نتحدث اليوم عن ديوان او قل عن الجزء الاول من ديوان لا شك ان الناس عرفوا اكثر قصائده قراءة وسماعا وصاحب الديوان هو شاعر صفاقس الاستاذ محمد الشعبونى الذى زان المحافل الادبية وجلجل صوته فى الاعياد الوطنية وكان رسول عاصمة الجنوب ولسان حالها فى شتى المناسبات ولو صح ان نعود الى مرجع تونسى فى سلم المعايير الادبية والتيارات الشعرية لقلنا ان محمد الشعبونى ينتمى الى هذه المدرسة التى نهم بتسميتها " مدرسة القيروان " اى مدرسة الشعر العربى المحافظ على السنة التى توارثتها الاجيال عبر الحقب وضمنت للقصيد فى مفهومه الاول مقومات الأصالة والاستمرار ولا يغرنك ما يتعاطاه شاعرنا من الاساليب الخارجة عن هذه السنة فليس ذلك الا من باب المجاملة للموضة لانه فى قرارة نفسه لا يصدق الشعر الا حين يفتح له البيت على مصراعيه وتنظم القوافى فى سلكه فينتقى منها ما راق وطاب واختار محمد الشعبونى لديوانه عنوان ) وحي الضمير ( وقسمه الى اغراض اربعة : 1 ( صفاقسيات - 2 ( اعيادنا - 3 ) الوطنيات - 4 ( اجتماعيات
وقد صدر هذا الجزء الاول فى 191 صفحة من الحجم المتوسط عن التعاضدية العمالية للطباعة والنشر بصفاقس وعنوانه تأكيد من الشاعر على ان قصائده الوطنية كانت صوت الصدق والحق استوحاها من اعياد أمته فى غير زيف واهداها الى الرئيس الحبيب بورقيبة الذى كان نضاله معين وحيه ومصدر الهامة اما السيد قاسم بوسنينة والى صفاقس فيقول في كلمة التقديم ( جاء ديوانه هذا - وحي الضمير - امتدادا للحركة العلمية والادبية
بصفاقس ( ، واذا كان شعراء صفاقس فى القديم امثال الغراب والخراط وطريفة قد استمدوا مواضيع شعرهم من واقع بيئتهم وظروف الحياة فيها فان شاعرنا هذا يعد من ابرز الشعراء الذين جسموا الحياة التونسية المعاصرة وصوروها للناس باسلوب عربى مبين " . ونتصفح الآن هذا الديوان فنقرأ فى بابه الاول شعر الحب والوفاء لمسقط رأس الشاعر الذى سخر بيانه للتعبير عن منزلة المدينة فى الحياة الوطنية واحاسيس اهلها نحو الرئيس
والشاعر رغم حبه الكبير لصفاقس يابى على نفسه ان ينحصر فى تعصب جهوى ضيق وقد اكبر فيها رسالة الرئيس فى توحيد الشعب والقضاء على اسباب التفرقة :
ورسا بيانك فى القلوب منزلا وبه الشمال مع الجنوب تعلقا
انا جميعا لا شمال ولا جنوب نسير خلف لك ما دعوت الى اللقا
فالشعب قد ألهمته فى حكمة سبل التصافى والاخاء موفقا
وفي هذه الصفاقسيات نجد القصيدة مشتملة على مختلف الاغراض فلا شئ يميزها عن القصائد الوطنية الاخرى الا انها انشدت - فيما يبدو - بمدينة صفاقس ففي قصيدة بعنوان " الثورة العظمى " نظمت سنة 1961 نجد حديثا عن العمل وعن التخطيط وعن فلسطين ؛ وفى " الفرحة الكبرى " تتكرر معاني الجهاد والبناء وفي شعر 1965 نرى الشاعر يعبر عن تأييده للمواقف التونسية من قضية فلسطين فيقول
نداؤك قد كان نعم الندا وللعود بالقرب خير وفود
ولو ادرك القوم اسراره لكفوا عن اللغو حتى نعود
وانت ترى ان قوله ) وللعود بالقرب خير وفود ( كلام كأى كلام ومحمد الشعبوني طويل النفس الا ان هذا الطول يرهقه أحيانا فلا يحافظ على قوة الدفع لكنه سرعان ما يستعيد بيانه ويشدك اليه لان من الخصائص التى يمتاز بها شعره انه ناصع القوافى منصاعها وللقافية سحر لا يخفى فلا تقرأ بيتا من أبياته الا وانت تبحث عن نهايته فاذا وصلت احسست بالراحة حين تظن نفسك متعبا كليا ولكن هذا الشاعر الخبير باسرار الصناعة يفاجئك احيانا بعض العلل والزحافات ما يجوز منها وما لا يجوز ؛ فهو فى قصيدة " من حصاد الرحلة " يقول :
وباننا شعب تباعد لحمة عن أمة الشرق وغربا اغرقا
