يستمد فاضل السباعي من ذاته قدرا صالحا يطرحه فى مسيرة " رامي حسام الدين " بطل رواية " رياح كانون " ؛ بحيث يصح عندنا - مع قدر قليل من التعليم - إعتبار الرواية تطورا فى رؤية الكاتب الفنية للواقع الاجتماعي السورى فى مطلع الستينات . فقد صور السباعي الحدث الروائى من وجهة نظر " رامى " الشخصية المحورية فى الرواية ، بحيث تركنا نرافق البطل في حياته اليومية ، لنشهد ما يقع تحت بصره ، ونحس ما يصطرع في خواطره ، على عكس الشخصيات الأخرى التى صورها في شكلها الخارجي فقط . ولعل هذا الرصيد لشخصية محورية واحدة في رواية طويلة ( 436 صفحة ) هو الجديد في الواقعية الإجتماعية عند السباعي ؛ ولعله يعتز بهذا الإنجاز فى رسم شخصية فنية متكاملة اكثر من إعتزازه بالشهرة الرومانسية التى لقيتها روايته السابقة "ثم أزهر الحزن".
إننا لا نريد . هنا . إستباء ما خلع السباعي من ذاته على " رامي حسام الدين " أو فوزى المجاهد " . أحد شخوص الرواية . ممن رأينا فيه ملامح اخرى للسباعى . ذلك أننا نؤمن أن الموضوعية في إبداع الشخصيات الروائية لم تتوفر إلا فى عدد قليل من الروائيين العرب ؛ ولأننا أيضا لا نرى غضاضة فى هذا المزج بين الملامح الخيالية والملامح الذاتية الخاصة بالمؤلف فى رسم الشخصية الروائية . ولعل السباعي واحد من الذين يوزعون صفاتهم الخاصة . وطموحاتهم الذاتية . على أشخاص واياتهم ، دون أن تستقل شخصية واحدة بالملامح أو الطموحات كلها .
وإذن ... فإن النافذة الإجتماعية التى ننظر منها إلى " رياح كانون " تفرق بين الدراسة الفنية والدراسة الإجتماعية ( السوسيولوجية ) . دون ان تغفل عن أن هذه الدراسة المضمونية محفوفة ببعض المخاطر . وبخاصة التعميم في أجزاء من النتائج التى تخلص إليها .
تضعنا " رياح كانون " وجها لوجه أمام شخصية " رامي حسام الدين " القلقة المضطربة . فتصور لنا صراعاتها الداخلية . وطموحاتها المستقبلة ، وازمة الإبداع المستحكمة فيها . إضافة إلى تصويرها الأبعاد الثلاثة الرئيسية فى الرواية : الحب والأسرة والعمل .
إن " رامى حسام الدين "محام اديب ناقد . يسكن بعيدا عن أسرته التى تقطن حيا شعبيا . وإن كان يزورها بين الفينة والأخرى لمعالجة المشكلات التى يثيرها أخوه " زكريا " . وعلى الرغم من أن أسرة " رامي " لا تكاد تحتاج إلى مساعدته المادية . فإنها تحتاج إليه كثيرا لتقويم إعوجاج اخيه . أو أن إعوجاج " زكريا " فى الرواية مناسبة يطلعنا فيها الكاتب على احوال هذه الأسرة - الشريحة الإجتماعية . إنها تتكون من ستة أشخاص : من والد " رامى " فارس قصبجى " ، وأمه " آمنة " . وأخيه الكبير " عبد الوارث " وزوجته ، و" رضوان " و" زكريا و" مليحة ". إنها أسرة شعبية تقليدية ، بدأت رياح التغيير تعصف بها ، سواء أكان ذلك على مستوى التعليم الذي يناله " رضوان " فى الجامعة . و" مليحة " فى الإعدادية .
و"زكريا" في الثانوية ؛ أم كان على مستوى العمل الذى يـمتهنه الأب حين أدخل الآلة لتقوم بجدل خيوط القصب مع خيوط الصوف والقطن والحرير بعد أن كانت الخيوط تجدل وتلف بالوسائل التقليدية .
