من القصص ما تقرؤها اليوم ثم لا تمضى أيام قليلة حتى تذهب أحداثها أدراج الرياح ولا تبقى فى الذاكرة الا أشباح باهتة من الأشخاص ونفايات من صيرورة العمل الفني فيها . ورواية " المعلم على وقد مرت على أشهر منذ أن قرأتها ، ليست من هذا القبيل بل هى رغم ذلك ماثلة فى ذهنى حية بتفاصيلها وثابة الأحداث ، غنية الوصف غزيرة اللغة .
ان الأستاذ عبد الكريم غلاب المعروف بمقالاته ودراساته ومواقفه الفكرية قد أثبت بهذه الرواية ، بعد روايته " دفنا الماضى " والقصص العديدة المنشورة فى المجلات والجرائد ، انه جدير بأن يحتل فى الأدب العربى مكانة مرموقة الى جانب نجيب محفوظ وغيره من القصاصين العرب . ذلك أن هذه الرواية المغربية لحما و دما تشدك اليها شدا وتجعلك تغوص فى أحداثها وتستمتع بوصفها وتتعاطف مع أشخاصها من دون ملل ولا شرود ذهن . وهي الى ذلك تثير قضايا إنسانية خالدة تخص منزلة الفرد فى مجتمعه وعلاقته بأمته وشعوره الحاد بوطنيته ونزوعه الى التخلص من وضعه وتغييره التغيير التام
هى قصة كل شاب فى العالم الثالث أو على الأقل فى المغرب العربى يفتح عينيه فى خضم عالم يتغير ويتبدل ثم يضطر الى أن يتحسس خطاه ويعى كيانه ويفهم ما حوله ومن حوله ليدخل غمار التاريخ اذ كان يعيش على هامشه .
و المعلم على هو من هذا الصنف ، وان كان معلما بالقوة ، اذ هو عامل بسيط فقير معدم يتنقل من عمل الى آخر من مطحن التدلاوى الى معمل الدباغة الى معمل الغزل وفي كل مرة يطرد ، وفي كل مرة يذوق من عذاب البطالة وعذاب النفس الكثير . ولكنه فى كل ذلك يتعاظم وعيه بكيانه ويشعر بحقارة
نفسه بعد أن كان يطمع باليسير وهو مسرور بذلك . يقول : " ان الله لم حكم علينا بأن نظل عبيدا للآخرين أن أظل أنا عبدا للتدلاوى وأن تظل أنت عبدا لهذا الفندق الملعون وأن يظل قدور عبدا لمعلمه حتى أصبحنا نمثل بلد العبيد " .
بهذه الجملة وبغيرها يدخل على من اللاوعى ، الى الوعى بمنزلته ، وأكثر من ذلك يخرج من فرديته لينظر الى الذين يشبهونه فى وضعهم الاجتماعى فيتعاطف معهم ويشعر باللحمة التى تجمعه بهم فيكون مستعدا الى أن يشاطرهم آلامهم واحزانهم وان يمضى شوطا معهم فى تكتلهم
وهكذا عندما ينتقل على الى معمل الصابون وبه يتحول من عالم الصناعات التقليدية الى عالم المصانع تبدأ فكرة النقابة تخالج ذهنه بايعاز من الحيانى وعند ذلك نشاهد هذا الشاب الأمي الذى يخرج من القرون الوسطى وليس له من عدة الا شعوره الحاد بالحياة والحياة الكريمة ، يقتحم العالم العصري بكل تغييراته ويحتك بالأجنبي
وكأن على يدخل التاريخ من بابه الكبير ، اذ يتضح فيما بعد أن النقابة التى تكونت بالمعمل لم تكن الا بايعاز من الوطنيين من حزب الاستقلال وهو الذى جر على الى السجن والى الدخول فى الحركة الوطنية والمساهمة فيها اسهاما كبيرا .
