الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، احمد رامي قصة شاعر وأغنية

Share

آخر قصيدة ألقاها شاعر الشباب أحمد رامي الذي تجاوز الثمانين من عمره المديد المعطاء هى قصيدته فى مهرجان الشعر الحادي عشر الذي نظم بمناسبة  انعقاد مؤتمر الادباء التاسع فى تونس الجميلة فى التاسع عشر من مارس  1973 ، وقد تردد صوته الهادىء الحنون فى جوانب قاعة ابن رشيق ، وهو يتغنى بجمال تونس وأمجادها :

حي يا قلب تونس الخضراء   واملأ العين بهجة وبهاء

بلد يسبح الخيال ويسرى ال     فكر فى جوه الى حيث شاء

ولا ندرى لماذا أراد أحمد رامي الشاعر العربى المعاصر ان يحفر تحت الجدار فيقول مخاطبا أبناء تونس الامجاد :

يا بنى الصيد من سلالة ) هانيبال ( طبتم أصلا وزدتم علاء نحن ياصحب من سلالة ) رمسيس ( نمتنا العلا ، فكنا سواء

كأن الشاعر كان يتحدى - عن غير قصد طبعا - مشاعر العرب المتجمعين تحت لواء القومية ، وقد تناسوا الاقليميات والعنصريات والاجناس والالوان  ليستروحوا الى ظل العروبة ، وليفئوا الى أحضان الكلمة الموحدة ، وليشدوا  أواصر النسب الواحد ، وليجددوا مواثيقهم لكى تذيب ما تبقى من مظاهر  الفردية والانعزالية ، فجاء الشاعر ليثير من الماضي ما كان راقدا ، وليعيد الى  الاذهان عوامل التشتت ، حينما يرد أصول العرب في مصر الى الفرعونية  وفى تونس الى القرطاجنيين القدماء هكذا بلا مناسبة أو مبرر

الأمر الذي استدعي الشاعر العربى محمد عبد الغني حسن - بدبلوماسيته

الشاعرة - أن يجعل من قصيدته فى ندوة القيروان اعتذارا مصريا مهذبا عن نزعة رامي الفرعونية التى آذت المشاعر واستجلبت النقد والتعقيب

فقد هتف عبد الغني حسن بجرأة وحماس وايمان

مالى و ) رمسيس ( وقد انسيت - بالاسلام - أمره

مالى و ) هانيبال ( أذكره ، وأذكر ( كيلوبتره )

ان العروبة فى دماءينا مؤثرة وحرة

نسب كمثل الشمس اشراقا ولالاء وغرة

نسب يبلغنى السها وينيل كفى المجرة

واذا عتب القوم على رامي فرعونيته ، فقد كان العتب أشد على الشاعر  الشعبى التونسي  الذى وقف يحيى المؤتمرين العرب فى حفل العشاء بالقصر  الجمهورى ، فجاءت قصيدته تونسية محلية مائة بالمائة ، لم يستوعب الناس من كلماتها أو عباراتها الا أقل القليل فجزاه الله عن تونس والعرب خيرا

مجرد ملاحظة

ولقد كانت وعكة رامي قبيل انتهاء المؤتمر شغل المسؤولين فى تونس ، وشغل المؤتمرين العرب

الا ان رحلته قد كللت بالوسام الثقافي التونسى الذى منحه اياه الرئيس الحبيب بورقيبة .

بعد أقل من شهرين كان بين أيدى القراء في العالم العربى ذلك الكتيب الذي أصدرته سلسلة " اقرأ " بالقاهرة عن " أحمد رامي قصة شاعر وأغنية بقلم الباحثة المبدعة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد .

وقصة المؤلفة مع هذا الكتاب وهذا الشاعر ترجع فيما أعلم الى فترة الخمسينات ، حينما بدأ اسمها يلمع على أغلفة عدة كتب متتابعة مما ألفت حول سير الادباء والشعراء والفنانين ، ويتردد على صفحات المجلات الادبية المحترمة .

فقد نجحت تجربتها الاولى فى هذا الفن ، حينما ادارت بحثها لرسالة

الماجيستير عن الاديب الكاتب والصحفى والشاعر المجدد ابراهيم عبد القادر المازنى ، ثم تتابعت كتبها عن أم كلثوم ، وعن الاخطل الصغير ، وعن الشابى  وغيرهم .

لكن المؤلفة بعد أن فرغت من تسويد هذا الكتاب عن حياة رامي طوته مؤقتا ربما لان الكتابة عن الاحياء يومئذ كانت تعتبر بدعة غير مستساغة فى نظر  النقاد التقليديين ، او لاسباب أخرى غير معروفة جعلتها تطوى هذا البحث

الا أن المؤلفة بعد عقدين من الزمان تمردت على هذه الموانع ، وأصدرت الكتاب الذي بين أيدينا اليوم ، والذي يمثل حياة نابضة ورائعة لشاعر غرد لشعبه فأطربه ما يزيد على نصف قرن من الزمان ، ومازال فياض العطاء .

