الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مطالعات، ديوان أحلام وثورة

Share

السيد علي صدقي عبد القادر مؤلف ديوان " احلام وثورة " يعرف فى " ليبيا " باسم " شاعر الشباب " وجائز ، من يقرأ ديوانه ، ان يطلق عليه ، غير مدافع ، اسم " شاعر ثورة الشباب في وجه الاستعمار "

والشعب الليبي العربي الشقيق عرف الاستعمار ، كما عرفته شعوب البلاد العربية ، في المشرق والمغرب . وللاستعمار ، حيث كان له وجود ، جانب ثقيل الوطأة ، مكفر الوجه ، مستنكر الشميم ، مستقبح المس . لا تكاد النفوس الابية ، والفطر السليمة : تلاقي منه شيئا ، حتى تضيق به ، وتنفر منه ، وتهتاج غاضبة لمدافعته . وحتى تثور ثورتها الجامحة في وجهه ؛ تتظفره ، ما استطاعت ، بمالها من مخلب ، وتتنهثه ، ما استطاعت ، بمالها من ناب .

وقد كان من الشعب الليبي ، ومن شباب الشعب الليبى ، ان ثار هذه الثورات ، في وجه الأستعمار البغيض . وقد كان ، كذلك ، من الشعب الليبي ان وحد من أبنائه البررة ، من يعبر عن ثورته فى وجه الاستعمار . بل ان من يقرأ ديوان أحلام وثورة ، ليجد ان السيد علي صدقي عبد القادر ، قد استفاض احساسه بما لكارثة الاستعمار في بلاد المشرق والمغرب من ويلات . وحرجت نفسه الشاعرة وضاقت ضيقا بذلك ، فكان ديوانه ، بل كان القسط الكبير من ديوانه ، نشيدا طاغيا متفجرا ومن اعماق نفسه . وانك لتسمع هذا النشيد فاذا هو صرخة محرقة ، فى أضعافها يعلد نداء للاخذ بثأر الشهداء . وفي أضعافها هينمات بكاء ؛ بكاء اليتامى التعساء ، وفي أضعافها غصص الامهات الثواكل ، والمفجوعين من الاباء ، واذا هو :

يا دم المستشهد الحر الذي لاقى القضاء

يا دموع اليتتم فى جفن البنين التعساء

يا نشيج الام ، والروجة ، اذ يأتى المساء

سوف لن يذهب هذا الدمع ، أو تلك الدماء

انها تدعو لاخذ الثأر ، ثار الشهداء

واين من لا يستجيب قلبه لهذا النداء الواغل والدعاء العريض ؟ فحيث عواضه الاستعمار وأفاعيه ، وحيث فواجعه وقوارعه ، وحيث دماء قتلى الاستعمار تفور وتمور ، حيث كل هذا يكون واقعا ، وحيث كل هذا يكون واقعا فى اي بلد من بلاد العربى الموتور . لا بد ان يكون لهذا النشيد ، ولغيره من قصائد ديوان السيد على صدقي صداه . فديوانه ، من هذه الناحية ، تعبير حق عن " وطنية " عمقة الجذور ، تتصل جذورها ، ولا شك ، بذلك " العطف الفطرى " ؛ ذلك العطف الذي يربط الانسان بمستقره من الارض ، وتتحرك به فى اعماق نفسه سوا كن الغضب والحمية ، اذا ما مسه الاذى ؛ أذى الاجنبى الدخيل فى موطنه وبمستقره من الارض . فليس ديوان شاعرنا مقصورا ، من أجل هذا ، على ليبيا وعلى الشباب الليبي المكافح . بل ان " وطنيته " هذه لتنطلق به متجاوزة أفق ليبيا الى آفاق البلاد العربية كلها .

وفي الديوان طائفة أخرى من القصائد تجمعها بالطائفة الاولى نسبتها الى الشاعر . والسيد على صدقى عبد القادر يرى ان هذه النسبة المؤكدة تبرر ان تضاف هذه الطائفة الى تلك ، مع ما بين الطائفتين من اختلاف فى الموضوع . وقد أحب ان يقول لنا ، فى مقدمة ديوانه التي كتبها بقلمه ، : " ولما كان العمل الفنى وحدة لا تتجزأ ، فان كتابي " احلام وثورة " وحدة في مجموعه ، ولو تفرقت قصائده ؛ لانه ينبع من معين واحد ؛ لذلك فان قصائدي وهي في موكبها ، تتقدم في صف واحد ، حتى لا يتخاف الاعرج منها ، وباعتبارها نتجي أضعها في مرتبة واحدة . وهي لدي سواسية . غير مفاضل فيما بينها ؛ وذلك لسبب واحد ، وهو ان لكل قصيدة ظلالا تفيأتها زمنا ما ، وعشت لحظاتها ، وتفاعلت مع ملابساتها . انها أجزاء ، من عمري ، تتألف منها ذكرياتى ، وبها انصهرت تجاربي ، انها بعض ماضي . وهل يتنكر إنسان لاجزاء عمره ، وذكرياته ، وماضيه "