هذا هو ملخص الاحداث ولكن المهم هو أن على لم تكن في شخصيته طرافة ولا فى أعماله ما يلفت النظر وانما هو واحد من تلك الآلاف المؤلفة التى فتحت أعينها فى المغرب العربى فى الخمسينات وانتقلت فجأة من عالم تقليدى الى عالم عصرى بفضل الحركات الوطنية . هذا هو المهم . وهو فى الواقع تصوير صادق لفترة حاسمة من تاريخنا استغلها الاستاذ عبد الكريم غلاب ليجعلها إطارا لروايته وليس اصدق ولا أرشق من هذا الاختيار ذلك أن القصص المغربية التى تعالج فى مثل هذه الدقة وبمثل هذه البراعة فترة الكفاح الوطني هى قليلة وقليلة جدا . وهو ما يدعونا الى أن نسجل بكل اعتزاز هذا الاختيار وهذا النزوع الى التأصل وهو ليس بغريب من مكافح وطني كالاستاذ عبد الكريم غلاب الذي تجاوز شعوره الوطني المغرب الاقصى ليتجاوب مع أقطار المغرب العربى
ولكن الرواية رغم هذا ليست لقطة تاريخية ولا سردا لأحداث بل هي من
الناحية التقنية فيها محاسن كثيرة وهى ليست بالقصة التاريخية كما نجدها عند جرجى زيدان أو كرم ملحم كرم بل هى من نوع القصة الاجتماعية التى تعتمد تحليل النفسيات وتقوم على السرد وتتوشح بركن من أركان القصة الكلاسيكية ألا وهو الوصف
لهذا فان أهم ما نجح فيه الأستاذ عبد الكريم غلاب هو تحليله للنفسيات : نفسية على ومعلمه التدلاوى ، نفسية العملة فى معمل الدباغة أو معمل الصابون ، نفسية الأم الفقيرة الخ . . . كل هذه التحاليل أضفت على القصة مسحة من الصدق وأبرزت قدرة قصاصنا على التعمق فى هذه النفوس الساذجة البسيطة وعلى السمو بها الى مستوى الفن حتى لا تظهر لوحة فلكلورية بحتة تحط من قيمة القصة كفن وهو ما ينحدر اليه كثير من الكتاب الذين يتخذون من الاطار الاجتماعى مادة لقصصهم
غير أن الذى يسترعى الانتباه فى هذه التحاليل التى تتناول كل منازع النفس . وتغوص فى المشاعر الانسانية كالخوف والشعور بالتفاهة والصداقة والتضامن والرأفة وغيرها ، هو أن عاطفة الحب بالمعنى المتداول غير موجودة ، فكأن على وهو الذى أثقل كاهله وجعله لا يفكر الا فى القوت فى أول الأمر ثم ينتقل فجأة الى الشعور بالتضامن مع اخوانه فى المعمل ليتعاطف مع أمته في كفاحها ضد الأجنبي ، كأنه لم تسع نفسه عاطفة كانت ربما تشغله عن هذا كله . ولكن رغم هذا فان السؤال يبقى قائما ليظفر بالجواب الشافى ؟
أما الركن الثاني الذي جعل من الرواية أثرا فنيا ذا بال هو ما قامت عليه من وصف بارع سواء كان للمدن والأحياء كوصف فاس أو العائلات الفقيرة وما تتخبط فيه من حرمان كعائلة على أو البنت التى تحمل سطل الماء ويذكرنا : هذا بفكتور هيفو . كما أتحفنا الاستاذ عبد الكريم غلاب بلوحة شيقة جدا ليوم مولاى ادريس بفاس وذبح الثور فى آخر الأمر ولا ننسى أيضا التدقيق فى نظام أصحاب الحرف بفاس وقضاياهم . وان الذى يخرج به القارىء من ضروب الوصف هذه هو شعور بعظمة شعب المغرب الأقصى وزخارة الحياة عنده وغناها وهو ما يدعو الى الجزم بأن المجتمع المغربي يمكن أن يكون مادة غزيرة لكتاب الرواية يكرعون منها ما شاء لهم أن يكرعوا وبطبعة الحال فان هذه الصفة الغالبة التى امتاز بها الاستاذ عبد الكريم غلاب في توخيه الوصف لها جوانبها السلبية اذ تجر فى بعض الاحيان الى الاكثار من التدقيق مما يثقل فى حركة القصة ويتبادر الى الذهن أن الاستغناء عن صفحة أو جزء من فصل أمر لا يضر كثيرا بالرواية
ولا ننسى الركن الذي به تنجح القصة وبه وحده مهما كانت تقنيتها وإحكام حركتها ورشاقة أدوارها ألا وهي لغتها بالمعنى الشامل للكلمة أى الرصيد اللغوي من جهة وهيكل الجملة بتراكيبها وايقاعها ونبراتها من جهة اخرى
لقد امتازت لغة الاستاذ عبد الكريم غلاب بغنى رصيدها اللغوي وتنوعه ، فعلاوة على سيطرته على اللغة الفصحى وإحكامه لها وكرعه من سعتها اللفظية فانه أقحم فيها ألفاظا مغربية قولبها بصورة لا تضير بفصاحة اللغة بل ان الكلمات العامية المبثوثة فى الكتاب لا تظهر نابية دخيلة بل هى تنسجم مع النص وتندرج في الجملة بصورة طبيعية فتضفى على القصة جوا من الأصالة الفنية يضيء بقدرة فائقة لا على التصرف في الفصحى فقط بل على اثرائها وتطوير رصيدها اللغوى ، وبطبيعة الحال فان كل هذا يعطى للجملة حيوية طريفة ويغير من ايقاعاتها ونبراتها فتأتى اللغة فى آخر الأمر حية متوثبة من دون حذلقة ولا تشدق
على أن هذه المحاسن لا تغلب على أركان الرواية كلها بل تكاد تقتصر على الوصف ذلك أن لغة التحليل النفسى تبدو متعثرة فى بعض الاحيان كما ان لغة الحوار يعتريها شئ من التكلف فى مواطن عديدة
وبعد هذا فان الرواية ناجحة ما فى ذلك من شك وهى تعد كسبا كبيرا للقصة المغربية نتمنى للاستاذ عبد الكريم غلاب اطراد الانتاج بها وننتظر منه المزيد .
