الزمن ينطوى كما ينطوى العمر ، وفى ثناياه هما تذهب الايام مراكز وقوف ، عند حدها يمتنع السير ، الا بعد التحرى والتفتيش الدقيق ، هذه المراكز الحساسة ، أصبحت اليوم بعد أربعة عشر قرنا من الزمن ، ذكرى من خبر كان ، كخبر قرطى مارية ، ولعل بعض اعيانها ثابتة ، لا يؤثر فيها الزمن بعوامل التعرية والنمو ، لقد حرم العلم زمنا من الوقوف عندها ، ولفها الجهل فى طياته بالقرون الخوالى ، حتى أصبح ما بين رفوف الكتب أشبه بالاساطير ، وأمرا غامضا يعسر الوقوف على حقيقته .
مللت المطالعة ، فاتخذت مضجعى واستلقيت عليه ، وقد مضى أكثر من الهزيع الاول ، جالت في خاطرى شتى الذكريات وحبى لطيبة ، كان الوتر الحساس الذى يرن فى قلبى مع نبضاته ، وينعكس فى مخيلتى وعقلى الباطن والظاهر ، فى يقظتى وأحلامى .
وحدث فجأة " وقد ازعجنى القلق والأرق " أن قمت مسرعا من مرقدى الى مكتب وهما فى غرفة واحدة ، وحركت ازرار النور بعد ان جلست على المكتب ، كنت افكر فى شئ واحد ، هو المدينة وانا فيها ، كيف كان حرم المدينة ، حرم الصيد ، حرم الشجر ، وحالا تحدثت مع شيخى الذى لا يمكن ان افارقه " السيد السمهودى " عن الحرم ، وبدا الشيخ يهدر فى سطور صفحات كتابه وفاء الوفاء . كأنه السيل المنحدر . وكان فى مقدمة الحديث :
) روينا فى الصحيحين منها " يقصد الاحاديث الواردة فى تحريمها " حديث عبدالله بن زيد : ان ابراهيم حرم مكة ودعا لها ، وفي لفظ دعا لاهلها ، وانى حرمت المدينة ، كما حرم ابراهيم مكة ( . فى هذا اشارة لمكانة الحرمين وقدسيتهما
وحرمتهما ، حرمة مطلقة تشمل الدم والصيد والشجر ، كلها جاورت فكان لها حق الامان بلا قيد فى الجوار ، وفى احد الروايتين دعوة لاهل مكة ، ولم يحرم اهل المدينة من مثلها فيما رواه الصحيحان
اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة ، وفى مسلم ، اللهم بارك لنا فى تمرنا ، وبارك لنا فى مدينتنا وبارك لنا فى صاعنا ، وبارك لنا فى مدنا ، اللهم ان ابراهيم عبدك وخليلك ونبيك وانى عبدك ونبيك ، وانه دعاك لمكة ، وانى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه (
مضيت أبحث عن المأمن المضمون ، الذى سلم فيه الدم والشجر والصيد بحكم الجوار الحبيب ، ابحث عن المصدر فى التحريم والعين فى المكان ، اناقشه بما ينطبق على ما هو مشاهد ومنظور يمكن الوقوف عليه .
حديث مسلم رضى الله عنه . ) حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتى المدينة ( .
اذا كان من المقصود بلفظ اللابة الحرة ، فحرة المدينة تحيط بها ، فيما يشبه حدة الفرس ، الا ان الناحية الشمالية الشرقية ، أطول امتدادا من الغربية بميل واحد ، وبين اتجاه الحرتين الى الشمال فراغ لا حرة فيه ، واذا كانت البينية هذه فى الحديث تفيد فراغ ما بين الحرتين ، من أرض سهلة ، فعرضها فيما يسامت المسجد النبوى ، من حرة الظاهرة " العنبرية " غربا ، الى حرة واقم ، شرقه ، اثنان من الكيلومترات ، ويمضى هذا العرض من المسجد النبوى شمالا الى الفراغ ، اما من الجنوب عنه فيتسع من ناحية واحدة وهى الشرق فيكون العرض ثلاث كيلومترات
تقريبا ، حتى يرد حرة الجنوب الممتدة من الشرق الى الغرب ، وفيها تضاريس وخلجان ، ولعل هذا اعطى حكم ما فى شمال المسجد النبوى ، ولكن الحرتين الشرقية والغربية وما بعدهما لا تزالان من المدينة ، وفيهما كان السكان من الانصار والمهاجرين وربما بعد الاتجاه الى ستة اميال كالحليفة والعقيق ففيهما كان بنو سلمة وبعض المهاجرين ، وفيما وراء العقيق كالجرف والبركة واضم " العيون اليوم " فهل يشمل التحديد ما فى الحرتين وما فى خارجهما من الفضاء ؟ هذا ما سأناقشه باذن الله تعالى
