أهدتنا الشركة القومية للنشر والتوزيع - مشكورة - كتاب " المنستير وبطل التحرير" لصاحبه الأديب الشاب الطيب الفقيه أحمد ؛ وقد تم طبعه بتونس فى شهر أوت وهو من الحجم المتوسط ويحتوى على 125 صفحة .
وانه لعمل مفيد حقا هذا الذى يهدف الى التعريف بالمدن التونسية وتقديم رجالاتنا فى لغة يسيرة ، وبتبسيط لما تمدنا به فى هذا الصدد علوم التاريخ والاجتماع والجغرافيا ، وتنظيم وضبط لما تتناقله الألسن ويداعب خيال الكبار والصغار من مناقب رجال الفضل والزعامة من أبناء الوطن .
واذا كان جميع المواطنين فى حاجة أكيدة لمثل هذه الدراسات الميسرة المفيدة ، فان حاجة الشباب اليها أوكد وواجب مطالعتهم إياها أمس وأشد ضرورة وهم الذين لم يتح لأغلبهم معرفة بلادهم والوقوف على معالمها و " معاشرة " أعلامها بما يشفى ويمهد الى التجاوب والتعلق والتأصل و " محبة الوطن " التى هى من الايمان ، وهم الذين كثيرا ما يزورون عن تربتهم وتراثهم ويعانون حرية المركبات النفسية ، وهم الذين اكتملت مداركهم أو كادت بعد أن فازت البلاد بحريتها ونالت استقلالها ، فلم يعيشوا ملحمة الكفاح ولم ترن أوتار قلوبهم الغضة على نغمات الجماهير الشعبية وهى تغنى فى وجه الدخيل أنشودة الكرامة والحياة .
ولاشك أن هذا النوع من التأليف ، الذى لا تدعى الالمام والشمول ولا تلتزم طريقة البحث العلمى المجرد ، وإنما هى تذكر أو تنوه وتقرر الخطوط الرئيسية أو ترسم الاطار العام لما تتصدى له من المواضيع ، من شأنه أن يدفع القارىء عامة والشباب خاصة الى الاستزادة من المعرفة
والاحاطة بما اكتفى المؤلف بالتلميح والاشارة اليه . والكتاب يحتوى على قسمين : تناول المؤلف فى القسم الاول منهما تاريخ المنستير بايجاز وبين أهمية الرباط ثم أشاد بالدور الايجابى الفعال الذى لعبته هذه المدينة فى نطاق الحركة الوطنية . . ثم تخلص الى الحديث عن منستير اليوم واستعراض مختلف جوانب حياتها الادارية والعلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية . أما القسم الثاني ( من صفحة 71 الى صفحة 123 ) فقد خصه المؤلف للتنويه بشخصية ابن المنستير البار الرئيس الحبيب بورقيبة وأياديه البيضاء على الحركة الوطنية وما أبلاه من حسن البلاء طوال المعركة القاسية التى خاضها الشعب التونسى بقيادته طيلة ربع قرن ضد الاستعمار الغشوم ثم ما حققته البلاد التونسية من انجازات واصلاحات بفضل قيادة الرئيس الحبيب بورقيبة الرشيدة .
ولا يمكن تقديم هذا الكتاب من دون أن نلاحظ الى جانب ما أقام المؤلف عليه الدليل من نبل المقصد وفضل الاقدام والمحاولة ما يعوز الكتاب من دقة وضبط في سرد الحوادث التاريخية ، وتحليل وربط فى استعراض أطوار الحركة القومية ، وتوسع وإطناب في دراسة المنعرجات الحاسمة التى مرت منها حياة المجاهد الاكبر وتاريخ الحزب الحر الدستورى التونسى . وقد بلغ الايجاز والتلخيص فى بعض مواطن الكتاب حدا قد يبعث القارىء الى الاعتقاد بان المؤلف انما اكتفى بسرد العناصر أو تخطيط الاطار العام للبحث . هذا الى جانب بعض الهنات اللغوية والاغلاط المطبعية التى لاتخفى على المطالع اليقظ .
وعلى كل ففضل الكتاب في وجوده - بالذات - وفيما يحمله فى طياته - نظرا لما لاحظناه من نقص وفرط فى الايجاز - من دعوة للمؤلف أولا ولعموم الباحثين ثانيا قصد المثابرة على دراسة تاريخ بلادنا والتعريف بجل المدن التونسية والقاء الاضواء الكاشفة على أهم مراحل الحركة الوطنية والزعماء الذين تقدموا الجماهير فى طريق النضال المقدس ، ثم تجاوز العموميات والغوص على الطريف وتبين الاتجاهات العامة من خلال غبار الجزئيات وضباب التفاصيل .
وحبذا لو أوجدنا مكتبة ثرية تحتوى على كل ما يحتاج اليه التونسيون ، والشباب خاصة وهم الذين لايزالون عطاشى الى ما يشفى الغليل ويغذى ، من مصادر ودراسات تعرف بتاريخ البلاد الحافل وتعين المربين والموجهين فى هذه البلاد على غرس حب الوطن والاعتزاز بماضيه فى نفوس الأجيال الصاعدة .
ولا بد - ختاما - من الاشارة الى المقدمة القيمة التى كتبها الاستاذ الكبير والمؤرخ المعروف حسن حسنى عبد الوهاب وقد خصها لتحديد الدور العظيم الذى لعبه الرباط فى تاريخ المنستير :
" ... ومما سبق يتضح جليا أنه لا يمكن بحال فصل تاريخ مدينة المنستير عن حياة رباطها الكبير وفضائلها ، كما يستحيل في المستقبل ذكر احداث المنستير وأخبارها من غير أن يأتي الكتاب بحياة الرئيس المجاهد الحبيب بورقيبة وما قام به من جليل الأعمال وسريع الإنجازات فى مسقط رأسه وفى سائر أنحاء الجمهورية ".

