدب " "نبضات فكر " "سبعة أبواب " " دفنا الماضي " " دفاع عن الديمقراطية " ، " الارض حبيبتى " و " المعلم على " . * أنتخب فى يولية 1969 رئيسا لاتحاد كتاب المغرب وذلك بعد انهاء المؤتمر الثانى للاتحاد . * محاضر يشارك بآرائه فى مختلف المجالات . * يشارك فى مؤتمرات أدبية فى مختلف انحاء العالم العربي . * يمتاز بالغزارة فى الانتاج والموضوعية سواء منها الأحداث السياسية أو الثقافية او الفنية .
وأهم ما استرعى نظرى فى الباب الاول - اعتبره أهم ما فى الكتاب - هو اهتداء المؤلف الى الفرق الهائل بين تطور اللغة العربية وتطور الكتابة فقد تطورت اللغة بشكل هائل قبل الاسلام ، وقفز بها القرآن قفزة هائلة بحيث أصبحت لغة مكتملة ، ولكن نقصها الاكبر هو أنها كانت تخضع لما سماه المؤلف : " سلطان الذاكرة " بحيث كان أدبهم - وهو أسمى ما خلد اللغة العربية من عمل فنى قبل الاسلام - شعرا ، " وكان موزونا مقفى ليخضع لسلطان الذاكرة ويستغلها فى المحافظة على كيانه .
وجاءت الكتابة لا لتلبى حاجة أو ضرورة فكرية ، فقد كانت الذاكرة تلبى هذه الضرورة ، ولكن لتقوم بدور كمالى لم يكونوا يشعرون به وقد اقتبسوها من النبطية المتفرعة عن الآرامية . فهى اذن : " أمر ثانوى ، ولهذا بقيت مجرد حروف خالية من الاعجام أى النقط ، خالية من الحركات ، رديئة التصوير ، بحيث كانت رموزا يعسر حلها . اذ هى بعيدة كل البعد عن أن تكون صورة صادقة لما بلغته اللغة العربية من ضبط فى الاعراب وتوازن فى النبرة الموسيقية . فكان اذن تفاوت بين هذه اللغة الخاضعة " لسلطان الذاكرة " وبين هذه الكتابة البدائية المنقوصة . وكانت هوة فاصلة بين أدب هؤلاء وبين كتابتهم " ( ص 39 ) .
وقد حاول المؤلف محاولة جادة فى أن يستنتج أن القرآن حاول أن يحرر اللغة العربية من سلطان الذاكرة سواء بالاسلوب الذى نزل به ، ولم يكن شعرا على كل حال ، أو باستعمال الامر بالقراءة الى جانب الامر بالتلاوة ، مما يجعل الرسالة ليست شفوية فحسب ، ولكنها كتابية أيضا ، ثم التشجيع الذى بذله النبى والخلفاء من بعده فى تسجيل القرآن وكتابته فى العظام وسعف النخل .
وقد تتبع المؤلف ظاهرة الكتابة المنقوصة وأثرها على اللغة حتى وصل سريعا الى عصر الطباعة . ومع ذلك " فان التعثر الذى نال العربية فى خطواتها الاولى عندما عرف أهلها الطباعة يكاد يكون هو نفسه الذى عرفه العرب عندما رأوا أن الحاجة ماسة الى الكتابة ، فكما أنهم استقروا فى آخر الامر وفى عصورهم الاولى على كتابة منقوصة ، وقبعوا تحت تأثير " سلطان الذاكرة " فهم اختاروا كذلك ، بعد تلكؤ ، وعن عدم وعى بخطورة المسألة ، حروفا طباعية منقوصة أى حروفا خالية من الشكل " ( ص 55 ) .
بهذا الوضع يضع المؤلف المشكلة فى اطارها الواقعى بعد أن وضعها فى اطارها التاريخى . ويستخلص من كل ذلك : " انى أومن بأنه لا يمكن أن تزدهر اللغة العربية وتكون لغة حياة الا اذا دخلت عصر الطباعة بالفعل أى مكنت قراءها من أن تكون لهم كتابة كاملة مشكولة تماما لا اشكال فيها " ( ص 68 ) .
وبذلك وضع المؤلف المشكلة فى وضعها الحقيقى وهو أن تطور الكتابة لا يعنى تطور الاداة وتسهيلها فحسب ، ولكنه تطور للغة نفسها وازدهار لها وحياة . وتلك نتيجة هامة لا يمكن الا أن نوافق عليها موافقة كاملة .
