الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، الطاهد الاكبر محرر تونس ورائد نهضتها

Share

طلع علينا فى هذه الايام كتاب جليل في سيمرة رجل جليل ، نعني بذلك كتاب السيد محمد بكار الذى نشرته كتابة الدولة للشؤون الثقافية بعنوان ( المجاهد الاكبر : محرر تونس ورائد نهضتها ) .

ولا يخفى على أحد صعوبة المجهود الذى يتجشمه كل من أقدم على التأريخ للعظماء من أبناء البشر وعلى تصوير جلائل أعمالهم وابراز الفترات الثرية من حياة كانت ولا تزال كلها ثراء وغنى . فهذا النوع من الاعمال شاق متشعب بتشعب الشخصية المدروسة وتعدد مميزاتها وخصائصها . هو جهد مضن يكلف صاحبه - إن هو أراد أن يضمن لنفسه النجاح - أن يسمو بعمله إلى المستوى الملائم لموضوع الدرس قيمة

يقدم السيد المؤلف كتابه بقوله ، بعد أن تحدث عن محاولات سبق أن ظهرت في دراسة حياة الرئيس : ومن هنا جاءت فكرة وضع هذا الكتاب الذى حاولت أن أجمع فيه كل المعلومات التى نشرت والتي لم تنشر عن حياة المجاهد الاكبر منذ طفولته إلى أن أصبح رئيسا للجمهورية التونسية . . ثم يقول : أما المعلومات التي احتوى عليها هذا الكتاب فهي ثمرة مجهود تواصل عامين كاملين في البحث والاستقصاء والإتصالات ، وجمع ما روى وما قيل وما كتب في مناسبات شتى متفرقة ، ثم تصنيف كل ذلك وتدوينه

وقد وفق السيد محمد بكار في دراسته وتقديمه لشخصية المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة إذ أنه سلك طريقا تعتمد

البساطة في العرض والتشويق القصصي في الاسلوب فلم يكثر من التأملات واستخلاص العبر للقارىء ، بل ترك الاحداث تتكلم بنفسها وتتحدث إلينا حديثا محببا إلى القلوب . فجاء الكتاب على ما يبغي أن يكون عليه من الاصالة ومن السهولة واليسر يقبل عليه القارىء باهتمام ويساير صفحاته بشوق وارتياح حتى الخاتمة

وان إقتناعنا بجدوى لهذه الطريقة ليزداد إذا أدركنا أن الكاتب إنما يتجه بكتابه إلى الشباب أولا وبالذات فيقول مثلا في إهدائه مخاطبا الجيل الصاعد : إليك أيها الجيل أهدي هذا الكتاب ، حتى نعرف بعض مآثر باعث تونس الجديدة وما أكثرها - وتحقق ما علقت عليك من آمال

وحقا لقد كان الكتاب فى أسلوبه وطريقته مما يجدر بكاتب أن يقدمه إلى شباب هذه البلاد ، وإلى كل من يرغب في التعرف على شخصية رئيس تونس من الاصدقاء والاخوان فى البلاد الاخرى . وقد مهد السيد محمد بكار لكتابه بمجموعة من الاراء أبداها عدد من كبار الصحفيين فى الشرق والغرب عبروا فيها عن اعجابهم وتقديرهم إزاء شخصية رئيس الدولة التونسية وما يمتاز به من نادر الخصال

ثم تحدث عن الرئيس حديثا نستطيع أن نقسمه إلى أربعة أقسام كبيرة اعتمادا على التطور الزمني والمنطقي

1- قسم نرى فيه الحبيب بورقيبة شابا متعلما يجتاز مختلف مراحل تعلمه ببلاده ثم خارجها ، حتى يصبح محاميا ، دون أن يمنعه ذلك من الإهتمام بشؤون بلاده وتخصيص جزء كبير من وقته ومن جهوده لدراسة مشاكلها والبحث عن أسباب النهوض بها وتحطيم القيود التى تكبلها وتشل من حركتها . ثم يبدأ الكفاح الاساسي ، ويبدأ العمل على تحريك هذا الجسم الذى خدره طول الرقاد ، وعلى بعث الوعي وإلهاب العواطف الكامنة في الصدور حتى تتدفق الحياة دما حارا فى الشرايين . وما هى إلا فترة حتى يتحرك الشعب الجبار ويهب ملبيا نداء الحبيب يدك الحصون ويقوض الصروح

