الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، حول " الاحرفية "

Share

" الاحرفية " او القواعد الجديدة فى العربية " تاليف : يوسف السودا دار ريحانى للطباعة والنشر ( بيروت 1959 )

ان موجة التحرر السياسي التي عصفت بالعالم فى السنوات الاخيرة دفعت بالشعوب العربية الى خوض معارك التخلف في كل ميادين الحياة بدون استثناء فاعلنت الحرب الشعواء على كل ما ينتسب للركود ويتصف بالجمود وظهر الاصلاح في كل مقومات الامة فى الاقتصاد وفى الاجتماع ، في التربية وفي التعليم حتى تكون الحياة متماشية مع العصر ، عصر الكواكب سفن الفضاء لاعصر الابل سفن الصحراء

وفى ميدان اللغة تحمس البعض الى ابدال الحروف العربية بحروف لاتينية اقتداء بما فعله اتاترك باللغة التركية (I) وعا اخرون الى المحافظة على الحروف العربية مع تحويرها وتبسيطها لتسهيل الطباعة (2) لكن قواعد اللغة بقيت على ما كانت عليه ايام سيبويه والزمخشري وابن مالك

فنحن لا نزال ندرس النحو حسب الطريقة التى سنها الخليل وسيبويه .. لعل هذه النظرية كانت دالة على عبقرية ونبوغ ولكن ظروفنا غير ظروف الخليل وفهمنا « للمشكل اللغوى » غير فهمه ... فهل بقى معنى اليوم لقولنا » نائب فاعل » مثلا او » مبتدأ وخبر » او « فعل ناقص » و «فعل غير ناقص (3)

فالمرفوعات والمنصوبات مازالت تدرس بقطع النظر عن المعنى

وما زالت " لن " تدرس مع النواصب ولم مع الجوازم والحال انه من الواجب دراستهما فى باب النفى

لذلك نرى ابناء الغرب يبدون نفرة من العربية بشهادة كبار المفكرين وبشهادة الواقع اليومى

فكم من مرة لاحظنا تبرم التلاميذ عندما يستعمل استاذهم الفصحى فى دروسه واحاديثه معهم فهل يحسن اذا باهل القرن العشرين ان يعيشوا على القواعد التى استنبطها اهل القرن الثامن ؟

هذا هو سؤال الاستاذ يوسف السودا فى كتاب " الاحرفية " الذى ظهر فى السنة الماضية فى بيروت

فمن هو يا ترى هذا الرجل ؟ والى ماذا دعا فى كتابه ؟ وما هو موقفنا نحن المربين من آرائه ؟

يوسف السودا من مواليد لبنان فى أواخر القرن الماضي زاول تعلمه في بيروت ثم التحق بكلية الحقوق فى باريس ولمع اسمه في ميدان المحاماة في بلاد الكنانة ثم صال وجال فى ميدان الصحافة وقد احتل ايضا مناصب النيابة والوزارة في وطنه لبنان واعتمد سفيرا فى بعض المراكز وله عدة مؤلفات في الحقوق والاجتماع نذكر منها « المسألة اللبنانية ونظام الحكم الاساسي » 1910 وبين القديم والحديث » 1921 و « رسالة الشباب ( 1956 والاحرفية » هي آخر ما طبع له وقد انكب على اعدادها حوالى الخمسين سنة (1)

ومن الملاحظ ان السودا اتقن من اللغات اليونانية واللاتينية والفرنسية والانكليزية الى جانب العربية لغته الام وقد بدت له تلك اللغات سهلة الماخذ بسيطة المورد وبالمقارنة ظهرت له العربية جامعة الشوارد الشذوذ وعويص القواعد والحال ان لغة الضاد لم تعرف الجمود والتحجر الا عندما استنبطت لها القواعد حسبما سمعه النحاة الاولون من اقوال القبائل العربية المختلفة

وما « الاحرفية » الا اعلان بافلاس النحاة العرب في هذا العصر الاحرفية » ثورة كبرى شاملة اطلقها السودا على النحو والقواعد النحوية لا على اللغة نفسها

"الاحرفية " جاءت لتبسيط العربية وتسهيل تداولها « كى تساير العصر لما به من مقتضيات فكرية وعلمية وفنية » (2)

عرض السودا مشكلة الصرف والنحو بطريقة لا يبقى معها شك حتى عند المكابرين وهذه خدمة اللغة لان اول خطوة نحو اية مشكلة هي الاقرار بان هنالك مشكلة ثم تفهم المشكلة تفهما صحيحا وبعد ذلك عرض الحلول « (3)

تقع « الاحرفية » فى مائتين وستين صفحة خصصت الثمانون الاولى منها لشرح مبررات الثورة على القديم