كان من الطبيعى أن يكون كل هذا البحث مقدمة للحل الذى يقترحه المؤلف للمشكلة . وهذا ما قام به فى الفصلين الرابع والخامس . كان الفصل الرابع استعراضا للحلول التى اقترحت من قبل ، ومنها الحل السلبى الذى اقترحه عبد العزيز فهمى فى مصر وهو استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية . ثم الحلول الجادة التى قدمها محمود تيمور ومجمع اللغة العربية فى القاهرة ، ونصرى خطار وأحمد الأخضر ومروة . وقد اعترض على هذه الطرق جميعها ليصل الى الحل الذى يقترحه .
ولفت نظرى الملاحظة التى أخذها على الاستاذ الأخضر بعد أن استعرض استعراضا سريعا طريقته التى اختصرت ملامس الآلات الطابعة الى تسعين ملمسا مع شكل الحروف بالشكل الكامل ، الملاحظة التى أخذها على الأخضر فى طريقته المعيارية هى ما جاء فى قوله : " وليس من شك فى أن هذا المحهود قد أعان على تيسير الطباعة العربية ، إلا أنه لا يخفى على القارىء الكريم أن هذه الحروف لا تحافظ على جمال الحرف العربى وأن الاستاذ الأخضر وان توصل الى ضمان سرعة العمل واختصار الوقت بالنسبة للمطبعة فانه لم ينتبه الى أن كثرة الروابط بين الحروف وخاصة منها فى النص المشكول بعد خسارة من الناحية المادية تتمثل فى مضاعفة كمية الورق " ( ص 78 ) .
وأعتقد أنهما ملاحظتان تافهتان اذا تأكد المؤلف من أهمية الطريقة الجديدة التى اقترحها الأخضر . فجمال الشكل يمكن أن نصل اليه عن طريق التجميل الفنى وهى مهمة الخطاط لا مهمة مبتدع الخط أو الطريقة . أما كثرة الروابط فهى التى تتيح الشكل ، ومع ذلك يمكن البحث عن طريقة لاختصار بعضها . وينتهى الاستاذ ابن سلامة من هذا الاستعراض الى الطريقة التى اعتمدها
كحل جذرى لمشكلة الكتابة وهى التى سماها " الكتابة النموذجية " وتعتمد على فصل الحروف حتى تكون صالحة - فى الأغلب - لكل الأوضاع ( أول الكلمة ووسطها وآخرها ) الا الحروف المعرقة مثل : ج . ح . خ . م . ع . غ . ض . ص . ش . ق . ن . ى . الخ . فهى تصلح فى الآخر ولا تصلح فى أول الكلمة أو وسطها . وقد أصبح عدد الحروف بذلك 58 حرفا تضاف اليها الروابط بين الحروف وعليها حركات فتصبح ملامس آلات الطباعة 91 حرفا .
واذا كنت أشد عن يد الصديق البشير بن سلامة لهذا الاتجاه فى اختصار الكتابة العربية وضبطها واتفق معه فى مزايا هذه الطريقة ، فانى لم أجد كبير فرق بين طريقته وطريقة الاستاذ أحمد الأخضر ، وهما معا ينتهيان الى نتيجة واحدة ( طريقة الأخضر 90 حرفا ، وطريقة ابن سلامة 91 حرفا ) .
المهم من كل هذا أن تتضافر الطريقتان معا فى ايجاد الكتابة العربية المطبوعة المشكولة التى لا تكلف كثيرا من الوقت ولا تعقد الطباعة والتى يمكن أن تتبناها مختلف الأقطار العربية .
بعد الباب الاول الذى أعتبره ألصق بعنوان الكتاب نجد الباب الثانى عن " الخلق الأدبى واللغة العربية " ورغم أننى أجد الصلة ضعيفة بين هذا الموضوع وموضوع الباب الاول فان المؤلف يصر على أن " هذا الباب مرتبط أشد الارتباط بما قبله ، ذلك أن الكتابة العربية مشدودة الى نمط من التفكير ونوع من التصور للحياة ، واذا كانت الكتابة المنقوصة لها ذلك التأثير على مختلف مناحى نشاط أهل العربية فتأثيرها على الخلق أشد ، أى على اللغة التى هى مادة الخلق " .
لا أتفق مع هذا المنطق اطلاقا لأنه غير موصل الا اذا اعتبرنا أن كل مشكلة لغوية تؤثر على الخلق الأدبي . وبهذا المنطق يمكن أن نقول : " ان اللغات التى لا تصادف فى طريقها مشكلة كمشكلة الكتابة تكون طريق الخلق مفتوحة فى وجه أبنائها .