2 - غير أن بعث الوعي في صفوف الشعب لم يكن ليوفر بمفرده ظروف نجاح هذه القضية التى وهبها القائد كل حياته . فتبدأ هكذا مرحلة ثانية من مراحل الكفاح تدور خارج البلاد ، مرحلة محورها ورهانها كسب الانصار بالشرق وبالغرب ، وعزل العدو وإبرازه بمظهره الحقيقي ، الظالم المتجبر العنيد يمتنع عن نصرته كل ذي نية طيبة ولو كان من أبناء جلدته

3 - وقد نجح الرئيس الجليل فى هذه المرحلة أيما نجاح ، وعندها تمكن من التخلص إلى الطور الثالث من أطوار الكفاح ، وهو أعسر هذه المراحل وأحوجها إلى التثبت وإلى الثبات ، لانه تتويج المرحلتين السابقتين وثمرة مجهودات دامت عشرات من السنين . وهذه المرحلة الثالثة هي مرحلة الكفاخ الايجابي والمقاومة المسلحة . وقد استطاع الرئيس أن يوفر لهذه الفترة الدقيقية من الاسباب والاستعدادات ما جعل النجاح فيها مضمونا ، فقد ختمت باستقلال البلاد وتحررها تحررا نهائيا من قيود الامتهان والذل .

4 - وأمكن للرئيس بعد ذلك أن يوجه الشعب ، فى مرحلة رابعة ، إلى العمل الذاتي للنهوض بانسان هذا البلاد والخروج به من ظروف الفقر والجهل والتخلف إلى عوامل الكرامة والسعادة والرخاء . ومن جهة أخرى فقد تمكن العاملون المجاهدون بهذه البلاد من التجرد الضرورى للنظر في أساليب كفاحهم ودراسة طرق عملهم حتى يستنبطوا قواعد المذهب الذى قام عليه كفاح القائد والمبادىء الاساسية التى ما إنفك يسير على هديها . وقد خصص السيد محمد بكار فصلا صغيرا فى خاتمة كتابه لدراسة المذهب البورقيبي دراسة عابرة

ومن أهم الخصال التى تميز بها هذا الكتاب ارتكازه من أوله إلى آخره على الوثائق التاريخية الحيه الناطقة من رسائل ومقالات صادرة عن المجاهد الاكبر فى مختلف أطوار الكفاح ، وهذه النصوص المضبوطة ذات أهمية كبرى من الناحية المبدئية النظرية ومن ناحية التطبيق العملي أيضا . وهى مجموعة في هذا الكتاب ومنزلة في منازلها التي وردت فيها وبسببها .

ومن حسن الاتفاق أن هذه الوثائق ، على كثرتها ، لا تثقل كاهل

القارىء فامتزاجها بحديث الكاتب امتزاج طبيعي ، بل أن اسلوب بعض هذه الوثائق ليزيد من عوامل السمو بالكتاب ، من الوجهة الادبية ، إلى المستوى الإنساني الرفيع فهل توجد تجربة إنسانية أعمق وأروع وأشد أثرا فى نفس القارىء أو السامع من تلك التي نستشفها ونحن نسمع الرئيس الجليل يتحدث عن ظروف إقامته بجزيرة جالطة فيقول : غرفتي الباردة المظلمة بجالطة هي جنة أخرى وضاءة دافئة بما أشعته فيها نفس مطمئنة قد أدت ما عليها من الواجب

ثم يضيف قائلا : إلا أن الثبات فى وجه القوة الغاشمة والرضى بكل النوائب المادية للتعجيل بتحقيق مثل أعلى رائع قوامه الحرية والتاخي الانساني لخير دليل على أن المرء قد صارت أهلا للارتقاء إلى المكانة البشرية الحق ، وارتفع على مستوى الحيوان واحتفظ بنفس من روح الله تلك هي جنة الدنيا والاخرة . حقا إنه الانسان في رقة العاطفة وفى صلابة العزم وجبروت الثبات والصمود

وفى هذا العصر الذى عزت فيه القيم الإنسانية الحق ، وتهافت الناس على السهولة وظهرت المجموعات البشرية على بساط مستوى واحد رئيسب لا تفاوت فيه بين الافراد يعتبر الاشخاص القلائل الذب خرجوا عن المعهود وتساموا إلى ما فوق العادى المألوف نماذج بشرنا نادرة تمثل مشاعل واعلاما يهتدى بسناها الناس ويقفون عندها بالتأمل يشوبه الاجلال والاكبار ، اجلال العبقرية وإكبار النبوغ .

هذا عرض سريع لمحتويات كتاب السيد محمد بكار الذى أصدره بعنوان ) المجاهد الاكبر محرر تونس ورائد نهضتها ( وهو عرض لا يمكن أن يعوض قراءة هذا الكتاب الشيق المفيد .

اشترك في نشرتنا البريدية