ظهرت باكورة عمل جليل أقدمت عليه المكتبة المغربية سينفض الغبار عن أدب المغرب العربى بالتحقيق والنشر والدرس - وقد استأثرت شخصية الأديب التونسى أبى على الحسن بن رشيق باهتمام الدكتور عبد الرحمن ياغى وعنايته ، فخص الشاعر الناقد بكتابين نفيسين أولهما : حياة القيروان وموقف ابن رشيق منها وهو الذى سنتولى تقديمه ، والثانى قطعة من ديوان الحسن بن رشيق قام الدكتور بجمعها وتحقيقها . ويبدو أن جمع القطعة كان أسبق من البحث- وان ظهرت بعده فى السلسلة - لانه اعتمدها واستمد عناصره منها
وقد طبعت دراسة الدكتور ياغي طبعة علمية للمرة الاولى بدار الثقافة ببيروت سنة 6191 . يشتمل الكتاب على 489 صفحة من القطع الكبير ، منها اثنتان وثلاثون خاصة بقائمة مبوبة من المصادر والمراجع وفهرس للأعلام مرتب على النظام الأبجدى . وينقسم حسب مواضيعه الى فروع كثيرة يمكن حصرها فى نقط ثلاث : 1 ( بيئة ابن رشيق - 2 ( حياة ابن رشيق وصلاته بأهل عصره 3 ( أدب ابن رشيق
يستعرض الكاتب فى الأقسام الاولى مراحل الحياة السياسية المضطربة التى عرفتها افريقية قبل الفتح الاسلامى وبعده ويجتهد فى التدليل على وجود صلات قديمة بين اهلها واهل اليمن خاصة - مما ساعد الحضارة الاسلامية على الانتشار في بلادهم والتغلغل فى نفوسهم - ثم يسهب فى الحديث عن عهد بني زيرى فيتتبع ظهور دولتهم في جو مضطرب لا يعرف القرار واكتمال قوتها بمساعدة البربر وانفصالها عن المشرق ثم سقوطها بعد غارة أعراب الصعيد على الامارة المتمردة . وقد كان الموقع الذى اختاره العرب لابتناء القيروان هيأ العاصمة الصنهاجية لهذا النوع من الحياة التى فى ظلها عاش شاعرنا ابن رشيق ) واذن فقد انشئت هذه البلدة لا لتكون محطة للتجارة تزول بزوال السبب وانما ادت غرضها وغدت مستقرا للعمران والحضارة فيما بعد عقبة الذى انشأها واختط فيها دار العمادة والمسجد الأعظم ) 1 (
وكانت الحياة الاجتماعية متأثرة بالحياة السياسية مؤثرة فيها . وكانت
افريقية ملتقى ثقافات متنوعة ورثتها عن حضارات أمم شتى كان لها بها اتصال من قريب أو بعيد مثل الثقافة اليونانية التى جاءت من صقلية وجنوب ايطاليا والثقافة التى سلكت طريق الأندلس - وازدهر اقتصاد البلاد قبل الهجوم الهلالى فانتشر اللهو واسرف الناس فيه من ناحية وزهد اهل الورع فى الحياة الرخوة اللذيذة من ناحية أخرى وأصبحوا قوة خطيرة تهدد السلطان ولا تخافه . وأخصب الفكر ونفقت سوقه فكانت الحياة الفكرية تستمد غذاءها من أربعة الوان من المعرفة : 1 ( العلوم الدينية وخاصة الفقه المالكى والحديث - 2 ( اللغة والنحو ( الشعر والادب - 4 ( العلم الفلسفى والطب .
وبعد هذا العرض ينتقل الدكتور ياغى الى حياة ابن رشيق فيحقق أخبار مولده وموته تحقيقا محكما رائعا يستند الى مقارنة النصوص واستقرائها فيجعل ولادته سنة 390 ه فى المحمدية ، وقدومه الى القيروان سنة 406 ه ، وموته ببلدة في صقلية تسمى مازر عام 463 ه ، وهذا الخبر الاخير هو ما رجحه ابن خلكان وخالف فيه ياقوت - وابن رشيق ابن صائغ رومى ، نشأ فى المحمدية وكان منذ الصبا وثيق الصلات بأهل العلم والادب ، يغشى مجالسهم ويشارك فى ندواتهم . وقد تتلمذ لشيوخ مشهورين كان لهم أثر فى نتاجه منهم أبو عبد الله محمد بن جعفر القزاز الذى ألهم ابن رشيق كثيرا من فصول العمدة فى البلاغة والنحو وعبد الكريم النهشلى الشاعر الناقد وابو الحسن على بن ابى الرجال الكاتب الذى كان رئيس ديوان الانشاء عند السلطان وقد أهداه ابن رشيق كتاب العمدة . ومن الشيوخ الذين عرفهم أيضا أبو اسحق الحصرى الشاعر صاحب كتاب زهر الآداب وثمر الألباب
أما معاصرو ابن رشيق فأشهرهم أبو عبد الله بن سعيد بن شرف الذي كانت له معه منافسات ومساجلات - وكان يلذ للمعز بن باديس أن يثير بينهما التنافس فينظمان فى موضوع واحد وقافية واحدة وأوشكت هذه المنافسات أن تنتقل مع الشاعرين الى صقلية باغراء من اميرها ابن مطكود لولا توسل القيروانيين المقيمين فيها الى الخصمين خشية أن يصبح شاعراهما موضع التندر على ألسنة القوم .
