سيكون حديثنا هذه المرة مخالفا بعض الشئ للأحاديث السابقة لأنه لن يتناول كتابا من كتب التراث ولا بحثا مطولا ولا مجلة بل مسرحية تونسية كتبت بالاشتراك بين كاتبين تعودوا بهذه الطريقة وهما مصطفى الفارسى والتيجاني زليلة وموطن الغرابة أو الاستغراب فى هذا الحديث هو أن المسرح بمثل عادة ولا يقرأ او يمثل أكثر مما يقرأ ويكون الحكم فى العمل النهائى الذى تتضافر فيه جهود الكاتب والمخرج والممثل أما نحن فسنقدم نص المسرحية وسيكون حديثنا عنها أدبيا محضا ليس له مساس كبير بفنيات المسرح ، ومسرحية الفارسى التى سيدور حولها هذا الحديث هى (( رستم ابن زال )) نشرتها الشركة التونسية للتوزيع فى 147 ص من الحجم المتوسط وهي مشتملة على ثلاث عشرة حركة حسب تعبير المؤلفين وقد استهدت الشركة التونسية للتوزيع فى تزيين الغلاف بصورة قريبة من الموضوع أو ننتسب الى خياله على الأقل فاذا بنا أمام فارس يصارع عدوا غريبا كالذى بصنعه الخيال الشعبى كلما أراد تصوير الشجاعة المثلى كشجاعة عنترة أو على أو أبى زيد الهلالي وأشكال الصورة والوانها دعاء لطيف الى تخطى حدود الواقع للنفاذ الى عالم أسطورى قد يكون عمل القارىء فيه اكثر من عمل المخرج وبالفعل فان المؤلفين يحثان على ذلك فيقولان فى التقديم (( ليس هذه المسرحية واقعية ولا خيالية وان اتصلت حركاتها بالواقع والخيال معا ورجاؤنا أن تستعمل فى الاخراج كل المغريات السمعية والبصرية التى تيسر الانطلاق من الواقع الى الخيال وتسهل الانتقال عبر الزمن )) ويمكن القول أن المكان ايضا مطاط الحدود بالرغم من أن الأحداث تجرى فى ساحات القتال بين
التورانيين والايرانيين أو فى قصور هؤلاء وأولئك لان شخصية رستم بن زال ليست فقط ما أوحت به شاهنامة الفردوسى _ وقد اعتمدها المؤلفان في ترجمة التندارى بل هى موجودة فى كل خيال شعبى رغم الفوارق التاريخية واللمسات الفنية التى لابد منها لتحويل الخبر الى قصة أو قصة الى مسرحية (( ورستم الفارسى وزليلة بطل ايرانى طبقت شهرته الآفاق ساقه القدر الى القصر التورانى لأنه فرسه غاب فى مرج هذا القصر فتعلقت به الأميرة ابنة (( افراسياب )) عدو (( كيكاوس )) ملك ايران وأرادت أن تنجب منه ابنا يكون فى مثل شجاعته وهذا الطفل واسمه (( سهراب )) أصبح بطل الجيوش التورانية التى سيقاتلها رستم ويتصارع الأب والابن على غير علم بما بينهما من روابط ويموت (( سهراب )) تحت ضربات أبيه رستم الذى عرف فى آخر الأمر انه قتل ابنه فساءت حياته وبكاه بكاء الثكالى هذه هى خلاصة الأحداث .
ونعود الآن الى المسرحية محاولين التعرف على شخصياتها والنسق الذى بنى عليه المؤلفان عملهما واللغة التى استعملاها _ وأول ما تنبغى اليه الاشارة أن المسرحية لها مخرجون من صلبها أى أنها عمل من صنع أشخاص مسرحيين صنعهم الفارسى وزليلة ، وهم المداحون ، فالمداحون بقصون على أهل القرية حكاية رستم ويدعونهم الى وضع الاطار المناسب للأحداث فيفسح الركح عند ذلك للعمل المسرحي البحت ويمكث المداحون ليتكلم أبطال القصة بأنفسهم ، ثم نعود الى المداحين وهكذا دواليك ، وهنا نسقط الحدود الزمانية وننتقل من عصر الى عصر ، فنرى الاميرة المغازلة حين تعلقت برستم ونراها أما تحدث سهراب عن أبيه البطل _ مثال هذا الاخراج الذي يصنعه المداح فى أذهان القرويين ما جاء فى الحركة السادسة _ استمعوا باسادة الى هذه الأخبار وتخيلوا ما كان _ تخيلوا ساحة القتال وقد تدانى الفريقان وتراءى الجمعان _ تخيلوا الفريقين على ربوتين متقابلتين مكشرتى الأنياب مكفهرتين صائلتين مدمدمتين _ العجب العجاب ! السماء ترتعد من هول منظرهما والطير يحلق عليهما ينتظر أشلاء العباد ! وكأني بالشمس احتجبت ذعرا فى هذا اليوم يوم الحساب ! وهذه الطريقة حققت الربط بين الحكاية والمسرحية الا ان كلام المداحين يطول أحيانا حتى يجعلنا نحتار فى تصو إخراجه مسرحيا ، أى أن الحكاية تطغى على الحوار ولا يخفف الطبل والمزمار من حدة السرد وملله الا قليلا _ ولعل السبب فى ذلك أن المؤلفين لم يجدا أو لم بخلقا شخصية يتقمصانها فأوكلا الى المداحين هذه المهمة فاذا بهم يتغلمنون ويتحدثون عن الحرب والسلم ، والسياسة والأخلاق حتى أنهم قالوا : ( نحن السحرة . . نحن حماة الضائعين ، الشوك نحن فى حلق الطغاة الظالمين ) -