حديث البيهقي : ) حديث الصحيفة فيما روى البيهقى فى المعرفة عن على كرم الله وجهه ، بلفظة : ان ابراهيم حرم مكة ، وانى احرم المدينة ما بين حرتيها وجمامها ، لا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها الا لمن أشاد بها ، ولا يقطع شجرها ، الا ان يكلف رجل تعبيرا ، ولا يحمل فيها سلاح القتال ، قال السيد السمهودى بعد ان اورد هذا ، ) ورواه احمد كذلك ، وهو حديث صحيح ( :
فى هذا الحديث بدءا كان العرض من الحرة الشرقية وانتهى عند الجماوات . وهى أجبل ثلاث ، تضارع وهذه تسيل على بئر السقاية المعروفة اليوم بعروة ، ثم أم خالد وهذه تعرف اليوم بالوسطى ، وتسيل فى العقيق عند بئر القصر ثالثة آبار عروة من الشمال وفى حدها الشمالى عرصة الماء وفيها كانت ترعى اللقاح التى أغار عليها جابر بن كرز وكانت الاغارة سببا لبدء الاولى وبين العرصة وأم خالد جبيل صغير ذكره المؤرخون بلفظ شقر ويعرف اليوم بالاخيضير وفى هذه العرصة قصر جعفر ابن سليمان ومسجد العرصة " فيفاء الخيار "
وكلاهما عند المقهى اليوم الذى فى جنوب الجامعة الاسلامية ومنها قصر سعيد بن العاص وفيها القصر الملكى والجامعة وفى هذه الناحية يسيل وادى المشاش مارا ببستان العطار اليوم ، والجماء الثالثة ما كانت تعرف بالعاقر ، ومنها جبل الحبشة ومعنى هذا ان الحرم زاد كامل المناطق فيما بعد الحرة فيما يشمل يثرب التى تعرف اليوم بالبركة ، وزبالة الزج وتعرف اليوم بعقاب وشمل عرصة البقل وفيها العنابس والقبلتين كما شمل كافة الجرف وهو كل ما فى غربى مجرى وادى العقيق وسكان هذه المنطقة بنو سلمة من الخزرج وسكان يثرب خاصة بنو حارثة من الاوس ويثرب من منازل بنى حارثة وهذه ثلاثة المنازل تتجاوز شرقا عن مناطق التحديد هنا فى مكان الشهداء وما فى جنوبها ، ومعهم فى شرقيها بنو الجوانية وبنو الجذماء فى ناحية المستراح ، وفى شماله بنو الجوانية ، كما تشمل منطقة صرار وهو المعروف قديما واليوم بالعريض فكيف كان شمول التحريم لهذه المناطق ؟ ! هذا ما يشير اليه حديث الامام البخارى رحمه الله تعالى .
حديث الامام البخارى رحمه الله : ) وأتى النبى صلى الله عليه وسلم بنى حارثة : فقال يا بنى حارثة قد خرجتم عن الحرم ، ثم التفت ، فقال : بل انتم فيه ( قلت : الموضع الذى استقر به بنو حارثة وقد جاء الاسلام ، هو منزل صرار او بتعريف آخر " العريض " تصغير عرض وهو ما كثر فيه سواد الزرع ، وهذا فى نهاية الحد الشمالى الشرقى من الحرة الشرقية وعنده تلتقى حرة واقم مع حرة النار فى خط يمتد من الجنوب حيث حلية قريظه
الى مجرى وادى قناة وبين الحرتين تسيل شعبة من وادى مهزور قادمة من ناحية المبعوث وتعرف هذه الشعبة اليوم بسيل العريض ، كما تعرف بسيل المبعوث ، وبهذا دخل كامل الحرة الشرقية فى امتدادها مع حرة النار فى التحريم وبدخولها دخل جميع السهلة التى فى غربيها ، وهى مزارع العريض والجوانية ويثرب والجرف وينتهى عند غراب " جبل الحبشة اليوم " وتكون الجماوات حده الغربى وحرة النار حده الشرقى ، هذان حدان من الشرق والغرب فكيف ينتهيان من الجنوب والشمال ؟ هذا ما يحدثنا عنه الامام مسلم رحمه الله تعالى
حديث الامام مسلم رحمه الله : " روى الامام مسلم : " المدينة حرم ما بين عبر الى ثور " ( قلت : ان الزمن يلف ويطوى ، وربما لا ينشر ، ولا بد للباحث المدقق ، ان يمعن النظر ، ولا يخرج بنتيجة الا ان يطبق على الأعيان ، فى البيئة والمحيط ، ليبنى قاعدة الحقيقة على الصحيح الذى لا مراء فيه . عينان هما طرفا الحرم فى هذا الحديث عبر من ناحية وثور من اخرى وهذان يمثلان بالنسبة للحرم خطا مائلا ، فى الجنوب الغربى جبل عير ، وفى الشمال الشرقى جبل ثور ، غير معروف وثور فيه مشكلة مفصلة وللحقيقة فلا بد من درس كليهما درسا وافيا ) ١ ( كلمة عير فى الاعيان تطلق على جبلين