فنحن مطالبون باعادة النظر فى الاسس القديمة التي اجمع عليها الكوفيون والبصريون او التي فرقت بينهم وما ذلك الا حرصا على حياة لغتنا من التحجر والاضمحلال وسعيا وراء نشرها بين ابناء العرب وغير ابناء العرب

الا يعوزنا سنة 1960 ان نضع قواعد لسنة 1960 قواعد يحفظها التلميذ فى مدة معقولة الى جانب غيرها من اللغات والعلوم والفنون

يدعو السودا - ومن لا يوافقه على ذلك ؟ الى العناية بالمعنى وضبط التعريف وتجنيب الخوض في فلسفة اللغة

أ - المعنى دون الشكل

يستشهد السودا فى هذا الباب بالفاعل ونائب الفاعل  اكل الذئب الخروف اكل الخروف فباى صورة يحق لنا ان نسمى » الخروف » نائب فاعل ؟ انرى تغييرا في المعنى ؟ الم يقع اكل الخروف في كلا المثالين

ويذكر الكاتب بابا آخر في الجمل العربية فيه اهتمام بالشكل دون المعنى اكل محمد_ محمد اكل

لماذا نقول « محمد » فاعل في الجملة الاولى ومبتدأ فى الجملة الثانية أتبدل المعنى بـ " ضبط التعريف " كلنا نعلم ان

الاسم هو ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن - الضمير هو ما يحل محل الاسم ويغنى عن تكراره كلنا متفقون على هذا التعريف الا اننا نجد انفسنا فى تناقض فاضح عند التكلم عن الاسم الموصول واسم الاشارة واسم الاستفهام

اليس لنا بالاحرى ان نتحدث عن الضمير الموصول وضمير الاشارة وضمير الاستفهام Pronom relatif Pronom démonstratif - Pronom interrogatif ولنذكر مثلا آخر في هذا الباب

اعتبر النحاة الاحرف المزيدة على الاحرف الاصلية في تصريف الافعال ضمائر في محل رفع فاعل کسر الخدم الصحون الخدم كسروا الصحون

كسروا فعل ماضى مبنى على الضم والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل والحال ان الخدم هم الذين كسروا الصحون في المثالين

فلندع القشور والتئاويل المملة ولنكن واقعيين . ان الواو والالف والياء ماهي الا زوائد يتطلبها تصريف الفعل للدلالة على العدد او الجنس كما هو الشان في اللغات الاخرى            Il chante   Tu chantes   Je chante     Ils chantent   Vous chantez   Nous chantons

ج - فلسفة اللغة

ما بال تلاميذنا يبحثون فى الادغام وما ادراك ما الادغام ويبحثون فى الاعلال وهو كما قيل " باب لا اول له يعرف ولا آخر له يوصف "

ايذكر الاخوان الذين تعلموا تصريف بعض الافعال الفرنسية انهم بحثوا عن سبب التقلبات التى تطرأ على فعل ذهب aller .

من الماضي الى الحال والاستقبال Je vais - J'irai Je suis allé -

الا يكفى ان نحفظ اولادنا جدول تصريف افعالنا الشاذة القليلة ( بالنسبة لما في غيرها من اللغات) بدون تعرض للمشاكل والعقد

فلندع فقه اللغة الى تعليم جامعى يتخصص فيه بعض الرجال من ذوى المواهب العالية الذين نحن في اشد الحاجة اليهم والى امثالهم في مختلف الميادين الحيوية

المصطلحات الجديدة

لم يكتف الاستاذ يوسف السودا بالدور السلبي في كتابه بل قدم لنا مشروعا يمكن ان نقول كاملا لمصطلحات مضبوطة وقواعد بسيطة نود من القراء ابداء رأيهم فيها حتى تتبلور الفكرة وتتمخض عن نتائج مقبولة من طرف الجميع الفعيل : لفظة جديدة اختارها السودا بعد شرح وتدقيق لتعويض الفاعل ونائب الفاعل »

في مقابل ما يسمى في لغات كثيرة Subject  Sugetto Sujet - وقد اعطى لها التعريف الاتى الفعيل : تدل على من فعل الفعل او اصابه الفعل او على حالة الفعل نبح الكلب   سرق الكلب     كان الكلب حاضرا التميم .Complement لتعويض جميع المفاعيل والحال وفي هذا الباب

نلاحظ ارتباكا عند السودا اذ انه التجأ الى مسميات اطول من المسميات التي قاومها فقال في المفعول فيه تميم بمعنى تحديد الزمان او المكان و « جاء في المفعول لاجله قوله تميم بمعنى ايضاح السبب » الخ.

اخذ الكاتب لفظة تميم .Complément عن اللغات الاوربية وقال « ان اطفال الدنيا يتعلمون لفظة واحدة لكنه نسى انها فى حاجة الى ملحقات طويلة Complément d'objet direct Complément d'objet indirect Complément circonstanciel de manière, de lieu, de cause.