ومن معاصريه ابو العباس بن حديدة وهو كاتب فى ديوان الرسائل له شعر كثير فى الغلمان وأبو عبد الله بن قاضى ميلة والنعمان بن ميمون الخولانى .
ما هو موقف ابن رشيق من الحياة السياسية ؟ كان لابن رشيق رأى فى صلات الشعراء بذوى السلطان فقد نسب الى الحمق كل شاعر يعرض نفسه لغضب الملوك ويرى أن ) التعصب لمن هو فى ملكه أصوب ( . فالشعر طريق الى الجاه والمنصب ومن أكبر مزاياه رفع الشاعر الى مرتبة الخواص وتقريبه الى الملوك والأشراف - وقد هجم عليه الدكتور ياغى
هجمات عنيفة فقال ) هذا هو رأى صاحبنا فى الشاعر وهو رأي لعمرى يحط من قيمته ويتخذ له منهجا ليس من الكرامة فى شىء - فالشاعر فى نظره طالب فضل وهو لسان يجرى بالثناء على من هو فى ملكه وتحت سلطانه ( ) 2 وقد قال ابن رشيق
ان المقام بمثل حا لى لا يتم مع القعود
لا بد لى من رحلة تدنى الى الامل البعيد
فكتب الدكتور ياغى ) وما اظن أن ذلك الأمل البعيد المنشود كان كبيرا عزيزا وانما هو يسير على النفوس التى تهوى الزمر والطبل فى ظلال الملوك واتباعهم ( ) 3 (
ويلاحظ أن شعر ابن رشيق جاء خاليا من ذكر أحداث سياسية خطيرة مرت بها البلاد فى عهده فلا حديث عن الروم ولا عن الحرب عدا قصيدته التى رئى بها القيروان . ويفسر الكاتب ذوبان شعراء ذلك العهد وتهافتهم على القصر بالفقر الذى كان حظ الطبقة السفلى وانتشار البطالة بينها اذ يقول ففيما يصدر عنه من سلوك نرى ظلالا لمجتمع فاسد لا يقوم الحق فيه على أسس من العدل ولا على قواعد من الكرامة وانما الفرد صاحب حق فيه اذا كان ذا قرابة من ذوى الشأن يشفعون له او كان ذا صلة بمن ترجى شفاعتهم أو كان مقربا يقبل استعطافه ( ) 4 (
ثم يؤاخذ ابن رشيق بما يكن من كره للعامة وتعريضه بالشعراء الذين يمدحونهم أو يرنونهم فيقول : ) ويوضح لنا ذلك كله ما كان يعمل فى نفسه من مرض الشعور بالطبقات ويدل على ما كانت ترزح تحت اعبائه فى المعاملة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ( ) 5 ( ويستمر الدكتور ياغى فى استخلاص النتائج واستنباط الفكر ويقدم صورة عن مجتمع ابن رشيق مستمدة من النصوص فباستقراء الشعر يوضح مكانة المرأة وفساد العيش وحاجة الناس الى الهجرة طلبا للرزق ، ويستكشف بعض عادات لم يرد ذكرها فى كتب التاريخ لكن ابن رشيق لم ينقل صورة عصره فى شعره لأنه لم ينظر اليه ) نظرة المتأمل المتعمق وانما نظر اليه من اطراف عينيه ومن زاوية خاصة تنفذ ولا تشمل ( ) 6 ( .
ولعل هذا القسم أن يكون امتع ما فى الكتاب لما أظهر فيه المؤلف من قدرة على الاستنباط بالرغم مما فيه من قسوة على رجل لا سبيل الى تسليط علمنا عليه مثل مفهوم الطبقات ، وبيننا وبينه تسعة قرون ونيف - وفى قسم آخر من الكتاب يخلص الدكتور ياغى الى خصائص ابن رشيق الادبية مستقلة عن السياسة وهو يشتمل على ثلاثة عناصر
1 ) ابن رشيق الشاعر : جمع له الدكتور ياغى 741 بيتا ومقطوعة تضم القطعة التى جمعها الأستاذ الميمنى فى ( نتف من شعر ابن رشيق وابن شرف ) وعددها 496 بيتا - وقد تناول ابن رشيق جميع المواضيع القديمة الا أن الوصف كان أغلب على شعره - فهو اذن مقلد ليس له منهج شعرى خاص
2 ) ابن رشيق الكاتب : أهم كتب ابن رشيق : العمدة فى فنون الشعر وآدابه ونقده - وقراضة الذهب - وانموذج الزمان فى شعراء القيروان من خصائصه فى الكتابة أن الفكرة تشغله قبل اللفظة اذ كان يفرق بين الابحاث والانشاء الادبى فالتزم منهاجا لم يحد عنه وجاءت كتبه متماسكة واضحة .