ان هذا التبرير يذكرنا بعضه بمقالة أبي تمام حبيب بن أوس الطائى ، حين قيل له : " او أسقطت هذا البيت من شعرك !" فضحك وقال : " أتراك أعلم بهذا مني ؟

انما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة ، كلهم أديب جميل متقدم ، فيهم واحد قبيح متخلف . فهو يعرف أمره ، ويرى ، مكانه ، ولا يشتهى ان يموت ، ولهذه العلة وقع مثل هذا فى اشعار الباس ! "

فاذا كنا بهذه المراوضة بين يدى قصائد هذه الطائفة فماذا نجد ؟

اننا أمام تعابير عن هذه العواطف " البشرية " التى تصل الانسان بأمه وأبيه ، وبزوجه وبنيه ، وبأخوته واخواته ، وبحبائبه وصويحباته . ولا شك ، ان هذه العواطف كانت قوية الفورة ، عارمة الاندفاع وانها كانت هى العسكر المنتصر فى معارك الصراع النفسى بينها وبين غيرها من العواطف " الانسانية " المقابلة لها . وقصيدة " مجرم ولكن " صورة حية " للصراع العنيف " بين هذه العواطف من جهة ، وبين عاطفة التحذر من انتهاك حرمة الحقوق المكفولة ، او التى ينبغى ان تكون مكفولة لكل انسان ، من جهة اخرى . بل قصيدة " مجرم ولكن " هي افصاح عن سيطرة عاطفة الحنو الفطرى وانهزام كل ما عداها من العواطف المقابلة . ولا بأس ان نستعيد ههنا شيئا من هذا القصيد ، يقول شاعرنا السيد على صدقي :

وأرى بنوي وزوجتي في قبضة الجوع اللعين

يستنجدون ، ويصرخون

أ أسد عيني بالتراب ؟

أ أصم أذني الحجر ؟

ايكون ذلك ؟ هل يكون ؟

فرفعت كفي للسماء

يامبدع الملكوت ألهمني الصواب

يا خالقي كيف العمل ؟

غفرانك اللهم ما انا سارق جان ، اثيم

زوجي بنوي أبي يريدون الحياة

لا بد من انجادهم . مهما يكن

من امر ما يأتي .

وما يأتى يكون

غفرانك اللهم فاغفر زلتي

وخطوت كالفأر الجبان للمخزن المملوء قمحا . ربه اكتنز الذهب . . .

ان هذا القصيد يذكرني بقصيد من رجز شاعر عربى قديم . احسبه أبا فرعون الشاسي ، فـأبو فرعون يصور نفس الصراع ، واكاد اقول : يقف نفس الموقف . ولكنه لا يستسلم لسيطرة عواطفه البشرية . بل يجعل الانتصار للثقة " برحمة الانسان وبالاخاء الانسانى " يقول ابو فرعون

وصبية مثل صغار الذر     سود الوجوه كسواد القدر

جاءهم البرد وهم بشر       بغير قطف وبغير دثر

تراهم بعد صلاة العصر       بعضهم ملتصق بصدرى

وآخر ملتصق بظهرى         اذا بكوا عللتهم بالفجر

حتى اذا لاح عمود الفجر      ولاحت الشمس ، خرجت اجرى

عنهم ، وحلوا بأصول الجدر      كأنهم خنافس في جحر

هذا جميع قصتي وامرى          فاسمع مقالى وتول امرى

فأنت ، انت ثقتي وذخرى

هناك جانب آخر ، من ديوان " احلام وثورة " لا مفر من مواجهته . فان من يقرأ الديوان ويتقدم مستعرضا قصائده كلها يجد ان الشاعر يتحرى ، فى تناول موضوعه ان يقيم امام الحواس صورا هى هذه الصور التى ينترعها من دنيا الواقع القريب ، ويكون عناصرها من تلك الصفات " العرضية " المتغيرة . وانه ليمضى ، كذلك في تتبع هذه الاجزاء التفصيلية ، ويتلقط منها ما يتلقط فلا يصرفه شىء ان يعيد اليك في قصيده " مجرم ولكن " مثلا كل ما يمكن ان تراه العين وتسمعه الاذن مما يجري في المحكمة ، حتى تغضن جبين القاضى ، وحتى فرك اصابعه لما بين يديه من اوراق ملف القضية . ان هذا الاسلوب الواقعى قد يرخص للسيد على صدقي عبد القادر ان يذهب فى لغته مذهبا تنحل فيه معاقد التعبير ، ويسترخي فيه الكلام استرخاء . وفي غير هذا . فان الديوان بانطلاقه الى الحياة سوف يجد ، ولا شك ، فرصا تجمعه بالنقاد . وفي اعتقادى أن من قصائده ما سينتصر بصموده امام عملهم المخلص الدقيق

اشترك في نشرتنا البريدية