انتشرت اللوحات فى الادب التونسى كلون فنى للتعبير وتطورت بطريقة عصرية جعلتها تتخذ اشكالا جديدة متنوعة اعتمدت في معظمها على الايجاز فى هذا العصر الذى أصبح فيه كل الناس تقريبا ينصرفون الى ما هو سريع قصير مما دفع بالبعض الى الاعتقاد بان القصة القصيرة اصبحت تلقى رواجا كثر من القصص الطويلة أو الرواية ، غير أننا ما دمنا اخترنا الحديث عن هذا النوع من النشاط الفكرى الصعب الذى لا يجسد بصورة تامة مختلف ما يمكن أن تصل اليه المشاعر والخواطر من استنتاجات وافكار ربما تحتاج الى اشكال اكثر سعة وشمولا ، فاننا سنحاول التعرف والتعريف بلوحتين من لوحات البشير بن سلامة : العتاق (العدد الثاني من مجلة " الفكر " نوفمبر 1970 ) وضمير الغائب ( العدد الرابع حانفى 1971 ) باعتبارهما جسمتا ما اشرنا اليه من الالمام بصبغ التطور فى اطار ضيق ولكنه محاط بأسلوب صاغه المؤلف بمادة " لا ينفذ منها الماء " :
" وسألها سيدها عن النار والحطب والماء ، فنطقت يداها عروقا نحاسا ، وعضلات حجرا صلبا ، وانفرج فمها بطئ اللفظ عن غطيط الكلام ينطلق من حنجرة أثر فى أوتارها بعض بكم الطير " (العتاق) .
ان لوحات البشير بن سلامة تعتبر من اللوحات القليلة اذا لم نقل هى الوحيدة التى تطورت مع مفهوم القصة والعصر والقراء فهى من الانتاج الذي لا يأتي بالنوم عندما يتناولها القارىء فى فراشه وانما يؤرقه حائرا حتى مطلع الفجر وقد لا يطلع على البعض من الذين لا يريدون الانحطاط بمستوى هذه التأليف لانها جاءت مكتوبة بصيغ أدبية فنية فى شكل يقربها أكثر من لغة لكل الحسي الذي يعتمد الوصف غير المباشر اطار عمل فبلغ محتوى لوحاته مستوى رفيعا برزت فيه بالخصوص القدرة على دمج عدة عناصر أهمها عنصرا
الفن التصويرى والنتر الرمزى بما فى الرمز من عموض فى بعض الاحيان الى جانب توفر العنصر الروائى :
" ... جره حبل الرحيل ضحوكا زلوقا ، وأركبه هاء غاب فى لج اعماقها بين عجمة اللفظ وسحيق البعد : زمانا حنينا وظلمة نفس ، أوصالها تتقطع بين كونه الغائب واناه المضطرب " (ضمير الغائب) .
أما عن الصور فانها ليست تامة ولقد تعمد الاستاذ بن سلامة تقديمها مختصرة بطريقة موحيه ولكنها لا توفر لنا العناصر الكافية التى تعطينا صورة كاملة مفصله عن المضمون الذي كتب بصيغ متينة جدا لها ايقاع قوى لا يحتوى فى الغالب الا على مادة واحدة مما جعل اللوحة تأخذ شكل المقطوعة النثرية الفنية التى تمتاز فى الغالب بأسلوبها واطارها الشعرى ، غير ان ما تنفرد به هذه اللوحات شأنها فى ذلك شأن القصة القصيرة الحديثة هو انها تعتمد اطلاقا على التحليل النفسى العميق مع استعمال الرمز فى كل مرة :
"... ولما هدأت نفسه تزوج عذراء علجية وردية الملامح ضحوكة الاسارير وجن بها جنون الضائع فى متاه تورقت المسالك منه وارتاح فى مطاوية الى قناع اعطافه تضوعت منها ارواح أناه ، ثم انفق عن هاء موحش فك عقاله طلاقا وتيها ... " ( ضمير الغائب ) .
نرى ان الاستاذ ابن سلاعة فى هذه المقاطع يستعمل لفظ - هو - مستترة وهى بدون شك تعوض الأنا الحاضرة فى موقف المؤلف وشخصيته وتزيد القارىء ادراكا لاقصى ما يمكن ان يصل اليه التحليل السيكولوجي من عمق ، واطلاعا اوضح على الدوامة النفسية التى يتخبط فيها بطل اللوحة إذا كان هناك بطل من خلال بحثه عن الحرية التى هى ضرورية عنده للخلق والابتكار ...