وللمؤلفة قلم مميز السمات والملامح ، ولها منهج عرف بها وعرفت به ، حتى لا يخطئ القارئ فى نسبة أعمالها اليها عند النظرة الاولى

فمن خلال هذا البحث القيم بما يحمله من منهجية وتسلسل ، وايجاز مقصود ، وبما يتوفر له من المراجع الحية والمراجع التقليدية - تستبين لنا  صورة رامي واضحة محددة لا تختلط فيها الرؤى ، ولا تلتبس الزوايا

وفي اطار زاه من المحبة والتعاطف تتميز صورة رامي منذ نشأته العادية ، وبيئته الارستقراطية ، والاحداث الخاصة التى أحاطت بالنشأة الاولى ، ثم ثقافته العربية ، والأوربية الجديدة ، وان لم تبد الثقافة الاوربية فى انتاجه  كما ظهرت في انتاج مطران وابى شادى وشكرى والمازنى والعقاد مثلا ، ثم اشتغاله بالتعليم ، فبعثته الى أوربا فى وقت متأخر بعد أن نضجت ثقافته  العربية وتأصلت ، وجاء ما استفاده من البعثة استكمالا لهذه الثقافة غير  متغلغل فى خلاياها

وكان التقاؤه بشوقي وأبي العلا محمد وأم كلثوم تأكيدا للطريق الذي سار فيه ، فاذا هو شاعر محروم محترق العاطفة ، يترجم شعره عن حرمانه وآلامه وأحزانه وجوعه العاطفي ، وكأنه يحمل آلام العشاق ومآسي الصد والهجر الذي يكابدونه جميعا ، لكن روح المرح والتفاؤل لم تتخل عنه  .

ويتلون شعره بألوان الرومانتيكية الحالمة وحياة الطبيعة الزاهية الفاتنة التى شاعت يومئذ في عالم الادب والفن كله ، مشتقة من حياة الجيل العربى الراهن  أو وافدة في ثنايا الاتصال الذى أخذ يتوثق بأدب الغرب الحالم .

ويتطور اعجابه بأم كلثوم الى حب يغرق فيه أحلامه ، ويتعبد فى محرابه لكنه - فيما يبدو - حب فنان يستلهم الوحى من وقائع الحب ، ويضيف اليه من خياله ما يجعله نموذجا للحب العذرى الذى كان سمة بارزة للشعراء العذريين فهو يعذب نفسه بأكثر مما يعذبه الحب ، ربما لينضج فى تنوره الشعر الرائع  المتدفق ، وتتقبل منه الحبيبة هذا الاسلوب على أنه وقود لفنها اللامع المتلألى الذى يزيد بهاؤه وضياؤه واشراقه ، ويزيد انتشارا يوما بعد يوم ، ليرقى  منزلة بعد منزلة فى سماوات العالم العربي ، ويملأ الشرق ، ثم يضم تحت لوائه الغرب كذلك ، فيأسر ، ويبهر ويروع

ويصدر ديوانه الاول عام 1917 ، والثانى عام 1920 ، والثالث عام 1925 : وتصدر ترجمته لرباعيات الخيام عن الفارسية التى درسها خصيصا لهذا  الغرض ، ثم مسرحيته الغنائية القصيرة " غرام الشعراء "

وتتلقه أقلام النقاد بين محبذ ومجرح ، وبين عاتب ولائم ومؤنب ، لكن المؤلفة تتداركه فتنقذه من بين أسنة هذه الاقلام ، لتقول كلمة الحق فيه ، وترد الهجمات عنه ، بالجدل الهادىء والعرض التحليلى ، والغوص على طبيعة الشاعر ومدى قابليتها للانفعال والتفاعل ، ومقدرتها على قول هذا وترك ذاك

ويكون الدفاع الطبيعى عن الشاعر هو ابراز جهوده فى ميدان المسرح والسينما وبقية الجوانب التى أغفلها أو غفل عنها النقاد أو تجاهلوها

ثم تعرض صوره الجديدة الشفافة الزاهية التى أخذ يبدعها فى شعره بلا اجهاد ، فاذا هي تروع وتأسر ، واذا هو شاعر السهولة والروعة والعفوية والقلب الطفل