إن " رامى" ما يفتأ يذكر منبته الإجتماعى هذا حتى أصبح هاجسا من هواجسه ، فلا هو ينفصل عن هذا المنبت ولا هو يلتحم به ، ولهذا تراه قلقا ، يعاني صراعا نفسيا بين رغبته فى مساعدة أسرته على تغيير حياتها ، وبين مكوناته النفسية التى جعلته متحللا من قيود الإرتباط بهذه الاسرة (1).
إن " رامى " الممثل لطبقته الإجتماعية ، يقف قبالة " لبنى آل الأمير " ، الفتاة الممثلة للطبقة البرجوازية . وعلى الرغم من أننا نعرف نتفا من ملامح أسرة " رامى " تكفي لتوضيح الأساس الطبقى الذى يسيره ؛ فإننا نكاد نجهل أسرة " لبنى " جهلا تاما . وكل ما نعرفه عنها أنها سليلة عائلة حكمت البلاد في أخريات عهد المماليك ، ومن هنا جاء لقبها . " آل الأمير" . وقد خلف جد "لبنى" لأبيها أراضي كانت بساتين مشجرة ثم دخلت فى مخطط المدينة العمراني . وأن والد " لبنى " عزمى آل الامير " اخذ يقوم بمشاريع كبيرة بعد إحالته إلى المعاش بل يطمح إلى اكثر من ذلك ، يطمح إلى منصب وزير في الحكومة ، وقد عرضت عليه الوزارة فعلا . كما أننا نلمح أجزاء من صورة الأسرة فى تصرفات "لبنى " الشخصية ، فنشهد أسرة غنية ، تسمح لابنتها " لبنى " بأن تغادر البلاد السورية إلى لبنان للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت وتمدها بحاجاتها المادية والمعنوية دون تدقيق في سلوكياتها أو تصرفاتها الخاصة ، بل إن هذه الأسرة لا ترضى لابنتها أن تمتهن عملا بعد تخرجها من الجامعة ، فإن الثقافة عندها للثقافة لا للعمل !! .
ويخيل إلينا أن السباعي أراد تصوير اللقاء بين هاتين الطبقتين الإجتماعيتين على مستوى العلاقات الشخصية بين " رامي" و " لبنى "، دون أن يهمل
ملء الساحة الفارغة بين الطبقتين بطبقة جديدة ناشئة هى طبقة شخوص النادى ؛ طبقة البرجوازية الصغيرة الناشئة بما تحمله من طموحات مستقبلية وصراعات نفسية . ومن الملاحظ ان كثيرا من ابناء هذه الطبقة - وهم هنا أعضاء النادى الأدبي الذي ينتسبون إليه - من كتاب القصة : بهاء الدين عاشور - فوزى المجاهد - خالص نعمانى - ياسر عطرى - عبد المعين هدايت ؛ ومنهم من يمتهن المحاماة أيضا . مما يذكرنا بالمؤلف نفسه (2) وقد مارس المحاماة فى بدء حياته العملية . كما أن هذه الملاحظة تدل دلالة كافية على أن شخوص الرواية - وبخاصة من ذكرنا من أعضاء النادى - مجندون من قبل السباعي المؤلف لخدمة " رامي " الشخصية المحورية فى الرواية . أو لتسجيل ردود أفعال المباشرة .
ولا ينسى السباعي أن يضع في الساحة الفارغة أيضا شخصيتين هامشيتين من أبناء طبقة " رامى " الإجتماعية . ليكونا صلة الوصل بين الطبقتين فى الرواية كلها بما يحملانه من مفاهيم ومعتقدات . وهاتان الشخصيتان هما " أبو عقيل " آذن المركز الثقافي . و " هدية " خالة " رامى " التى تقوم بتدبير شؤون منزله دون أن تتخذه مسكنا لها .
