من اهم خصائص انتاجنا الادبى فى المغرب العربي بصورة عامة وفي بلادنا التونسيه على وجه الخصوص ان معظمه مخطوط محفوظ عند مؤلفيه او عند بعض ورثتهم واصدقائهم وقد تكون بعض الاثار - وخاصة منها القصائد والقطع الشعرية - نشرت تباعا وتسلسلا فى صحف او مجلات قديمة اصبح الوصول اليها اعز من الوصول الى المخطوطات النادرة وقد اخذ ادبنا منذ مدة يعمل على الخروج من هذا الوضع واخذ كثير من المسؤولين على حظوظ الثقافة والفكر فى هذه البلاد يسعون الى الاكثار من نشر الآثار التونسة قديمها وحديثها من قصص وبحوث ودواوين شعرية وغير ذلك
وقد كانت الاشهر القليلة الماضية حافلة فى ميدان حركة النشر اذ ظهر فيها عدد من الكتب التونسية القيمة الموضوع الجيدة المادة الانيقة الاخراج . فكان من بين هذه الكتب ديوان " شوق وذوق " وهو مختارات للشاعر مصطفى خريف كما كان من هذه المنشورات الحديثة ايضا ديوان " تحت ظلال الزيتون " من مختارات الشاعر مفدى زكرياء ، والملاحظ ان هذا الكتاب هو الاول من السلسلة التى عزمت دار النشر بتونس على اظهارها . وظهر اخيرا القسم الاول من كتاب الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب " ورقات عن الحضارة العربية فافريقية التونسية " .
وسنحاول اثناء هذا العرض ان نلقى نظرة سريعة على ديوان " شوق وذوق ، ريثما نتمكن من القيام بجولة مع القارىء الكريم فى الاخرين فى أعداد مقبلة
لقد كان كثير من الشباب المثقف بهذه الديار يحس بكثير من الاعتزاز والفخر عند ذكر الشابى وشعر الشابى من بين بقية الشعراء العرب . لكن هذا الشباب المثقف كان يحس ايضا بشئ من الضيق ومن الحسرة اذا اراد
ان يبحث عن اصدقاء الشابى وخلانه من اصحاب صناعته الشعرية وبقية الممثلين لهذه المدرسة الشعرية الحديثة التى ظهرت بوادرها فى تونس وازدهرت بين الحربين العالميتين
ويعرف الكثير من الشباب المثقف اسماء بعض هؤلاء الشعراء كما يعرفون ان اشهر زملاء الشابي وملازميه هو الشاعر مصطفى خريف . غير ان الوصول الى شعر ) سيدى مصطفى ( كان صعبا وقد نفدت طبعة الديوان الاول ) شعاع نفادا كاملا
؛ وهذا بعض ما يفسر لنا استبشار المثقفين عامة عند الاعلان عن قرب صدور ديوان ) شوق وذوق ( وشدة شوقهم إلى طلوعه عليهم
ومن يتصفح ديوان ) شوق وذوق ( ير ان الشاعر قسمه الى ثلاثة اقسام كبيرة سماها :
1صفحات من ديوان الحماسة . 2 ( صفحات من ديوان الصبابة 3( صفحات من هنا وهناك
وقد قال الشاعر فى مقدمته مشيرا الى طريقته فى الجمع والتقسيم . . لم تكن هذه المجموعة متجانسة بل هى تحتوى على اشتات من الاساليب والمضامين والالوان والطعوم . . بحيث ستجد تباينا واضحا بين القصائد المتحاورة ولعل في ذلك شحذا لغريزة التطلع وحب التنقل من جو إلى آخر . اما تقسيم الابواب الى ثلاثة فهو تقريبى او هو للمظهر والزينة فقط " .
ويمكننا ان نقسم نحن بدورنا هذه المختارات التى قدمها لنا الشاعر الى قسمين كبيرين من حيث الموضوعات المطروقة وحتى من حيث الطريقة الشعرية . فنحن نجد مجموعة من القصائد والمقطوعات الشعرية تعالج بعض مظاهر كفاح هذه الامة السياسي او الاجتماعى او الفكرى قبل الاستقلال وبعده وقد تصور بعض المقطوعات الشعرية وحدة شعوب المغرب العربى مثلا او الشبعوب العربية كافة فى نضالها من اجل التحرر والتقدم وهذه النماذج الشعرية يمكن ان ندخلها فى باب الشعر الاجتماعى السياسى بالمعنى الذي نراه لهذا النوع من القطع الشعرية عند شعراء مثل الرصافى او حافظ ابراهيم .
؛ الى جانب هذا النوع الاول فنحن نلاحظ فى ديوان ) شوق وذوق ( صنفا ثانيا من الشعر يغلب عليه الوجدان والتأمل الشخصى وكثير من خصائص
الرومنسية الشعرية من انكماش على النفس وغوص فى اعماقها وانصراف الى ذكريات الماضى الجميل والى اطيافه الزائلة وجناته الضائعة
وهذا الصنف الثاني من النماذج الشعرية الواردة في ديوان ) شوق وذوق ( يمثل بصورة اوضح وبوجه ادق تلك الخصائص التى كانت تمتاز بها المدرسة الشعرية التونسية التى كان محورها الشابى . وهى خصائص وجدانية شخصية فردية اكثر منها اصلاحية اجتماعية او هي تعتمد التأمل الفردي اساسا تبنى عليه عملها لاصلاح المجموعة
وما دمنا نتحدث عن خصائص شعر سيدى مصطفى خريف فانا نود ان لا يفوتنا - رغم ما يتميز به هذا العرض وجوبا من ايجاز وسرعة - ان نشير في اسلوب شاعرنا الى ظاهرة اعترضتنا فى كثير من القصائد وهي ظاهرة استعمال بعض النوادر الغريبة من الالفاظ اللغوية . ونحن نرى ان ذلك يؤدى الى خلق جو ) روتينى ( والى نوع من التفصح ننزه عنه شاعرنا المحبوب
هذه ملاحظات خاطفة حول ديوان ) شوق وذوق ( للشاعر مصطفى خريف . وهذا الكتاب يجب ان يعد بحق اصلا من الاصول التى يجب على المؤرخ للادب التونسى ان يوليها كل عنايته . وعسى ان نعود إلى هذا الديوان فى دراسة اوفى واعمق

