الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، تونس نسغ جديد

Share

ذلك هو عنوان الكتاب الجديد الذي أخرجه للناس الاب " ديمر سمان " هذه السنة ، (نشر دار كسترمان البلجيكية) وقد سبق له أن ألف كتابين عنوان الاول " شرق وغرب " وعنوان الثاني " تونس ، أرض الصداقة " .

والاب ديمرسمان يعرفه التونسيون جيد المعرفة ويقدرونه حق قدره ، فهو مدير معهد الآداب العربية والمسؤول عن مجلة (ابلا) التى يصدرها هذا المعهد ، استوطن تونس منذ عشرات السنين وأحبها فعاشر أهلها ودرس أحوالهم دراسية دقيقة عميقة فشغف بلغتهم وتعلق بما يسمه بالحكمة التونسية أو عبقرية هذه الامة وأبقى مقوماتها على الدهر . فجاءت كتبه الثلاث مرآة صادقة لهذا التعاطف الذي نشأ بينه وبين البيئة التي يعيش فيها ، وهذه الصداقة الصادقة التى تربطه بالتونسيين وتحببهم إليه وتحمله على الوقوف بجانبهم أيام محنتهم الكبرى في عهد المقيم الفرنسى " ديهو تكلوك " الشهير بالعسف والقمع الاستعماريين . . مما جلب له نقمة السلط الفرنسية ومضايقاتها حينذاك .

والذي هدف اليه المؤلف في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه هو تحليل " الحكمة " التونسية ، أو " الروح " التونسية وتبين مقوماتها وضبط خصائصها والتمييز بين جوهريها وعرضيها . وهو مؤمن بوجود هذه " الحكمة " ومؤمن باصالتها ؛ لم تخدعه نظريات أشباه علماء الاجتماع ولاسخافات بعض المنتسبين إلى علم التاريخ ممن ينكرون على تونس ان تكون لها وحدة وعلى شعبها ان يكون له اتجاه وتاريخ وتراث قومي . ولم تخدعه أيضا أقاويل بعض المتحمسين من الشباب

أو الجاهلين بواقع هذه الامة ، اولئك الذين يعتقدون ان تاريخ تونس طويت منه صفحة وابتدأت أخرى ، قد هبت عاصفة الثورة على ركام الماضى تترك منه شيئا بحيث انقطعت الصلة بين الاجيال ولم تعد دراسة الماضى مفيدة لمعرفة الحاضر وتبين المستقبل .

لم ينخدع المؤلف بكل ذلك إذ استقام له أن يتجاوز الاعراض و " صدف " التاريخ ويدرك " كنه " هذه الحكمة وماهيتها ؛ فيقول في المقدمة (ص ١٢) : " بالرغم عما أخذه الشعب التونسى من الخارج وعما حصل له بفضل المبادلات مع غيره من الشعوب فإنه توفق إلى استبقاء شخصيته منذ فجر تاريخه الى اليوم ؛ أفليس أبلغ خصائص هذا الشعب معتبرا فى مجموعه واكثرها طرافة ما تواضع الناس على تسميته بالحكمة التونسية ؟ " .

هذه الحكمة التى يشخصها المؤلف ويهبها الحياة تظهر معالمها في الكتاب وتبدو مميزاتها بفضل طريقة طريفة من نوعها هى الاعتماد على اللغة الشعبية النابضة حياة ، باعتبارها الشاهد الصادق والمرجع الامين لمعرفة نفسية القوم وأحاسيسهم .

وقد يحسن في هذا المقام أن نذكر بان علم الاجتماع الذي يعنى بدراسة أحوال المجتمعات ويشؤونها كما هى لا كما يجب أن تكون يضع اللغة فى جملة المصادر التى منها تستنبط القوانين والاحكام الاجتماعة إذ العبارات والامثال وحتى الكلمات تعكس مشاعر الناطقين بها وتصور نفسيتهم وتكشف بالتالي عن دفين احاسيسهم مما قد يسكت عنه ويغير منه فى مقام الوعظ ومباحث الاخلاق التى تتناول الانسان كما يحب ان يكون لا كما هو ؛ فقيمة المال مثلا اذا تناولناها من زاوية الاخلاق ريما تضاءلت أو جحدث فاذا رمنا ضبطها بصورة موضوعية ومعرفة مدى تعلق طبقة او شعب من الشعوب " بوسخ الدنيا " قد ننتهى الى ان مكانة المال عالية وتعلق الناس به كبير . واللغة " تخون " لانها تعبر عما نعترف به وعما ننكره وتصور أعمالنا وسلوكنا بالنهار والليل وتكشف " عورتنا " . . نحن البشر . ولذا يعمد اليها علماء الاجتماع . وما أعرف عالما احتما عدا وفتى أكثر من " ألبير بايى " الذي كان أستاذا بالسربون ، فى إبانة تضارب نتائج البحث فى القيم الاخلاقية كلما انتقلنا من لغة المنابر الى لغة الشارع .