ونلاحظ ايضا ان السودا تجاهل باب التمييز والاستثناء وهما من المنصوبات كالمفاعيل تجاهلا تاما فما هو السبب ياترى ؟ ان فكرة السهو لا تخطر على البال وكل اعتقادى يميل الى التناسى  المقصود خوفا من دهاليز مظلمة قد يصعب الخروج منها

المظهر : اعتبر السودا الافعال الناقصة كان (واخواتها) افعالا مساعدة verbes auxiliaires تطلب فعيلا كغيرها من الافعال ثم جعل من خبرها (صفة كان او اسما) مظهر او قال ان المظهر منصوب بطبيعة الحال

استنبط السودا عبارة مظهر قياسا على ما يستعمل في لغات عديدة attribut مظهر (I)

الا انه توقف عند نصف الاية لان اللغات الاوربية تستعمل فعل كان في صيغة الحال وهذه الصيغة مستترة فى الجمل الاسمية العربية والعبرية

الكتاب مفتوح هسفر فاتواح Le livre est ouvert The book is open

فلماذا يحصر السودا استعمال لفظة مظهر فى خبر كان دون تعميمه الى الخبر مطلقا اذ ان كلا من فاتواح وouvert و open تعرب attribut او مظهر ؟

اليعربيات Arabisme (على قياس لاتينيزم وقاليسزم) Latinisme    Gallicisme

حشر الاستاذ يوسف السودا فى هذا الباب التحذير والاغراء والندبة والاستغاثة والترخيم والتعجب واسماء الفعل ولبيك وحنانيك وسعديك (1)

واقترح ان نكتفى بالاشارة الى المعنى المقصود من هذه التراكيب بدون اطالة فى الشرح والتحليل (2)

القاعدة العامة : الاصل فى الاسم الرفع بهذا لا يبقى على التلميذ الا معرفة عوامل للنصب والجر وهى قليلة سهلة

الجملة : نوعان الفعلية : يدخل فى تركيبها فعل الاسمية : لا يدخل فيها فعل

وهى قسمان

اسم وصفة الصفة الولد العالم الرجل الكلب الفتى ابن بطوطة انا اكثر منك مالا مضروب نصوح جريح قائم اسمر رحالة من المشتقات وزن مفعول وزن فعول وزن فعيل وزن فاعل وزن افعل وزن مبالغة افعل التفضيل

اسم ونعت النعت المطر سكب الصليب خشب الزيت تونسى الاولاد اربعة الكريم ذو المال الجيش خلف الاسوار غير مشتق مصدر اسم منسوب عدد ذو شبه جملة

استعمل السودا لفظة " نعيت " تعويضا للخبر اذا كان غير مشتق لكنه اهمل المعنى المتعارف للكلمة اهمالا كليا ونتيجة لهذا يظهر ان السودا لا يفرق بين النعت والخبر

الباب مفتوح والباب المفتوح                    .(فى منزلة واحدة)

نتائج القاعدة الجديدة فى اعراب بعض الجمل والله انى على حق . جملة اسمية لا حاجة الى تقدير اقسمت بالله

يا عبد الله . جملة اسمية لا حاجة الى تقدير ادعو عبدالله جرى الماء  او الماء جرى    (علي وزن فعيل )

الملك مريض الملك اسم مريض صفة الملك اسد الملك اسم اسد نعت هذا الاعراب لفظى ولكن اين الاعراب المحلى كان الملك مريضا كان . فعل مساعد الملك فعيل مريضا مظهر

ونتيجة لذلك يحذف باب المبتدأ او الخبر والاعلال والادغام ونائب الفاعل والمفاعيل والحال والصفة المشبهة والتحذير والاغراء والاستغاثة والترخيم والتعجب واسم الفعل

ويدعو السودا الى تعديل الابواب التالية كان واخواتها كاد واخواتها - ان وأخواتها - ليس واخواتها - لا النافية للجنس الاختصاص - الاشتغال التنازع - اسم الفاعل والمفعول الاشتقاق - المصادر - الضمائر - المضاف - تركيب الجملة - تصريف الافعال والعدد

بهذا المشروع " اختصرت قواعد اللغة الى نصفها لكن مشاكل العربية مازالت فى حاجة الى المزيد من التبسيط وقد يتطلب هذا العمل العديد من المؤتمرات والكثير من البحوث والدراسات "

ان الاحرفية محاولة " قد ترضى وقد تسئ وقد تفسح مجال النقد والاعتراض لكل معترض وناقد فاذا لم تنجح المحاولة ففاشلة تضاف الى فاشلات تتعاقب منذ الف وثلاثمائة سنة واللغة فى جمود مصاعبها لا تتحرك وفي قسوة شواردها لا تتطور فاذا نجحت فحسبى خدمة اللغة احببت اريدها مطلة على الاجيال مشرقة على القمم (1 )

اشترك في نشرتنا البريدية