3 ( ابن رشيق الناقد يستعرض الدكتور ياغى مراحل النقد الأدبى من الجاهلية الى عهد ابن رشيق ويذكر أعلام النقد فى كل مرحلة مستدلا بقطع من آثارهم ففى الجاهلية كان النقد صورة الانفعال والتأثر السريع وكان فى القرن الأول يعتمد على السليقة والطبع والذوق العربى حتى ظهر كتاب أبى عبد الله محمد بن سلام الجمحي ) 139 -232ه ( : طبقات فحول الشعراء ، وظهر في القرن الثالث الكامل للمبرد ورسالة البديع لابن المعتز وقواعد الشعر لثعلب وكتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة والبيان والتبيين للجاحظ ونقد الشعر ونقد النثر لقدامة بن جعفر
واتسع أفق النقد فى القرن الرابع فصنف الاصفهانى كتاب الأغاني فى المشرق وكتب ابن شهيد ) رسالة التوابع والزوابع ( فى الاندلس
وكانت هذه التيارات تنصب فى القيروان وتتجاوب اصداؤها فظهر نقدة كالقزاز والنهشلى والحصرى صاحب زهر الآداب وابن شرف صاحب اعلام الكلام ) فلا غرابة ان ينشأ ابن رشيق وهو ابن صائغ محبا للنقد كما نشأ ابوه بصيرا يميز المصوغات بالمعاينة البصيرة ( ) 7 ( .
ثم نظر المؤلف فى كتب ابن رشيق الثلاثة : العمدة والقراضة والأنموذج كل على حدة متدرجا معه من عنصر الى عنصر وليته ألف بين مواضيعها واستمد آراءه فى أهم القضايا من الكتب الثلاثة . وأهم المواضيع التى تعرض لها ابن رشيق بالبحث هى
- القديم والجديد - لا يفضل قديما على جديد لقدمه . وقد بلغه أن الحصرى ازمع على عمل طبقات الشعراء حسب الاسنان وكان ابن رشيق اصغر القوم سنا فقال :
رفقا أبا اسحاق بالعالم حصلت فى أضيق من خاتم
لو كان فضل السبق مندوحه فضل ابليس على آدم
يقول يا قوت ) فبلغه البيتان ، فأمسك عنه ، واعتذر منه ، ومات ، وقد سد عليه باب الفكرة فيه فلم يصنع شيئا ) 8 (
- اللفظ والمعنى : مرتبطان ببعضهما لا ينفصمان . - المطبوع والمصنوع : المطبوع هو الأصل لكن المصنوع غير المتعمل أفضل - صناعة الشعر : ومنها الأوزان والقوافى - البلاغة : لا يتقيد فيها بالقواعد كما يفعل العسكرى ويحكم الذوق الأدبى .
ولقد لاحظنا ان المؤلف صرف اهتمامه - كما نبهنا عنوان كتابه - الى حياة القيروان فى عهد ابن رشيق - اما القسم الخاص بشعر ابن رشيق ونثره فنحيف لا نكاد نلمس فيه الجهد الذى تكلفه الدكتور ياغي في الأجزاء الاولى من الكتاب ، يشتمل على عرض آراء النقدة المعاصرين كالدكتور محمد مندور صاحب ) النقد المنهجى عند العرب ( وطه ابراهيم مصنف ) تاريخ النقد الادبي عند العرب ( وفقرات من كتب النقد القديمة يذكرها عند المناسبة . ولا يغض هذا القسم على كل حال من قيمة الكتاب - فقد كشفت دراسة الدكتور ياغى جوانب هامة جدا من حياة القيروان التى أظلت الحسن بن رشيق وقد استخدم الكاتب مخطوطات ثمينة مثل مسالك الأبصار لأحمد بن يحيى بن فضل الله العمرى وهو مخطوط بدار الكتب المصرية نقل عنه قسما كبيرا من الأنموذج ومقامة الشعراء لابن شرف وهي مخطوطة فى الاسكوريال يوجد منها ميكروفلم فى الجامعة العربية وطبقات النحويين واللغويين لأبى بكر الزبيدى ) مخطوط بمكتبة القاهرة ( وضرائر الشعر للقزاز شيخ ابن رشيق ) مخطوط بدار الكتب المصرية ( - ويبدو أن الدكتور ياغى جمع قسما كبيرا من أنموذج ابن رشيق مثلما صنع بشعره فهل يفاجئنا يوما بطبعه فى هذه السلسلة النفيسة أم سيسبقه الى ذلك الاستاذ زين العابدين السنوسى والاستاذ ابراهيم شبوح - وقد جمع كلاهما شيئا منه فيضيفوا حلقة اخرى الى سلسلة المكتبة المغربية

