الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، الفكر العربي بين الاستلاب وتأكيد الذات

Share

يثير كتاب العربى بين الاستلاب وتأكيد الذات " (*) لعبد الكريم غلاب قضية راهنة وعلى جانب كبير من الخطورة فى الفكر العربي المعاصر هى : كيف نبنى فكرا عربيا ومعاصرا فى آن واحد دون أن نقع فى التبعية ودون أن نتخلى عن الذات ؟

وهذا التساؤل كان نتيجة حتمية للحوار القائم بين الفكر العربي والفكر الغربى بتياراته واتجاهاته المختلفة . وهو حوار تميز تارة بالهدوء والترحاب واخرى بالمقاومة والرفض ومازال مستمرا منذ عصر النهضة ومنذ أن وعي العرب تخلفهم وهم يلتقون بالغرب عبر البعثات والحضور الاستعمارى والفكر والثقافة الوافدين .

فى اطار هذا التساؤل ومن خلال الاجابات المطروحة برزت عدة قضايا ومقولات من أهمها : الاصالة - المعاصرة - الخصوصية - الذاتية - الاستلاب .

واستخدام المفكر العربى لهذه المفاهيم له عدة معاني :

1) أن الفكر العربي متخلف وعاجز عن احتواء واقع العرب المعاصر وان تجديده ضرورة لامفر منها يقتضيها الوجود العربى برمته .

2) ان تحديث هذا الفكر لا يعنى اعتباره قضية منتهية كما لا يعنى رفض ما فيه من مقومات أساسية شكلت رؤيته للانسان والمجتمع والكون ، ولذلك فان تحديثه يعني أولا بقاءه واستمراره .

3) إن التجديد المطلوب لا يعنى الاستعاضة عن هذا الفكر بفكر آخر هجين تفرض على واقع متميز بتضاريسه ومكوناته وعوامله الخاصه ، كما لا يعنى التغيير والتجديد والانطلاق من لا شىء بل لا بد من التفتح على الفكر الاجنبى ونبذ الانغلاق والجمود .

هذه في نظرنا أهم المنطلقات التى أعرب عنها عبد الكريم فى تناوله لمشكلة الاستلاب في الفكر العربى التى يرى فيها " قضية القضايا " ( ص 8 ) .

ويعرف المؤلف الاستلاب بنتائجه فيقول : " الاستلاب بسلب المستلب فكره وحضارته وأدبه وثقافته أو على الاصح خصوصيته الاصيلة المتجددة فى كل ذلك " ( ص 7 ) .

وتترتب عن هذا التعريف عدة مقولات 1) أن القول بالاستلاب يسلم بوجود ماهية أصيلة للفكر العربى ، وهذه  الماهية هي جماع معطياته التاريخية والاجتماعية والاقتصادية .

2) القول بوجود قطيعة بين المفكر وذاته وبين المفكر والواقع الذي ينطلق منه . 3)  ان الاستلاب يقابل امتلاك الذات والاستقلال أى الابداع باعتباره وعيا للمفكر بذاته وتميزه .

ان الكتاب في فصوله المتعددة القضايا استقصاء لظاهرة الاستلاب الفكرى واستجلاء لاسبابها ومظاهرها وهي فى الآن نفسه محاولة لتجاوز هذه السلبية الكبرى التى يتخبط فيها الفكر والمفكر معا . ومن ثمة فهو دعوة الى الاصالة فى مقابل الزيف ، والى الحرية فى مقابل القهر والى الابداع فى مقابل العجز والاجترار .

ومادام الحديث يدور حول الاستلاب وتأكيد الذات فى الفكر العربى فان السؤال المشروع الذي يجب أن يطرح يتمثل فيما إذا كنا نستطيع الكلام عن فكر عربى . ان الحاق وصف " العروبة " بالفكر يعنى حصره ضمن حدود اقليمية وربطه بذات قومية ، وهو ربط يبدو لأول وهلة متناقضا مع اعتبار الفكر قيمة انسانية لا تقف عند السدود والحدود .