يصور السباعي هذا كله فى الفصول الثلاثة الأولى من الرواية (3) . بحيث يمهد بها للقاء التالي بين " رامي " و " لبنى " . بين البرجوازية الصغيرة والبرجوازية الكبيرة . ومادام المؤلف قد إرتأى أن يكون هذا اللقاء على مستوى العلاقات الشخصية ؛ فقد مهد فى الفصول المذكورة للحدث
الروائي الذي يريد أن ينسرب اللقاء خلاله . لقد جعل رامى ناقدا أدبيا ذا شهرة واسعة في نقد الرواية ، كما جعله يتوق إلى إبداع روايه خاصة به . ثم وضع في طريقه " لبنى آل الأمير " ، فجعلها تكتب رواية تعرضها على "رامى" لترى رأيه فيها . وإذن فقد جمع الأدب بين أبناء الطبقتين ، كما جمع شخوص النادى ، فاستوى الأمر للمؤلف ، وأخذ يبسط القول في الفصول الأخرى عن ازمة " رامى " الإبداعية ؛ أو قل إنه اتخذ ازمة الابداع عند "رامي" وسيلة لتحقيق اللقاء بين الطبقتين .
ان "رامى " مأزوم (4)، وأزمته أزمة إبداع . إنه يكتب دراسات فى " طريقنا إلى الأدب الصحيح " (5) ويحاضر فى " الزمن فى الرواية الحديثة " (6) ، ويناقش في " الأدب العربي الحديث " (7) ، ولكنه عاجز من كتابة رواية خاصة به . إن قوة رامي ناقدا ، فى محاسبة الروائيين قد أبعدته عن أن يكون له ماللاخرين ، ولذلك تركه المؤلف يدخل غمار تجربة كبيرة .
لقد تعرف "رامى" في المركز الثقافي على "لبنى آل الأمير " الفتاة البرجوازية الجميلة . وفي أول حوار بينهما تخبره أنها كتبت رواية ، فيختلط الامر عنده ، إذ إنه يحاول أن يستميل الفتاة ، ولكن إعلانها الفراغ من وضع روايتها في قلبه وترا تردد له فى نفسه صدى بعيد " (8). لقد
بدأنا مع هذه العبارة نمسك أول خيوط أزمة رامي ، وسنتابعها في بقية حواره مع "لبنى" فى المركز ، وفي أماكن كثيرة من صفحات الرواية ففي الحوار نرى رامي يعود إلى نفسه مرة أخرى " مستذكر عديد المحاولات اليائسة التى بذلها فى وضع عمل روائى ... وها هى فتاة ناشئة تكتب وتمضى إلى غايتها رغم كل شئ " (9) . إن ازمته تملك عليه تفكيره ففى حين يفكر فى استمالة الفتاة يخاطب نفسه : " إن علاقة ما ، يؤسسها مع هذه الخضراء العمر ، كفيلة بأن تلهمه أعظم رواية في آداب الدنيا" وإذن فقد وجد رامي في استمالة الفتاة موضوعا للرواية ، وموضوعا للهو فى آن معا ، ولكن الأول أقوى تأثيرا فى نفسه "واتخذ قراره : لسوف آخذ بيدها فى شعاب الفن . وهتف لسانه عاليا : أنت مقبل منذ غد على أمر .. وفكر وهو يرقي درج النادى : عشر محاولات مغيبة في درج مكتبي " (10) .
ليست الرغبة فى إستمالة الفتاة هي التي دفعت رامي لعرض مساعدته فى إعادة صوغ رواية لبنى ، إذ ان ازمته النفسية هى التى دفعته - فى حقيقة الأمر - إلى ذلك ، فلعله - وهذا هو شعوره الأصيل - واجد فى تلك المساعدة ما عجز عن تحقيقه لنفسه ؛ واجد فيها تحقيق طموحاته المستقبلية التى كافح طويلا من أجلها ، وترك أسرته بسببها ؛ في محاولة "نفسية" للتخلص من الآثار السلبية لللازمة . إنه " ركود نفسى " اصيب به رامي ، ولاخلاص منه بغير محرك نفسى" قوى مزلزل . وقد توصل " خالص نعمانى" - أحد شخوص الرواية - إلى موطن الداء ، فوصفه لرامي في الجملة التالية :
" يوم يحين لك ، يا رامي ، أن تحب المرأة إلى درجة العبادة ، فسوف تستحيل البحيرة الساكنة في أعماق نفسك إلى بحر صاخب هدار " (11) .