أما فى الغناء فهو رائد جيل ، جدد الاغنية ، وحولها من الحسية المبتذلة الى الصورة الطبيعية العفة العذبة ، وبذلك أصبح زعيم تيار الاغنية العاطفية  الرومانتيكية الذاتية ، وقد دخل الى الزجل القويم من باب الشعر الفصيح فأدب الزجل ، وغنى للمثقفين خواطرهم وآمالهم وأوجاعهم ، وترجم عن عواطفهم ، وأفصح عن مكنون قلوبهم ، وحاول جيل من مؤلفي الاغاني اقتفاء  أثره ، لكن الكثيرين منهم أسفوا ، وغرقوا في ذواتهم ، ولم يستطيعوا  التحليق أو اللحاق

وكان فى مقابل الاغنية الذاتية عند رامي تيار الاغنية الشعبية عند بيرم

الذي نجح تلاميذه فى دعم هذا التيار ، على حين أخفق تلاميذ رامي ، لانهم لم يدركوا خصائصه الاصيلة ، فقلدوه على غير بصيرة

لقد أوردت المؤلفة احصاء طريفا عن قاموس الغزل عند رامي ، ومن استقصائها استبان لنا ان هذا القاموس لا تكاد تبلغ كلماته مائتى كلمة ، كثر دورانها واشتقاقها على لسانه ، ومع ذلك فقد استطاع أن يبدع من هذه الكلمات  القليلة نسبيا كل صوره ومعانيه وخيالاته الرائعة ، وهي معجزة له .

لكن هذه الكلمات القليلة من كثرة ما ترددت على لسان هذا الفنان الاصيل حسب المقلدون أن هذا هو سر اعجازه ، فأستخدموا هذه الكلمات كثيرا بلا فن فجاءت عندهم كالحجارة المنثورة على الثرى ، لا تشكل بناء ، ولا تمنح متعة ولا تذكى عاطفة ، ولا تثير خيالا ، ومن هذا كان قصورهم عن التحليق فى أجوائه العليا .

واذا عاب النقاد على رامي أنه اغرق الاغنية المصرية فى الرقة والنعومة والضراعة والبكاء والاسراف فى الذاتية .

واذا عابوا عليه أنه قصر عن تغذية المسرح الغنائى ، ولم ينزل الى ميدان الأوبرا والأوبرت ، بل ظل كل وفائه للتخت وحده ، فان المؤلفة تنبرى برقتها وقوة أسرها للدفاع الناعم بازاء الهجوم المركز

فهي تبدأ بالاعتذار عن " شاعر الخواطر " أن يحلق كل هذا التحليق ، اننا نرهقه من الامر عسرا .

ثم تثني بعرض جهوده الضخمة التى تتمثل في قيامه بعملية " اعلاء " الاغنية العربية ، ونقلها من مجرد الحسية والتلاعب بالالفاظ ، والابتذال الخلقي الذي يثير الغثيان ، الى الصوفية الروحانية والرومانسية العفة والراقية ، والى  اشاعة الصور الملونة الزاهية ، والمشاعر الانسانية المهذبة ، والمزج بين الشعر والزجل ، والارتفاع بالاغنية من المحلية المتقوقعة الى الافاق العربية الرحبة حتى أكسب الاغنية المصرية بألفاظه وتراكيبه السمحة السهلة الجذابة انتشارا واسعا على امتداد العالم العربي من مشرقه الى مغربه ، وهي تتردد على أوتار الحنجرة الذهبية لمعجزة الغناء العربي أم كلثوم ، فأصبحت هذه البلاد تستملح  الاغنية المصرية وترتاح لها ، وتعجب بها ، وتتأثر بها ، وترجعها فى حنين  ومحبة ، بل أصبح لها تلاميذ ورسل فى كل بلد ينطق الضاد أو يتذوق اللحن  العذب ، أو يتعشق الصوت الجميل

وفي هذا المجال تتابع المؤلفة رأي بعض النقاد في أن شوقي نفسه تأثر رامى فى أغانيه ، وليس العكس

وتستخلص المؤلفة أن لرامي لونين متميزين من الغناء :

الاول : أغاني اللوعة والهجر والفراق والشكوى والحنين ، وقد اختص بهذا اللون أم كلثوم وحدها ، وكاد يقصره عليها ، لانه يرتاح لمناجاتها بهذه الاغاني قصدا او عفوا

الثاني : هو اللون البهيج المرح الذي يصور به فتنة الطبيعة ، ويستوحى المواقف الدرامية ، ويتمثل أشخاص الروايات فى أطوارهم وخواطرهم ، وهو اللون الذى شاع فى الافلام المصرية منذ الثلاثينات ، وتغنى به بقية الممثلين والمطربين