فتحتاج الى مد الصوت بعد قاف الشرق وتحذف المد من الهاء فى قوله : ( فنسير خلفه دون اى تردد ( والعرب تمد الهاء ويقول فى قصائد الاعياد مثل غرست أصولها فى قلبنا ( والافصح ان يذكر القلب في صيغة الجمع و لا يصح تخريجها فى هذه الحال على ان الامة لها قلب واحد لان السياق لا يقتضيه ومحمد الشعبوني ككل الشعراء المنتمين الى المدرسة العربية الكلاسيكية يضع مقدمات لقصائده فى تمجيد الشعر وتحميله شرف التعبير عن المعاني النبيلة والمقاصد الشريفة الا ان هذا الشعر كثيرا ما يتهم بالعجز والتقصير للمبالغة فى التعبير عن نبل المقصد ويمجد الشعبونى فى الرئيس تشجيعه الشعراء وحبه الادب واثراءه بمعاني الجهاد والبطولة
انت الذى بوأتنا بالعقل خير مبوإ وحبوتنا بمفاخر
ودفعت بالشعراء للانتاج والعم ل الدؤوب وكنت خير مؤازر
يا خير من بلغ الزعامة واعتلى دنيا الرئاسة فى الشمال الثائر
وبمناسبة المولد النبوى الشريف يتذكر الشاعر امجاد الاسلام ويحيى عاصمة الاغالبة واصلا ماضيها المجيد بحاضرها السعيد ومن الاعياد التى تغنى بها شاعر ) وحي الضمير ( عيد الجمهورية وعيد ميلاد الرئيس وعيد النصر وعيد الشهداء وعيد الاستقلال وطبيعي جدا ان يكون عيد الجمهورية فرصة لتمجيد الشعب والحديث فى فلسفة الحكم والشعبوني يرسم هذه المعاني على خلفية تاريخية تتراءى فيها مظالم الاستعمار وتضحية الابطال من ابناء الوطن :
ضحك الزمان لتونس الخضراء واعاد فيها الحكم للابناء
ووقفت للتاريخ وقفة شاعر ازجى الحقائق من جسيم وفائى
وهذا الشعر الغزير الذى كتب فى ظروف دقيقة من حياة المغرب العربى لا يفوته ان يسجل البطولات بأوراس الجزائر ويبشر الثوار بالنصر القريب وينبغى ان نعترف لكل الشعراء الذين واكبوا الثورة الجزائرية بانهم كانوا دعاة فصحاء صرحاء لبناء المغرب العربى فيقول الشعبوني
ولتحى تونس والجزائر والربا ط حياة جسم كامل الاعضاء
يبقى الشمال على الدوام موحدا ويدوم فيه الحكم للابناء
اما عيد ميلاد الرئيس فانه يقترن عند الشاعر بميلاد الحياة الحرة والامل الكبير وحياة الرئيس سجل حافل بالامجاد فترى الشاعر يجمع عناوينها ويستلهم الجهاد لينفث فى أبياته نفسا رومنطيقيا تارة وملحميا تارة اخرى والشعبونى مثل رفاقه الذين تغنوا بميلاد الرئيس يطلق عنان خياله احيانا على شواطئ المنستير وامواجها ليكبر فى مدينة الرباط هذا العطاء ويصور فرحتها بمناسبة العيد :
يوم به ارض المنسثير احتفت وفدا حماها ملتقى الانشاد
الشعر والشعراء فيه تسابقوا لتحية البطل العظيم الفادى
وتجاوب الاحساس من كل الحمى وحبا فؤادي قوة استمداد
وعيد النصر هو عيد عودة يضفى عليها الشاعر ألوان الحب والوصال واسم الحبيب ألهم شعراءنا هذه المعانى الرقيقة فاذا بالشعبونى يتحدث احيانا كما يتكلم العشاق ولولا الرجوع بالمناسبة الى ملابسات التاريخ لخيل الى من يسمع او يقرأ انه ازاء شاعر يتغزل :
وعيش جميل فى ظلال محبة ودنيا من الاحلام عانقها الفجر
وعود حبيب بعد طول غيابه الى الوطن الغالي يتوجه الظفر
ويخرج الشعبوني عن طريقة الخطاب المباشر ليبرز مشاعره الوطنية باسلوب فنى جديد وكذلك فعل فى قصيدة " من وحي صورة " التى صور فيها صغيره يميل على المكتب ليسأل عن صورة الرئيس فيجيبه :
لهذا الفتى بيننا قصة تفوق الذى جاء فى الكتب
بارض المنستير شب الفتى وفى نفسه ثورة تختبى
حبيب لتونس من صغر وصول الى كل مستصعب
ويتبين من هذا العرض ان ديوان ) وحي الضمير ( من الشعر الذي يدون احداث العصر بعدسة جديدة لانه شعر فى محبة الوطن هذا الوطن الذى تجسم فى قائده ورئيسه فلم يغفل الشاعر عن حقيقة الاتحاد وحاول ان يخرج من دائرة المدح القديم اما لغته وخياله فهما كما أسلفنا غير منقطعين عن سنة العرب فى ما تعرضوا اليه من الاغراض الملحمية والوطنية