يحسم المؤلف هذا الاشكال بتأكيد ان " الفكر ابن الحياة " ( ص 10 ) وان الفكر العربى كغيره متأثر فى تكونه بعوامل خاصة بالامة العربية ومنها العرق والتاريخ والدين والطبيعة .. وكل هذه العوامل التى تعبر عن قومية الفكر العربى تعبر فى الآن نفسه عن انسانيته . وللفكر العربى مقومات من أهمها الدين الاسلامى وله ميزات من أبرزها حرية التفكير والتعبير والتفتح .

اذا أثبتنا وجود هذا الفكر فى تميزه وانفراده فهل بامكاننا ان " نؤكد ذاته " والحال أن هذه الذات ضعيفة لا تقوى على المجابهة ؟

هل نقنع بهذا الفكر كما استوى فى الماضى باعتبار انه الفكر العربى الاصيل ؟ ان عبد الكريم غلاب ينفى عن نفسه الدعوة الى الوقوف السلبى من تطور الفخر ومسيرة التاريخ " ( ص 7 ) ويرفض التقوقع والانغلاق والتشبث بالماضى على علاته ، انه يدعو الى " صمود الفكر العربى فى خصوصياته المتجددة حتى لا يصبح تابعا - مجرد تابع - فى عالم لا يعيش فيه غير الذين تستقيم ذواتهم وهم يؤكدون وجودها " ( ص 8 ) .

فالتبعيه اذن مظهر بارز من مظاهر الاستلاب ، والتبعية تنجم عن عوامل عدة .

1) منها الاستعمار الذى أدى الى غياب المفكر العربي عن الارض والتاريخ واستعمل شتى الوسائل للقضاء على شخصية المستعمر ( بفتح الميم ) في مستوياتها المختلفة . ولئن رحل المستعمر كوجود مادى وعسكرى خاصة فان نهايته لم تضع حدا للاستلاب الفكرى لان الاستعمار قد كون شخصية جديدة فى البلاد التى كان يحتلها وزرع فى بعض فئاتها قابلية التخلى عن الشخصية القومية وتبنى الافكار الغربية وتقديس اللغة الاستعمارية . وهذه الفئة الوريثة للمستعمر تتبنى منطقه وسلوكه واسلوبه . ويلح عبد الكريم غلاب على القضية اللغوية ايمانا منه بان اللغة ليست أداة لنقل الافكار فحسب ولكنها بما تحمله من شحنات ثقافية ومفاهيم متقاربة ان لم نقل واحدة تعتبر مقوما أساسيا في الفكر العربى .

2) ان التبعية ليست ظاهرة ناتحة عن الاستعمار العسكرى والاقتصادى والثقافي فحسب ولكنها أيضا ناجمة عن التخلف وعن قابلية احتضان الافكار الوافدة مثلما تقبل البضاعات من آلات ومواد وغيرها .

3) إذا كان تقليد الغرب تبعية وبالتالى استلابا فان الوقوف عند الماضي وتمجيده واجترار ما كتبه الاقدمون والعجز عن الابداع هى الاخرى استلاب ومن مظاهر الاستلاب فى الفكر العربى :

1) المثالية : فاعتبار الفكر رياضة فكرية وتعاملا مع المجردات يؤول الى  قطيعة بين المفكر والواقع الذى يعيش فيه . ان المثالية استلاب لانها " ترف " ولانها اعراض عن الواقع وابتعاد عنه .

ولذا يلح عبد الكريم غلاب على ضرورة الارتباط بالواقع وفهمه وتحليله وايجاد الحلول لمعضلاته :

" نحن فى عالمنا المتواضع مدعوون أن نفكر بدافع من واقعنا ومن الحاح هذا الواقع وبدافع من حاجتنا ومصلحتنا وبدافع من هذه الحاجة والمصلحة " ( ص 158 ) . كما ينادى " بمنطق عملى يتسم بسمة العصر " ( ص 158 ) وفي ربطة الفكر بالعمل وتأكيده على التزام الواقع الاجتماعى والحضارى العربى يتبنى عبد الكريم غلاب المذهب الذرائعي ( البراجمتزم ) ملتحقا بصنف من المفكرين العرب يأتي " زكى نجيب محمود فى كتابه " تجديد الفكر العربى" على رأسهم .