ويكفى رامي بعد ذلك انه اشترك بالتأليف أو الحوار أو الاغاني فى 30 فيلما  وكتب أوبريت انتصار الشباب ، وأوبريت أحلام الشباب ، وترجم مسرحيات  النسر الصغير ، وفي سبيل التأج ، وسمير اميس ، وشارلوت كورداى وجان دارك ، وهاملت ويوليوس قيصر ، والعاصفة ، بالاضافة الى 15 تمثيلية  أخرى ، وألف مسرحية غرام الشعراء ، ورواية وداد ، ورواية دنانير ، وقد كانت بطلتهما هى أم كلثوم

ماذا يريد النقاد من شاعر هذه نشأته ، وهذا كفاحه ، وهذا عطاؤه ؟

هذه هي جهود المؤلفة فى ابداع هذا التمثال البشرى الخالد لشاعر الشباب أحمد رامي ، ولها فى هذا المجال أفضال تضاف الى سوابقها

فهى صاحبة قصة العشق الجميلة بين رامي وأم كلثوم اللذين احتضنا  الاغنية المصرية فى المهد ، وأنضجاها ، وتعاونا على تأصيلها

لم يجرؤ أحد على الافصاح عن قصة هذا الحب بمثل هذه الصراحة قبل المؤلفة ، ولو أن المجال فى هذه القصة كان مهيأ لابراز المواقف الدرامية بأكثر

مما برزت على يدى المؤلفة ، مع أنها صاحبة أسلوب قصصى ديناميكى دافىء وململم في كل ما تكتب من سير ، وكانت وقدة الخيال وحرارة الذكريات مواتية لهذا القلم المبدع

وفي هذا البحث القصير نسبيا ترسخت رصانة البحث العلمى بعد أن تخلى عن الكثير من ملامح الشاعرية الناعمة وانتقاء الالفاظ والتراكيب الناعمة قصدا

وفي هذا الكتاب تخلت المؤلفة الى حد كبير عن حشد آراء النقاد حول شخصياتها ، وحل محلها الاحكام والآراء والنظرات الاصيلة للمؤلفة نفسها مما يجعلها مرجعا لمن سيأتي على اثرها ، يؤهلها لذلك قدرتها على التحدى القائم على التحليل العلمي ، والتبرير الفني ، والوقائع الصحيحة

على أن المؤلفة أغفلت أو تعمدت أن تغفل جانبا غير هين من شعر رامي ، بل انها انكرت صراحة انه خاض فيه ، حين قطعت بأن رامى لم يطرق شعر المديح أو الهجاء .

صحيح أننا لم نعرف لرامي شعرا فى الهجاء ، ربما لان هذا الشاعر العاطفي السمح ، السريع الانفعال ، البسيط العاطفة صاحب الافق الانسانى ليس في حاجة الى ان يهحو ، خاصة وهو فى حياته الاجتماعية انسان منبسط ، يعد من زعماء الفكاهة ، ويميل الى السخرية ، فلا يكن حقدا ولا يحمل ضغينة لاحد ، ومن هذا فهو يستطيع أن يفرغ شحناته العاطفية فى نكته أو فكاهه ، تنفرج على أثرها ازماته النفسية مهما تعقدت

أما مدائحه فقد كانت شهيرة جهيرة ملعلعة ، تدوى فى الاسماع ، سواء بالقائه العذب الناعم على موجات الاثير أو على صفحات الصحف ، أو مرجعة  على اوتار حنجرة أم كلثوم الذهبية . وكم مدح من الشخصيات السامية ، والانداد  والنظراء ، وخاصة قبل عام 1952

ورامى رجل مجامل ، له منزلته الاجتماعية ، فلم يكن يتوانى حين يدعو الداعى  عن أداء واجب المجاملات ، ولم يكن يرضى أن يتخلف عن مواكب الأدباء والشعراء في المناسبات القومية والوطنية الكثيرة

ولهذا فان حكم المؤلفة بتجريده من هذا الفن من فنون الشعر يحتاج الى  مراجعة

وبعد فحسبنا من المؤلفة أنها كانت لسان الجيل الصادق فى تحية رامي وتخليد فنه بعد أن أوشك الناس أن ينسوه وهو حي دائب الحركة كثير العطاء لكن جيلنا دائما فى حاجة الى التذكير بعد أن آلهته طرافة الجديد وبريقه عن اصالة الفن ، وفداحة المعاناة وتعميق الاصول حتى ليعد رامى وأمثاله من الشهداء الذين ارتادوا المجهول ، على قلة الامكانيات وشظف الارتياد ومشقات الطريق .

تحية لرامي على طريق الحياة الخصبة المديدة

وشكر للقلم الذي مجد كفاحه وأشاد بجهوده الاصيلة والجميلة .

اشترك في نشرتنا البريدية