وقد اعتمد الاب " ديمر سمان " ، اولا وبالذات ، على الامثال والاقوال المأثورة التى تلخص أبلغ تلخيص وأوجزه الحكم الشعبية التي تتوارثها الاجيال جيلا عن جيل وتعكس بالتالي ميول القوم ونزعاتهم وآراءهم ونظرتهم الى الكون وموقفهم من الحياة .

كل ذلك استقصى فيه المؤلف البحث فلم يترك جانبا من جوانب الحياة الفردية أو الجماعية ولا طبعا من الطباع البشرية إلا سأل الامثال الشائعة بين الناس عن تعبير القوم له ورأيهم فيه : ضغط الوسط على الفرد ، مسؤولية الفرد الشخصية ، واجبات المرء نحو عائلته ، تضامن المجتمع التونسى ، إثبات الوعى الذاتى ، اللطف ، الشدة ، النجاعة ، أعياد العائلة ، الدعوات ، الاتراح والافراح ، الهدايا ، إكرام الضيف ، الطبقات الاجتماعية ، الثروة وهيبتها ، مستوى العيش وأسلوبه فى نظر الراي العام . . . .

كل ذلك وغيره مما يضيق عن ذكره نطاق هذا التقديم الوجيز . تطالع الكتاب فتحدس نظرة الشعب التونسى الى حدث من الاحداث أو عادة من العادات او صفة من الصفات البشرية وتستشف خفة روح هذا الشعب وتعجب بلطف اشارته وظرافة نكتته وعذوبة منطقه وبعيد مقاصده وتدرك انه شعب جمع بين دفء العاطفة وتؤدة العقل ، بين قيمة المصلحة وروعة الاريحية .

ولا أخفى عليك أن هذه الامثال كانت من الكثرة والجودة بحيث " فوجئت " بهذه الثروة الشعبية الغزيرة وهذا المعدن الذى ما أظن أن ادباءنا وباحثينا استغلوه وعالجوه بما يستحق ؛ ولو فعلوا لكان لنا مثلا آدب مسرحي غزير وادب قصصى اصيل ولو استوحوا الوسط التونسى و " الروح " التونسية لاشفقوا على ادبنا ان يكون جانب التقليد فيه اوفر من جانب الخلق والابتكار ولوفروا على انفسهم عناء " الكتابة " ما دام ما يكتبونه لا ينسجم مع مزاج التونسى ولا يتلاءم مع روحه ؛ بل انظر الى ابتسامة رجل الشعب من بعض من عاشوا سنة او بعض سنة فى الشرق فعادوا يتكلمون بلهجة " شرقية " . .!!

بقي ان نحذر من الوقوع في خطا عظيم وهو ان ندرس الشعب التونسي وميوله ومثله العليا باعتباره شعبا لا يتغير ولا يتطور ؛ هذه الدراسة " القرارية " مدعاة

للالتباس وكم من باحث اجنبي نسب إلينا من الصفات والاخلاق ما لا طاقة لنا بالصبر عليه وكم من عالم اصدر علينا حكمه واراده سرمدا أبديا ! والحقيقة ان شعبنا ككل الشعوب ، كائن حى لا يعتريه ما يعتري الاحياء من نمو وتطور ، بحيث يحسن ان ندرسه دراسة " دينامية " وان نقرأ للتاريخ حسابه وللمعطيات الاقتصادية مفعولها . .

والحق ان مؤلف الكتاب عنى بهذه الامثال والاقوال المأثورة مع معرفته لظروف استعمالها ونسبية مغزاها ومرماها فى المكان والزمان . وهو الى ذلك شاعر بالتحول التاريخي الذي تعيشه تونس ومدرك للثورة المباركة التى عمت البلاد وقلبت اوضاعا كثرة وكسرت اصناما مقيتة عديدة وخرجت بالمواطنين الى حياة افضل واسعد . لذا هو يخصص الجزء الرابع والاخير لوضع هذه المشكلة في وضعها الصحيح والتساؤل عن الاتجاه الذي ستتجه اليه تونس اليوم وهى فى مفترق الطرق ؟

ومهما يكن من امر فان هذه الثورة ستستبقى من " الحكمة " التونسية اخلد معانيها واقوم اتجاهاتها وستخلصها مما الصقته بها قرون الانحطاط وخطط الاستعمار وستبعثها البعث الذي يجعل الامة التونسية من خير الامم التي اخرجت للناس .

وقيمة الكتاب تبقى عظيمة اذ هو يجعلنا اكثر ادراكا لانفسنا واوثق اتصالا بشعبنا ويقدمنا الى الاجانب فى صورة تجلب العطف وتدعو الى المحبة .

فلا غرابة ان تفضل العلامة الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب بتقديمه الى القراء وان قال عنه بالخصوص : " ان قاريء هذا الكتاب . . سيأسف لجهله لغتنا وبلادنا وسيرغب فى الاتصال بنا . . . سيتعلم كيف ينظر الى الشعوب نظرة جد وتقدير . . . "

" تونس ، نسغ جديد " كتاب ما احوج التونسيين والاجانب معا الى مطالعته والتأمل فى محتواه !!

اشترك في نشرتنا البريدية