صدر اخيرا ببيروت احد دواوين شاعر الثورة الجزائرية مفدى زكريا وسماه " اللهب المقدس " وهو ديوان ذو حجم كبير وورق صقيل وطبعة انيقة نهنئ الشاعر عليه ونشكره جزيل الشكر على هذه الفترة التى قضيناها معه نستكشف فيها عوالمه ونسبح مع خيالاته ونتذوق فنه الجميل اليسير ونخوض معه ثورة الجزائر : الثورة المقدسة . وان يكن من العسير ان نلم بجميع مظاهر فن شاعرنا وان نجمع جميع اراءه فى صفحات قليلة فلعله يكون من اليسير تركيز هذا العرض الموجز على اهم الافكار التى تتردد فى كثير من القصائد مع الاشارة اشارة عابرة الى طريقة شاعرنا فى صوغها وتركيبها واضفاء مسحة من الجمال والفن عليها
قسم مفدى زكريا ديوانه الى اقسام خمسة : من اعماق بربروس - تسابيح الخلود - نار ونور - تنبؤات شاعر - من وحى الشرق . وقصائده كلها مستوحاة من الثورة الجزائرية فلا تجد مقطوعة واحدة تخلو من ذكر الثورة المقدسة . نعم هى ثورة مقدسة فى ارض مقدسة :
ارض الجزائر فى افريقيا قدس رحابها من رحاب الخلد ان صدقوا
ان الجزائر قطعة قدسية فى الكون لحنها الرصاص ووقعا
وقصيدة ازلية ابياتها حمراء كان لها نفمبر مطلعا
والثائر فيها كلما أمعن فى الكفاح تطهرت نفسه وامسى لا يبالى المحنة ولا يرهب الموت هو ذا الشاعر يصيح فى السجان قائلا :
والروح تهزأ بالسجان ساخرة هيهات يدركها ايان تنزلق
تنساب في ملكوت الله سابحة لا الفجر ان لاح يفشيها ولا الغسق
فهى تعلو غير مبالية بالعذاب ولا ملتفتة الى القهر ولا هيابة للموت مثل
روح هذا الثائر الذى نفذ فيه حكم الاعدام فما مات بل سبح فى الملكوت الاعلى :
وتسامى كالروح ليلة القد ر سلاما يشع فى الكون عيدا
وامتطى مذبح البطولة مع راجا ووافى السماء يرجو المزيدا
وتعالى مثل المؤذن يتلو كلمات الهدى ويدعو الرقودا
فكل ثائر قد وهب روحه لاجل وطنه مثل شاعرنا اذ يقول :
لا ابتغى العز الا فى مغامرة ان السموات للمقدام تنفتق
روحى ! وهبتك يا روحى فدا وطنى زلفى الى الله ، لا من ولا ملق
وهكذا فهى ثورة مقدسة جذورها امتدت حتى التقت بتعاليم الاسلام , فهبت وشعارها ما نادى به محمد لا تستبيح الكنيسة ولا تعبث عبث الماكرين
ونحترم الكنيسة فى حمانا ونحترم الصوامع والقبابا
وكان محمد نسبا لعيسى وكان الحق بينهما انتسابا
لذا فلغة شاعرنا قبس من الاسلام وصوره مستمدة من القرآن يكرع منه فلا يروى وينهل من الفاظه وخيالاته فلا يصدر عنها الا وقد رفرفت روحه وسمت سموا لا حد له . فهو يشبه روح الذى اعدم بعيسى :
زعموا قتله . . . وما صلبوه ليس فى الخالدين عيسى الوحيدا
لفه جبريل تحت جناحي ه الى المنتهى رضيا شهيدا
وهو يضمن شعره آيات من القرآن فيقول :
تنزل روحها من كل أمر بأحرار الجزائر قد أهابا
وتكاد هذه المسحة الاسلامية لا تفارق اى قصيدة حتى احاطت بالديوان هالة من القداسة حق لصاحبه ان يدعوه " باللهب المقدس "
ولكن هذه الثورة وان هى تسامت حتى رفرفت باصحابها الى اعلى علييين فانها انبثقت من الشعب واستمدت قوتها منه واستكملت عدتها من رجاله لهذا فقد حبس شاعرنا قصائده لتمجيدها لانها ثورة الشعب :
حبست شعري والهامي على وطنى فانساب ينشر فى الدنيا معالينا
وهمت بالثورة الكبرى اساوقها أهز فى الثورة الكبرى رواسينا
فليست هى اذن ثورة تسابيح وتواكل بل عمادها القوة وصوتها الرصاص :
نطق الرصاص فما يباح كلام وجرى القصاص فما يتاح ملام . . .
السيف اصدق لهجة من احرف كتبت فكان بيان بيانها الابهام
والنار اصدق حجة فأكتب بها ما شئت تصعق عندها الاحلام
ان الصحائف للصفائح امرها والحبر حرب والكلام كلام
عز ( المكاتب ) فى الحياة (كتائب) زحفت كأن جنودها الاعلام
خير المحافل فى الزمان جحافل رفعت على وحداتها الاعلام
لغة القنابل فى البيان فصيحة وضعت لمن فى مسمعيه صمام . . .