إن رامي بحيرة ساكنة ، وتلك هي أزمته الحقيقية فى رأى "خالص" وهو يتوق - لا شعوريا - أن يصير بحرا صاخبا ، والتقرب من لبنى هو الطريق الصحيحة لذلك . ولهذا لا يجد قارىء الرواية غرابة فى تطور رغبة رامي في إمتلاك لبنى إلى حب حقيقي ، تطلبه نفسه ، وتمهد له الطريق . فبعد أن ترك النادى ، عاد إلى منزله وهو يخاطب ذاته قائلا : " ما يكون شأنك بعد يا رامي ؟ هل تخلف لبنى آل الأمير أثرا فى حياتك ؟ البحيرة الساكنة يحسها اضطربت بين جنبيه اليوم بعض الإضطراب " (12) .
إن رواية لبنى التافهة تتحول بين يدى رامي إلى رواية جديرة بالإهتمام عنوانها " أحزان إلى الأبد " ، ولكن لبنى لا تنظر إلى رامي بمنظار الحب ، وإنما بمنظار " المنفعة "، فحين ينهى رامى صوغ روايتها ، ويبلغ حبه أوجه ، وتبلغ أزمته مداها حين يشعر بإخفاقه فى إخضاع هذه البرجوازية ، تسافر هي إلى بيروت لتبيع روايتها ، ويطول غيابها عنه ، وهو يتسقط أخبارها أولا بأول . إنها تعود أخيرا لتؤكد له صحة الأخبار التى وصلته عن علاقاتها وسهراتها ، بل إنها تصرح له بعلاقة جنسية جددتها مع زميل قديم لها في الجامعة ؛ فتثور ثائرته ، أو يثور الرجل فى نفسه ، فقد بدأت شكوكه تزداد في أثناء غيابها ، وها هى تصرح له بما يؤكد ظنونه ، لكن لسانه يعجل معلنا : " ولو ..." ثم يدرك " كم جمح منه اللسان " (13)، ويبدأ يشعر بالضعة والهوان ، وتبرز " الدونية " التى يستشعرها إزاء تربيتها البرجوازية . إن اتحاد الضعة والهوان والدونية مع الرجل الثائر فى نفس رامي ، هو الذي دعاه إلى أن يقرع نفسه :
" ثم يعجل لسانك إلى إعلان الرضا ؟ ! ولو ... يا أيها البليد ! أخرج يده من جيبه . لا يحس بردا : أية مهانة ! وخاطب ذاته :
- لقد أحالت هذه الفتاة بحيرة نفسك إلى بحر صاخب هدار ! بثت في أرجائك الاضطراب ، أعظم الاضطراب " (14) . لقد كان هذا الشعور بالضعة بداية النهاية فى أزمة الابداع عند رامي فالبحيرة الساكنة قد تم اضطرابها ، وهو يستطيع الآن كتابة الرواية الرواية التي يحلم بها . وها هو يجد موضوعا جديرا بالكتابة : " وحرض نفسه من جديد : عليه أن يتحلل من أدرانه ليبدع رواية ، ليكتب قصته معها " (15) .
- 3 - "وفكر : هي بنت امير .. وأنا ابن قصبجى ! لو أنها تضع قلبها على كفها وتهبه إياه : دونك قلبي ودعني أعيش معك ... إذن لانقلب يرد عليها هبتها معتذرا . طبقتان على طرفي نقيض ! الدارة ، والدار الشعبية ! بحسبه أنها صديقة له تخطب وده ، ود ما وهب من ثقافة وأدب ! وخاطب ذاته : لو لم تكن الناقد رامي حسام الدين لما سعت إليك لبنى آل الأمير ، سليلة الامراء وكريمة ذلك المرشح لأن يشغل منصب وزير ... " (16) .