وعلى لسان المداحين يمجد الوطن وتقدس الأرض ، وقد يكون المداحون يرمزون الى كاتب القصة أو الى الكاتب الذى يستخف بخياله ويتهم بالثرثرة والهذر ويبيع الاحلام ! فلا غرو اذن أن نراهم معقدين بعملهم وصناعتهم ويسخرون ممن لا يعرف حقيقة أمرهم لان الانسان كل الانسان بطبائعه وعاداته وغرائزه وأطماعه وأطماحه ومساويه وخصاله وضعوه فى جوف حقائبهم - حقائب التاريخ - ومنطلق الحكاية فى المسرحية أن هم ( أفراسياب ) التورانى ازاحة خصمه ( كيكاوس ) الايرانى عن العرش - تقول ابنة ( أفراسياب ) هذا الكلام لابنها سهراب وتخبره بأن أباه رستم سيكون فى طليعة الجيش الايرانى وتتمنى لو يلتقى البطلان كأنها تريد أن تمتحن شجاعة ابنها أمام أبيه ولكن ، هل يلتقى الشمس والقمر ؟ الا أن القدر يستحق لها هذه الأمينة التى ستصنع لها مأساتها . . . فالاميرة مازالت محبة لرستم تكبر شجاعته وحبه لوطنه ، وهي أم تود أن يكون ولدها حذيرا بأبيه عدوها وعدو أبيها ووطنها وهذا التمزق المصطنع أقل حدة فى رأينا من التمزق المالوف عند المرأة العاشقة لعدو أبيها أو عدو وطنها مثلا ، ومهما يكن الامر ، فان شخصية الاميرة الام باهتة وضعيفة مسرحيا ! وقبل اللقاء رستم بأبنه سهراب يظهر أشخاص ثانويون مثل (( الشيخ الشبح )) الذى ينذر رستم بسوء العاقبة اذا أمعن فى القتال ، وأولئك الذين دبروا المكيدة حتى لا يتعارف البطلان - واذا كان المدبرون للحيلة لم يوفروا عناصر التشويق الكافية ولم يحكموا تعقيد الحيلة فان شخصية الشيخ شخصية سينمائية أكثر منها مسرحية - ونحن نتصور شبحا يظهر على الشاشة أما فى مقبرة كما هو الامر فى المسرحية او فى المنام ، ولكن المسرح لا يتقبل ظهور ممثل فى شكل شبح فلماذا لا يرمز الى ذلك بالصوت ؟ أما شخصية رستم فاننا نعرفها بالحكاية على شكل بفوقها فى الواقع ! فالبطل الذي يهيئنا المداحون والأميرة لمعرفته فولاذى الارادة - بيديه مصير البلاد وهو الامير الناهى فى الجيوش الشجاعة أما الشخص الذي يتكلم فهو يفاجئنا بضعف غير متوقع ، ولا يكفى ظهور الشيخ لتحويل رستم من بطل أسطورى الى رعديد يرفض القتال ويخدش فى كبريائه أثناء حديثه مع أصدقائه يقول له صديقه ( جيو ) دع الهواجس لمن لا شغل له للشعراء والكهنة والعرافين فيجيبه رستم : الا أريد أن أقاتل غدا كفى ما أزهقت من أرواح ! كلام الشيخ حق ! لم يهبنا الله الحياة لنريقها هدرا ، الا أن رستم يتراجع فى هذا الرفض ويتفق مع الشق المقابل أن ينزل من كل شق فائدة ويتصارع الاثنان بمعزل - وفي هذا النزال الذى اجتهد المؤلفان هى أن يدخلا عليه حركية مسرحية ويجعلاه مطابقا لحركة الحوار تظهر خصال
البطلين - فاذا بها واحدة : تغلب عليها الشهامة والنبل ولا غرو ، فان الابن أشبه أباه حتى كاد يطابقه فى كل شئ يقول الأب : اني فى حيرة من أمرك يا فتى . . الصغير السن شديد البأس ويقول الابن : وحيرنى أمرك يا شيخ هرم في السن وثابت فى القدم - ثم انهما يتفقان على أن يستريحا حتى يظن الناس انهما تعارفا الا أن رستم يكون فى النهاية أكثر حيلة ويسقط الفتى تحت ضربات رستم فيتوعد قاتله بأن أباه رستم بن زال لا بد أن ينتقم له منه ويتأكد رستم من الحقيقة عندما يرى الامارة مشدودة الى عضد سهرات فيصيح : قتلته ! من منقذى من نفسى ؟ بقيت كلمة نريد أن نقولها فى لغة المسرحية فقد بقى المؤلفان متأثرين بالجو الخرافى وحاولا أن تكون لغة المداحين مسجوعة متقطعة تناسب ايقاعات الطيل والمزمار ، فلم يكن هذا السجع دائما منقاد العنان رغم ما يتخلله من جمل حلوة ولغة الحوار لا تخلو دائما من الثقل كثقل المضاف المثنى فى قولهما مكشرتى الانياب وبعض الاخطاء التى لا نعلم هل مردها الى المظبعة أم لا مثل ( ونديرثين تضطربا ) و ( كفى ما أزحقت من ارواح ) بالحاء ومفردات غريبة مثل الحرب مغافصة ورغم البيئة الواضحة في تعصير الاحداث الخرافية وادخال حركية براشت فى بعض المشاهد فان مسرحية رستم بن زال لمصطفى الفارسى والتيجانى زليلة بقيت قديمة الروح والموضوع ولا يمكن أن تكون الا فى قائمة المسرحيات الترفيهية .