والحق والرشاش ان نطقا معا عنت الوجوه وخرت الاصنام
ذلك ايمان بان الحق وحده لا يوصل الى المجد ولا يقهر الاعداء :
انى رأيت الكون يسجد خاشعا للحق والرشاش ان نطقا معا
وصمدت الثورة سنين طوالا وكسرت شوكة المستعمر وهزمته وهو على اشد ما يكون قوة وغطرسة فاندحر اندحار المستسلم وضاق ضيقة المنهزم وتولى فى خنوع وانكسار وما ذاك الا لصمود العرب جميعهم وتكتلهم لنصرة الجزائر وما الجزائر الا قلب العروبة :
قلب العروبة لم يعصف بنخوتها عسف ولا نال من ايمانها رهق
وما ثورتها الا ثورة العرب تتجاوب اصداؤها فى كل مكان :
يا امة العرب الكرام كرامة لك فى الجزائر حرمة وذمام
فى كل ارض للعروبة عندنا رحم تشابك عندها الارحام
ان صاح فى ارض الجزائر صائح لبته مصر وادركته شآم
فى المغرب العربى عرق نابض يذكيه فى ( حرب الخلاص ) ضرام
عز العروبة ، فى حمى استقلالنا أيطير ( مقصوص الجناح ) حمام
فالتضامن بين الاخوة الاشقاء واقع ينطق به كل لسان ولا يجحده صاحب كل بيان ، فان تالمت الجزائر فما تطيق تونس صبرا لألمها ولا تسكت مراكش عن التأثر بما اصابها :
وفى المغرب الجبار ، شعب مكافح تسانده الدنيا وتسمو به الحرب
على خافقيه : تونس ومراكش تحاول تحليقا فيثقلها الخطب
جناحان فى صقر تصدع قلبه وكيف يطير الصقر ليس له قلب
ليس هذا التضامن من وليد الساعة ولا هو امر عرضي بل لقد اثر عن الاجداد وتناقلته من الزمان الابعاد . فجذوره عريقة فى القدم واصوله مبثوثة فى نفوس من ماتوا ومن قبروا :
شقى طريق الخالدين وسطرى بدم الشهادة فالدماء قوام
واستنطقى الاجداث عن اجدادنا تشهد لنا فى الخالدين عظام
واستجوبى الافلاك عن امجادنا تدحض كذابا يدعيه طغام
وهذه لغة الضاد تشهد بذلك فهي التى خلدت مجدهم :
تلك العروبة ان تثر اعصابها وهن الزمان حيالها وتضعضعا
الضاد فى الاجيال خلد مجدها والجرح وحد ، فى هواها المنزعا
لذا فلا مناص من الاحتفاظ بها والذود عنها فهى الحصن الذي حفظ الديار وهى الملاذ الذى يحمى من كل عار :
ذل شعب لم يتخذ لغة الاج داد حصن ورام عنها انفصالا
وعقوق البنين اعظم خطب يرهق الشعب ذلة ونكالا
هى لغة صمدت فى وجه العصور :
لغة العز والكرامة والمج د تهادى على الدهور اختيالا
تتحدى العصر الجديد وتغزو افق الفكر قوة وكمالا
فالشاعر مغرم بها حريص عليها لانه تأثر بأدبها واستمد قوة معانيه من آثارها القديمة . الا تذكرنا قصيدته زنزانة العذاب رقم 93 بأبى فراس فى رقة معانيه وحزنه وأساه وفى صموده وعزته وانفته . الا يدعونا تذكر الشاعر لابنته الى التفكير فى قصائد الشاعر الفارس وقد حن الى امه وموطنه . والا تجول بخواطرنا قصيدة ابن الرومى فى رثائه للبصرة وتعداده فقط للويلات التى حلت بها عندما نطالع هذه العينة : وتعطلت لغة الكلام . ففيها تعداد لما اقترفه جنود الاحتلال ونقمة على ما قاموا به من اعمال . واسلبوه على قوته ومتانته هو مستساغ سهل فيه نفحة من نفحات الشعر الجاهلى وفيه رقة الفاظ ابي فراس ومتانة المتنبى وقوته وصنعة البحترى وترصيعه وشاعرنا لا ينكر ذلك بل يصرح به ويعتز بانتمائه الى اقطاب الشعر العربى القدماء . بل هو يذهب إلى تقديس هذه اللغة التى نطقوا بها ونطق بها هو فتلتقى بذلك قدسية الثورة بقدسية اللغة ويكون " اللهب المقدس " لسان انتفاضة فرعها في السماء واساسها قوة الشعب وصموده وسلاحها العنف والرصاص وعمادها الاخوة الاشقاء وجذورها ثورة الاجداد ولغتها الضاد .