إن هذا نص من النصوص الكثيرة التى يناجي فيها رامي نفسه ، فيعقد تلك المقارنة بين طبقته الاجتماعية وطبقة لبنى ويرى الهوة الكبيرة بينهما " طبقتان متباعدتان : صانع ووزير " (17). كما أن قلقه الأساسي ، قلق لا انتمائيته ، ما يفتأ يرفع رأسه عاليا فى أرجاء الرواية كلها .
على الرغم من هذه اللا انتمائية ، وهذا القلق الناتج عنها ، فإن لقاء رامي بلبنى قد تم عبر علاقات شخصية خاصة ، تمثل في جوهرها اللقاء بين الطبقتين المتباعدتين . لقد كان اللقاء من خلال أزمة الإبداع عند رامي ،
ولقد إنتهى هذه النهاية الطبيعية المحتومة وذلك هو الجديد في الواقعية الاجتماعية فى هذه الرواية . كل علاقة اجتماعية بين هاتين الطبقتين ما هي إلا علاقة نفعية . إن لبنى البرجوازية قد إستخدمت رامي مطية لتحقيق غرضها الخاص ؛ إستخدمته لترقى على كتفه سلم الأدب ، بل إنها ظلت في حاجة إليه ليساعدها ، ولكنها لا تريد ان تقترن به . لقد أعجبت به إعجابا حقيقيا ، ولكنه أحبها سواء أكان حبه حقيقة أم تعويضا نفسيا عن القلق الذي يستشعره بين منبته وطموحاته . وبرغم ذلك القلق والصراع النفسي الذي استحوذ عليه ، فإنه لم يرضخ ولم تلن قناته ، بل ثار على الحب في نفسه ، وقضى على صراعاته الداخلية حين أيقن بعدم جدوى اللقاء بين الطبقتين ، حين عرف طريقه :
"وأخط فى مذكراتى سطرا راعفا : - لماذا أنت حزين ، يا رامي ؟ أخاطب في المرآة نفسي . آخذ جرعة : - إنه البون ! أكتب خواطري .. خاطرة خاطرة ! - أخوك حقير ! وأبوك فقير ! وأبو لبنى أمير يوشك أن يسمى وزيرا " (18) .
إن احساسه المتعاظم بهذه الهوة بين الطبقتين لا يدفعه إلى اليأس والتشاؤم بل إلى تعميق الإحساس " بالدونية " التى يستشعرها إزاء هذه الطبقة البرجوازية . ولعله إذ يحسم أمره قادر على أن يكون شيئا عظيما :
" إن في وسعى ، إذن ، مع الجهد أبذله ، ان أغدو وزيرا . وإن فى وسعى ، مع الجهد أبذله ، أن أكتب رواية لي أولى . إن بنفسي أن أشرع لتوى فى عملية مخاض . الحوادث تختزنها واعيتى وتمتلىء
من الرواية البالغة 432 صفحة ) هى الرواية كلها ، إذ هي أيام لقاء رامي بلبنى ؛ فى حين أن النصف الآخر تصوير لما اعتمل فى نفس رامي في أثناء غياب لبنى في بيروت ، ولا غرو أن يكون هذا النصف الثاني طويل الأيام ( عشرون يوما أيضا ) قليل الصفحات ( 41 صفحة فقط ) ؛ لأن نصوير الصراع النفسى عبء كبير على الكاتب كما هو على الشخصية تماما . إن هذا الضيق فى المهاد الزمني للرواية احتجاج من المؤلف تعميق اللحظة الزمنية ليستطيع سبر نظيرها من اللحظة النفسية ، مما جعله يتعمق ذاته فى خلق شخصية رامي ، دون أن يلقى كبير اهتمام إلى توضيح رؤيته الفنية الاجتماعية ، وإن كنا لا ننسى أن هذه الشخصية هي ، فى حد ذاتها ، مسرب الرؤية والدليل عليها فى آن معا .
