اهدانا الاستاذ البحاثة الدكتور عمر فروخ كتابه الجديد عن الشابى الذى اسماه (( الشابى شاعر الحب والحياة )) وهو الكتاب الذى اشارت مجلة الفكر فى عددها الصادر فى اكتوبر 1960 الى قرب صدوره ونشرت مقدمته التى بعث بها الدكتور فروخ اليها بعنوان (( هذه المعركة حول الشابى )) والقراء يعلمون ان الدكتور فروخ اصدر فى سنة 1954 كتاب (( شاعران معاصران )) الذى كتبنا عنه فى مجلة الفكر (1) منتقدين بعض ما جاء فيه خاصا بحياة الشابى وتقدير مكانته الشعرية .
اما هذا الكتاب الجديد فقد ذكر المؤلف فى كلمة التصدير ان رحلته القصيرة للمغرب - وخصوصا لتونس والقيروان - ولقاءه لنفر من الادباء مكنه من معرفة اشياء عن الشابى لم يكن عرفها من الكتب . كما ان صدور ديوان الشاعر وعدد كثير من المقالات والكتب عن الشابى بعد صدور كتابه الاول قد دفعه لتوسيع دراسته عن الشابى واصدارها على حدة . وفى هذا الغرض يقول (( وجدت حدود الفصول التى كنت رسمتها فى الدراسة الاولى تضيق عن المواد الجديدة فكتبت هاته الدراسة من جديد حتى ليصح القول ان هذا الكتاب كتاب جديد لا يشبه دراسة الشابى فى (( شاعران معاصران )) ولكن لا يبطلها ))
والحقيقة ان الكتاب الجديد كان جديدا فى روحه ومادته وكان اقرب لانصاف الشابى وفهم منابح تفكيره . ونحن لا نود ان نناقش الدكتور فروخ مرة اخرى فى محتوياته لان مواضع الاتفاق معه اصبحت اكثر من مواضع الخلاف ، ولان المادة التى استخدمها هاته المرة كانت غزيرة ومتنوعة وقد تمكن الدكتور فروخ
من عرضها باطناب واستخراج ما يمكن استخراجه منها لدراسة الشاعر ودراسة احواله دراسة الباحث الخبير بمسالك البحث
لقد استهل الدكتور فروخ دراسته بكلمة عن بيئة الشابى ابتداء من عهد الحكم العثمانى الى عهد الاستقلال متتبعا الجو الذي عاش فيه الشابى وشهده مشيرا الى اهم الاحداث السياسية والاجتماعية اشارة موجزة ولكنها لا تخلو من دقة وافادة .
ثم انتقل الى الحديث عن الشعر المعاصر فى تونس مستمدا دراسته من كتاب الادب التونسى فى القرن الرابع عشر للاستاذ زين العابدين السنوسى ومن كتاب الحركة الادبية والفكرية فى تونس للاستاذ محمد الفاضل ابن عاشور . وقد اراد المؤلف ان يثبت فى هذا الفصل ان تونس لم تكن قبل الشابى بلدا قفرا خاليا من كل حركة ادبية او فكرية ، وان الشابى قد استجاب لحركة كانت معروفة فى زمنه وبئته ولكنه ثقفها واوغل فيها حتى كان احسن ممثل لها خلافا لما ذهب اليه بعض الباحثين التونسيين من ان تونس قبل الشبابى كانت خواء (2)
ثم تحدث فى الفصل التالى عن ترجمة حياة الشابى وأفاد من التحقيقات التى ظهرت اخيرا وعدل كثيرا من آرائه الاولى واصلح كثيرا من اوهامه فى هاته الناحية وتعرض فى هذا الفصل لمشكلة حب الشابى واستعرض ما قيل فيها ولكنه بقى على رأيه الاول فى هاته المسألة ( حب الشابى المادى ) وناقش قصة مرضه وحقق هاته الفترة من حياة الشاعر الى حين موته وما كتب عنه بعد وفاته وقد اعتمد الدكتور على كل ما نشر فى هذا الغرض ولم يترك مصدرا من المصادر لم يتعرض له بالتحقيق والمناقشة
ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن عناصر شخصية الشاعر وقد استبقى فى هذا الفصل اهم ما ذهب اليه فى دراستة الاولى ولكنه حين تحدث عن اثر الادب المهجرى اعترف (( بان الشابى شاعرا خير من جبران بلاريب ولعله فى قصائده المختارة يتقدم ايضا على ابى ماضى ))
ويأتى بعد ذلك فصل مطول - هو اهم مافى الكتاب - يتحدث فيه المؤلف باسهاب عن شعر الشابى من ناحية الفنون التى طرقها ومن ناحية الصناعة وطريقة النظم . وقد لاحظنا ان الدكتور استبقى ما كتبه فى دراسته الاولى
وزاد عليه ما استفاده من الديوان ولا شك ان هاته الدراسة لشعر الشابى تعتمد على ما يسميه الدكتور (( النهج العلمى )) وينعى على منتقديه تنكبهم اياه فيما كتبوا عن الشابى ونحن نقول له اننا لا نؤمن كثيرا بهذا (( النهج العلمى )) فى دراسة الشعر اذا لم يضف اليه عنصر (( التذوق ))
وقبل ان اختم هاته الكلمة العاجلة احب ان اقول للدكتور انى لست من الذين يقدسون الادب الفرنسى والادب المهجرى . كما ذهب اليه (ص 26) ولا ادرى من اين فهم ذلك . والاقرب للواقع ان يقال انى معجب بهما : وشتان بين التقديس والاعجاب
كما احب ان اقول له ان الذى ذكره (ص 23) على انه كلام مصطفى رجب وعاتبه عليه هو كلام الشابى نقل بنصه من كتاب (( الخيال الشعرى عند العرب )) فلا وجه للوم الكاتب عليه .
والخلاصة اننا نرحب بكتاب الدكتور فروخ ونعتبره من اوفى ما كتب عن الشابى ونشكر له جهده فى التحقيق ولكنا نعاتبه على وصف منتقديه بأنهم لم يكونوا منهجيين فى بحوثهم ولا كانوا ينطقون بالحق ثم تصنيف هؤلاء الباحثين اصنافا فيها البعثى وفيها القومى العربى وفيها الجانح للغرب ونقول له ان هاته (( التخرصات )) ليست هى ايضا من الموضوعية او (( المنهجية )) فى شىء .