ثم ان الافكار التى وردت فى هذا الباب مليئة عندى بعلامات الاستفهام . وأولها موضوع الفصل الاول وعنوانه : " أزمة الخلق الأدبي أزمة لغة " فبعد أن أشار الى مظاهر أزمة الخلق الأدبى في المغرب العربى انتهى الى القول بأنها أزمة لغة . ثم سرعان ما يتخلى عن هذه " الحقيقة " ليفسرها بأن " الازمة هى
فى الحقيقة أزمة فهم ووعى للغتنا من حيث هى تعبير أى من حيث هى أداة للخلق الأدبى " . واذا كنت قد وعيت هذا الفصل وعيا كاملا فانى أجد فى الآراء الكثيرة التى تضمنها اضطرابا . ولذلك لم استطع أن أتأكد ما اذا كان المؤلف يجعل الأزمة أزمة لغة أو أزمة أسلوب وعروض وموسيقى شعرية أو أزمة فكر الخ الا اذا كان ذلك يدخل فى مفهوم اللغة . وهذا ما لا أتفق معه فيه .
لا أستطيع فى هذا التعليق أن أتتبع فصول الكتاب الاخرى ولكنى أعتبر من أجودها الفصل الثالث فى الباب الثانى وهو " الأسلوب واللغة التجاوز " وهو يتناول الصراع بين الفكرة واللغة والأسلوب عند الكاتب الخلاق . وهو فصل جيد لا يغنى فيه تلخيص عن قراءة .
والكتاب بعد هذا غنى بالنظريات والأفكار اللغوية والأدبية والتاريخية يهنأ عليها الاستاذ ابن سلامة . واذا كانت لى من ملاحظة فهى أنه لا يخضع لمنهج مدقق . وقد كتبه المؤلف فصولا موزعة كما يؤكد ذلك فى المقدمة . ولذلك فحينما أراد أن يخرجه فى كتاب متكامل كان ينبغى أن يستغنى عن الكثير مما ليست له صلة بالموضوع ولو أنه مهم فى حد ذاته .
ملاحظة أخرى - قد لا تخص الأخ ابن سلامة ولا تخص هذا الكتاب بالذات ، وهى أنه يعتمد فى كثير من المعلومات عن اللغة العربية ومشاكلها وتاريخ جزئياتها على مصادر أجنبية ، وهى موجودة فى مصادر عربية عليها أعتمد الأجانب . مثلا بداية الاعجام أو الحركات فى العربية موضوع مطروق فى كثير من الكتب العربية . ولكنه يعتمد فيه على دائرة المعارف الاسلامية بالفرنسية . تاريخ القرآن وجمعه وتدوينه كتب فيه الكثيرون أشهرهم السيوطى فى الاتقان ، ولكنه يعتمد فى الموضوع على بلاشير فى كتابه عن القرآن .
ولا يفوتنى أن أنبه الى بعض الأخطاء المطبعية ( حتى فى النصوص القرآنية : ان علينا جمعه وقرآنه : ص 48 ) واللغوية كالاصداع مع أن الفعل ثلاثى . وتظافر تكررت الكلمة كثيرا فى الكتاب مكتوبة بالظاء مع أنها بالضاد كالضفيرة لا كالظفر .
بقيت ملاحظة عامة فى بعض التعابير اختار من بينها استعمال فعل " وقع "
كفعل مساعد مع أن العربية لا تحتاج الى فعل مساعد كما يوجد فى الفرنسية أو الانجليزية مثلا . وهكذا وردت مثل هذه الجمل : وقعت تجربته ، وقع بتره ، وقع تداركه ، وقع النظر فيه ، يقع احضار تونسيين ، وقع استعماله ، وقع تركيز ، وقعت استعارته . يمكن فى هذه الجمل التعبير بالفعل مباشرة ابتعادا من التعقيد فتقول : جرب ، بتر ، استعير ، أحضر ، استعمل ، نظر فيه الخ وهذه الظاهرة ليست خاصة بالاستاذ ابن سلامة بل انها عامة فى كتابة المثقفين التونسيين الذين يستعملون الفعل المساعد للفعل الذى يؤدى المعنى بنفسه سواء بنى للفاعل أو للمجهول . ولاحظتها فى اللهجة العامية التونسية ، وهى من أصفى اللهجات العربية . ولست أدرى هل آنتقل هذا التعبير من العامية الى الفصحى أم من الفصحى الى العامية ؟ .
بعد هذه الملاحظات - وبعضها جانبى - أهنئ الاخ البشير بن سلامة على كتابه القيم الذى يعتبر دفاعا مجيدا عن اللغة العربية فى المغرب العربى وأرجو له مزيدا من التوفيق فى هذه الابحاث القيمة التى توجه الشباب والدارسين الى مشاكل لغتنا والتى تسهم فى حل هذه المشاكل تمهيدا لتعميم الثقافة ونشر المعرفة بين الناطقين بالعربية ودفعا للغزو الفكرى الذى يعتمد على منفذ مهم هو ما يزعمه من قصور اللغة العربية وصعوبة دراستها .