2) تمزق المفكرين العرب

ان الاختلاف فى الفكر وبين المفكرين أمر طبيعي وحاصل ولكنه يضحى استلابا اذا كانت أسس الخلاف تستند الى ما يأتي من الخارج . " والاختلاف بين المفكرين العرب ليس ذاتيا بقدر ما هو تبعى " ( ص 190 ) ويضاف الى التبعية تعميق الوطنيات الضيقة التى تستمد وجودها من الاستعمار والقبلية والعشائرية .

ان التطلع الى الوحدة العربية يستدعي أولا توحيد الفكر ولا يعوز المفكرين العرب الاسس الاولية التى يمكن أن يقام عليها هذا التوحيد : فهناك أولا الواقع العربى وهو قاسم مشترك بين كل المفكرين وهناك ثانيا الشعور بالدور والمسؤولية التى تقع على كاهل المفكر تجاه وضع مأزوم متخلف وهناك ثالثا اللغة العربية التى تتطلب الدعم والتطوير وهي حجر الاساس فى الوحدة الفكرية .

كيف نخلص الفكر العربى من الاستلاب ؟ كيف نجدده دون ان نجعل منه فكرا تابعا ؟ هذه التساؤلات تصدى عبد الكريم غلاب للاجابة عنها فى أكثر من موضع - ذكرنا بعضا من هذه الاجابة فيما سبق - وقد خلص بعد تحليل لمجموعة من السلبيات السائدة فى الفكر العربى الى أن الثورة الفكرية شرط اساسي ولازم لكل تغيير حضارى أو ثقافى ، ومكان المفكر انما هو داخل المعركة لا خارجها والاكتفاء بالتفرج والاطلالة من بعيد تهمة فى عرف " غلاب" ان لم نقل خيانة .

واقعية التفكير هى المقولة الاولى والجوهرية فى رؤية الكاتب للتغيير المنشود . ومن ثمة فان ربط الجامعة بالواقع أمر لا مناص منه لان الفكر حسب المؤلف منبعه الجامعة ولان الجامعة لا تنحصر وظيفتها فى تكوين الاطارات والموظفين ولكنها - وهو الاهم - تخرج الاطر الفنية والفكرية القادرة على الابداع والتفكير المستقل .

والواقعية فى التفكير تستدعى التسلح بالعلم والاخذ بمناهجه حتى نتجنب التفكير العاطفي وهو مظهر من مظاهر التخلف وحتى نفهم الواقع فهما صحيحا يمكننا من ايجاد الحلول ، أى من التغيير : " .. التفكير بالعلم لا يراد منه تطور نوع التفكير - لمجرد التفكير - بمقدار ما يراد منه تطور مستوى الحياة ومستوى الانسان على العموم " ( ص 146 ) .

والمقولة الثالثة تتمثل فى أن هذه الثورة الفكرية لا يمكن أن تتم ما لم يراع مبدأ حرية التفكير ، لذلك فان رسم الحدود التى ينبغى أن تبنى عليها العلاقة بين المفكر والسلطة السياسية أمر واجب .

اننا قد لا نتفق مع عبد الكريم غلاب فى بعض القضايا الجزئية كتقييمه للفكر الناصرى وفكر البعث ( فصل : الفكر السياسي ) وقد لا نتفق معه فى رؤيته للحرية فى الاسلام وقوله بأن : " الخلافة كانت فى جوهرها جمهورية ديمقراطية اتحادية وانتهت الى امبراطورية فردية " ( ص 26 ) ولكننا نعتقد أن طرح قضية الاستلاب بأبعادها الخطيرة يدل على فهم عميق لحقيقة التجربة التى يواجهها الفكر العربى فى العصر الحديث ولتميزها عما سبق من تجارب كما يدل على عزم المفكر العربى على الابداع والتجديد والتخلص من السلبيات والعوائق التى تحول بينه وبين بناء فكر عصرى اصيل .

ونعتقد أيضا أن هذا الكتاب مساهمة تضاف الى جهود المفكرين السابقين على المفكر المغربي من أمثال : أنور عبد الملك وحسن صعب وزكى نجيب محمود .

اشترك في نشرتنا البريدية