الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، حصاد الشمس،

Share

عرض ونقد : لطفى عز الدين

صدر منذ بضعة أشهر عن مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله للنشر ديوان شعر للشاعر عبد العزيز قاسم تحت عنوان ) حصاد الشمس ( ، ويضم هذا الديوان مجموعة من القصائد التى نشر أغلبها بمجلة " الفكر " والتي نظمت خلال الفترة الممتدة من سنة 1950 الى سنة 1973 ( اضافة إلى ثلاث قصائد كتبت فى اللغة الفرنسية وترجمها كاتبها الى العربية ( .

وقد اعطت المقدمة التى كتبها الاستاذ الشاذلى القليبى صورة حية عن الشعر وأحواله . وبازاء هذه المقدمة الطريفة والممتعة يجعل عبد العزيز قاسم لديوانه مدخلا ليبين فيه الدوافع التى دفعته الى جمع هذا الديوان ليخرج بهذه القصائد القليلة المختصرة . والحقيقة ان عبد العزيز قاسم يميل الى الاختصار فى كل ما يقول :

ماساتنا حكاية معادة

استمعوا يا سادة

اطل عامنا الجديد

مختصرا حسابه شهران

فى وطن مختصر الحدود

أسألكم فاختصروا الردود

إني أحب الاختصار

مذ ذقت طعم الاحتقار " ) 1 (

لقد لفت نظرى وأنا أطالع هذا الديوان نضج الافكار وعمقها ونضج الثقافة التى يتمتع بها الشاعر عبد العزيز قاسم ، زيادة عن لغته الفصيحة وذوقه الرفيع وادراكه لما يجرى فى نفسه من أحاسيس شعرية ، ويكمن هذا الادراك فى تجاربه الشعرية التى أسهمت فى اثراء الشعر التونسى المعاصر

ومن بين قصائد الديوان الجميلة نجد رسالة الى صندوق بريد : 48-56 - 07 ، و ( كلمة ( ، و ( رسالة اليك ( ، و ( ظلال وأضواء ( ، وقصيدة ) قلبي ( التى يقول فى مطلعها :

عبر عينيك كنت ألقى شعاعا

يلهم الرد قبل عرض السؤال

وصدى من كآبتى وأنا لم اتأوه وما شكوتك حالى

فاذا بي مع الزمان شريد

يا لقلبى من ضائع وغريب

جفت الكأس قبلما أحتسيها

وأنا من جفافها فى لهيب ) 2 (

ويعتبر الشاعر عبد العزيز قاسم واحدا من شعراء ذلك التيار الغنائى الذى ساعده على افراغ ما فى نفسه من أحاسيس وهواجس موسيقية فياضة وقد يتبادر لذهن القارئ أنه من شعراء الرومانسية الرقيقة كما يبدو واضحا جليا فى بعض قصائده التى أذكر منها على سبيل المثال قصيدى ) قلبي و ( ذات مساء ( .

ان عبد العزيز قاسم لا يؤمن الا بفعل الكلمة التى لا تزول ولا تفنى بفناء الانسان وزوال أحداثه :

" أنا لم أومن كايماني بفعل الكلمة

كل أحداث الورى تذهب طي العتمة

إنما آخر ما يفنى نشيد الملحمة

ولذا ألفت عمري من شظايا نغمة

أنا لم أومن كايماني بفعل الكلمة " ) 3 (

وإلى جانب ايمانه بالكلمة وبمفعولها المباشر ، فهو شاعر تأملي من الدرجة الأولى ، يحاول فك الرموز المنتصبة فى شكل نقط استفهام على طريق الانسان فى سيره نحو المستقبل ونحو قدره ، فأتت قصائده ثرية بالتجارب الداخلية ، وبالمعاناة وبالحيرة الوجودية . وهكذا يمضى الشاعر عبد العزيز قاسم غريبا وسط الزحام يخلق الاشباح والاساطير ، ويرسل من نفسه لمعات تنير وتطمس فى آن واحد معالم لغز الوجود . وهو يؤمن بأن فى باطن كل شاعر حقيقي " اباهول " يلقى عليه أخطر الاسئلة . ) 4 (

إن من أخص خصائص هذا الشاعر أن يحيل صمت الطبيعة وهمهمة المشاعر الى اقصاح وجهر واضح النبرات ، وأن يهب صورة حياة كاملة تعيش مستقلة ، أو متفاعلة داخل النفس التى تعشق الفن الشعرى

ولعل الميزة الكبرى لشعره هي العمق والجلال فى الفكرة والوضوح والجمال فى الصياغة . ولا شك ان الشاعر يبذل خلال كتابته للقصيدة الكثير من ذات نفسه ، وذوب وجدانه ، ونحن بذلك قد نتصوره مضنيا ولكن صاحب ( حصاد الشمس ( يحس به فى أعماقه انسا غامرا ونشوة معربدة .

ولا ينبغي أن نستهين بالجهد الذى يبذله الشاعر عبد العزيز قاسم ليبدع لنا فنا يصدر عن وعي بصنوف الجمال ومراتب الحسن سواء كان ذلك في نطاق الافكار او فى مجال الصياغة ، او فيهما جميعا ، لان هذا الاتجاه من جانبه ، يفسر لنا مقدار حرصه على بلوغ الغاية فى نماذجه . . استجابة لنوازعه الفنية من جانب واحتراما لجمهوره المعجب به من جانب آخر ، فليس الفن عند صاحب ) حصاد الشمس ( وسيلة من وسائل التسلية او حديثا من احاديث الفراغ ، وانما هو روح تطعمه الروح . . ويغذيه الوجدان والقلب

وأغلى أمنية أتمناها لشعر عبد العزيز قاسم أن يستجيب للطبع العربى الصرف ، لان الارتباط بشعر " شارل بودلير " و " اليوت " لا يحقق للشاعر العربى بلاعة ولا يخلطه بقلوب قراء العربية ، لان نمط هذين الشاعرين مستمد من البيئة التى تعرف رمزية بودلير فى فرنسا وغموض اليوت في انقلترا .

اشترك في نشرتنا البريدية