وادا فان جيمس اوفيستان جويس حطم البناء المنطقي للقصة فى حدود الحلم الذى يعيشه الابطال حينا وفى حدود التيار الشعورى حبنا آخر ، واذا كان ابطال مؤلفات فولكنر ثاروا على هذا البناء وحطموه فى اليقظة ليواجهوا الحقيقه كما هى جارحة لاحساس الانسان الداخلى وبالرغم من ان نقاط التشابه لا تلتقى الا فى ناحية التعبير عن الغربة فان البطل في لوحات الاستاذ ابن سلامة بشعر دائما كما يقول كبر كجارد : " بغربة داخلية وهي تلك التى يشعر فيها بالبعد عن ذاته وغربة خارجية وهي ضياع الذات في شئ خارجى عنها " :
" ... وما ان تزوج عالما ألوانه شتى وجوارى كواعب وخناثا وتردد بين الجمال والقبح حتى لبس قناعا شده بأناه ، وطلاه بهاء باهتة النور ، ونزل يطوف دروب التاريخ ويتسور اصداء الكون فاعترضته جموع لها انسام خلوتة الباقية ، وانوار حنينه الأليم .... " (ضمير الغائب) .
وبالرغم من أن هذه اللوحات تجريبية فى شكليا رمزية فى لغتها فان مضمونها الذهنى الذى هو تعبير داخلى صادق عن نزعات الذات القلقة التائقة الى امتلاك مواقف واضحة يمثل ميزة هامة تتمثل فى تبنيها لقضايا الايمان والاقرار بان الالتزام بالكلمات وحده - فى هذا المزج بين الرمز والايحاء - لا يضمن للشخصية الوصول الى أى قرار اذا ما اعتمدت الحوار مع المطلق الغامض سببلا الى أن تحيا الوجود مليئا بالحب والحرية التى تجعل الانسان يحتل المكانة الاول السامية ويتعرى فى عالم الاحداث التى يعيشها والتي تشع فيه حيرة تدفع به الى السمو بوضعه الاجتماعى الى التجربة التى ربما يدرك بها ، إن لم نقل يتجاوز ، الحقيقة التى اتضحت له فى صور مضطربة غامضة :
" ... صاح صيحة افلات فانفصمت أناه وانقشع قناعة وصرخ هاؤه جبارا عنيدا وشده اليه وحشي السمات شره أحد من قاطع الشجر .
وفى الصباح بعد انفراط الجموع ، القاهرة البحر عاريا . . . " (ضمير الغائب ) .
ان أهم ما نلاحظه فى نهاية الحديث عن هذه اللوحات : " أن الشكل فيها تحول إلى مضمون واتحد فيها الدال والمدلول " وهذا هام اذا اعتبرنا ان مثل هذا . للون من الانتاج يتطلب أولا التزود بسبب منطقي ونظرة حقيقية الى الاحداث الداخلية التى يتمكن بها المطلع على اللوحات من ربط الشكل بالمضمون وهو عمل أساسى بدأت تظهر بوادره فى بعض التأليف التونسية كانت هذه اللوحات أقصرها وأعمقها باعتبارها تمثل كفاحنا متواصلا ضد الغربة فى صميم الغربة نفسها معتمدة فى ذلك طريقة الرمز " الذي يتحد فيه الرامز والمرموز " وهو اتجاه نلمس من خلاله ان الاستاذ البشير بن سلامة أراد ابتكار تركيبه الفنى الخاص به واستعمال اسلوبه الشخصى وهو عمل لمسناه فى ما انتج وما دعا اليه مع ايماننا القوى بأن صعوبة اسلوبه وتعقيد البناء فى لوحاته يفصلانه نسبيا عن القراء مثل ما وقع فى الماضى لفولكنر وجويس الا انه لا بد للقارئ قبل مطالعته للوحات الاستاذ ابن سلامة ان يستحضر ما قاله مورياك من : " أن الجهد الذى يبذل فى التعبير عن النفس لا بد أن يؤثر فى طريقة التعبير " .