إن "رياح كانون" ، كمثيلاتها من الروايات السورية التى كتبت في النصف الأول من الستينات ؛ لم تلق الاهتمام اللائق بها درسا وتحليلا . ولقد آن الأوان ، ونحن فى مرحلة التأثيل الروائى والقصصى عموما ، أن نعير هذه الفترة إلتفاتة خاصة ، لأن الرواية السورية قد تطورت فيها تطورا ملموسا ، وقفزت قفزات واضحة ، بحيث فارقتها شؤون فنية قديمة ، ودخلتها شؤون واسماء جديدة ، فبدت أبعد عن الواقعية العاطفية وأقرب إلى الواقعية الإنسانية .
ولا شك آن الدراسات المضمونية لهذه الروايات وبخاصة : سلاسل الماضى - غرباء فى أوطاننا - شرح في تاريخ طويل - الاجتماعيون - حسن جبل - ملح الأرض - ثم أزهر الحزن ؛ تعيننا على سبر مسيرة المجتمع العربى عموما ، والسورى خاصة ، فى هذه الفترة ؛ كما توضح أمامنا نهج الدراسة السوسيولوجية لهذا الواقع ، وفي ذلك ما فيه من تقنين للعملية النقدية ، إذ إن كل عمل ادبي يحاول أن يقول شيئا نافعا للمجتمع الذي نشأ فيه .
بها هذه الصفحات أمامى . وبالفن أنسق مادتى وأصهرها فى بوتقة التجربة " (19) .
إن هذه الرؤية الفنية لطموحات الطبقة الاجتماعية السورية الجديدة ، وصراعاتها النفسية فى مرحلة التدرج الحضاري بعد الإستقلال ؛ هي رؤية سليمة للمدن السورية في خمسينات هذا القرن . وهى تؤكد موقف السباعي ، ذلك الموقف المؤمن بأهمية القطاع الجديد الناشئ ، الذي بدأ يتكون فى المجتمع السورى ، ودور هذا القطاع فى عملية التغيير الاجتماعى . ذلك أننا لا ننسى أنه جعل رياح التغيير تهب على أسرته من أول الرواية فيدخل أبوه الآلة إلى عمله التقليدى ، ويذكر إقناعه لهذا الأب بالسماح لـ " مليحة " بالذهاب إلى المدرسة " بالاشارب "، وثورة زكريا على حياة الأسرة الرتيبة لعدم قدرتها على إمداده بحاجاته من المال . إن ذلك كله موجود إلى جانب بقاء عبد الوارث أميا يشارك اباه فى العمل ، ويكتفى من حياته بزوجة يلقاها في المنزل حين يعود مساء من عمله .
ومع هذا فلم تطف هذه الرؤية الفنية على سطح الرواية لصرامة السباعي في إستخدام أدواته الروائية ، فبقيت في الأعماق مستترة بأزمة الإبداع التى استهوت المؤلف فراح يتبعها خطوة إثر خطوة على المستويين النفسي الداخلى والخارجى لشخصية رامي . وكأن السباعي المؤمن بمقدرة اسلوبه على الإمتاع ، وبحنكته فى رسم الحبكة الروائية ، ورغبته الخاصة فى كتابة عمل يستمد من الذات قدرا أكبر مما يستمد من الحياة ، قد أبعده عن أن يترك لمضمون روايته الإجتماعى أن يعلن عن نفسه بوضوح في الرواية . وإن في دراسة " الزمن في رياح كانون " (20) دليلا كافيا على صرامة المؤلف ودرايته بما يقوم به ؛ إذ جعل الرواية في واحد وأربعين يوما فقط ، وكانت نصف هذه الأيام (عشرون يوما فى 356 صفحة