يقعان فى الجنوب الغربى عن المدينة ، ينطلق وادى العقيق عليهما فى مروره الى ذى الحليفة . وللتصنيف : فأحدهما هو الاقصى ، وذكر انه عير الصادر ويعرف اليوم بالضلع الاسمر ، وهذا على بريد من المدينة ، وفى جنوبه روضة خاخ ووادى سلم ، وفى شماله حمراء الاسد والحليفة العليا والخلائق ، وفى شرقيه تبدأ حرة معصم من اعالى الحرة ، والثانى عير الوارد ولا يزال يعرف بهذا الاسم والعامة تقول له : (جبل جهنم) ولاصحة لهذه النسبة ، وفى شقه الغربى المناطق الوسطى من العقيق ، كثنية الشريد والحليفة السفلى والمعرس ، وفى شقه الشرقى يسيل وادى ابى بريقة الذى قلت ان فيه مزارع ابى هريرة رضى الله عنه وسعد بن زيد بن نفيل وكنت استفتيت قراء "المنهل" فى تسميته بوادى ابى هريرة رضى الله عنه ، وحتى صاحب المنهل فضيلة الشيخ عبد القدوس الانصارى صرف النظر عن الاجابة فى الاستفتاء ، (١) ويليه من المشرق الحرة وفيها قرين ضرطة وجبل معصم ، أما من جنوب الجبل فمجرى وادى العقيق فى ملتقاه مع النقيع . وفى شماله حزون يليها مجرى العقيق فيما بين آبار على وآبار عروة ، ذكرت الجبلين المسميين بعير فالاول وهو الصادر على مسافة بريد كامل اى بين السبعة عشر كيلو والثمانية عشر بدءا من المسجد النبوى ، والثانى على مسافة ستة اميال " نصف البريد " أو ما بين الثمانية وتسعة كيلومترات والمراد فى هذا الحديث الثاني وبهذا الحد يدخل ما يسامته من الشرق حتى ذى الجدر
وفيه سد بطحان ولا صحة لهذه النسبة والتسمية فتسميته بذى الجدر اولى تخليدا لذكراه وهو على ستة اميال من المسجد النبوى ، انتهيت من عير وما يسامته وامضى فى ذكر ثور وقد فاتنى أن اشير الى ان ذا الجدر جبل يعرف اليوم بأبى حشيف .
جبل ثور مشكلة : هذا الجبل مما احتفظت به الذاكرة فى بطون الكتب ، احتفظت به وبمشاكله ، بين منكر وجوده ومقره . وبين منكريه ما نقله عياض وقال عن بعضهم ليس بالمدينة ولا ما يقرب منها جبل يعرف بهذين الاسمين - يعنى عيرا وثورا - وبين مقريه : الجمال المطرى والاقشهرى والعلامة ابو العباس ابن تيمية والسمهودى وكما قال الاقشهرى : الذي يعلم حجة على من يعلم .
والذى حكاه المطرى : ان ثورا جبل خلف أحد من شماله صغير مدور يعرفه اهل المدينة ، خلف عن سلف ، وكنت خرجت للبحث عنه بما يطابق قول المطرى رحمه الله فلم اجد فى شمال جبل احد جبل منفرد مدور والذى فى شمال احد سلسلتان من الجبال الخضر تمثل زاوية حادة تنفرج فى اتجاه احد ويعرفها السكان بالأسناف ، ووجدت قمة صغيرة انفردت من احد فى الشمال الغربى مما يلى الطريق الموصل من شمال جبل أحد الى خيف الحيدرية والظاهرية ينطبق عليها وصف المطرى فاعتمدته فى بحثى ولكنى عدلت عنه بعد ان تحققت انه ليس ثورا وليس ما قاله المطرى فى الوصف منطبقا عليه ولا على غيره فى شمال احد اذا كان المقصود من الشمال احد الجهات الاربعة .
البصرى : ان حذاء أحد عن يساره جانحا الى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور ، فالبصرى اوضح الجهة : انها اليسرى وهى الشمال وضد اليمين ولكنه لم يصفه بانه مدور كما وصفه المطرى ، فاذا كان المقصود باليسار والشمال الناحية الشرقية ففى هذه الناحية أربعة جبال اذكرها بموضعها ووصفها:
يلى جبل أحد من الشرق بشئ من الجنوب جبل أحمر بسواد وبينه وبين أحد الطريق المؤدية إلى العاقول والمطار والى تبوك وخيبر هذا الجبل ينطبق عليه اسم صرار كما ينطبق على الناحية وعلى الحصن الذى بالعريض فكل الثلاثة متجاورة .
يلى هذا الجبل من ناحية مشرق جبل اسود مستدير وعنده مساكن اللواء السادس عشر من المجاهدين ومدرستهم وهذا ينطبق عليه ما ذكر باسم المحنب ولعله المحرف الى المحيصر فيما ورد عن المخيض " وسأناقشه في محله بان الله تعالى " . .
يلى جبل أحد من الشمال الشرقى جبلان أحمران أحدهما يعرف بوعيرة مصغرا فى اللفظ وهو الأكبر والثانى يعرف بوعيرة مكبرة مؤنثة وهو الاصغر ، وهذا التفصيل لم يرد فيما وقفت عليه ، والذى فى كتب السيرة والحديث ذكر وعيرة المكبرة لفظا وحيث انهم عرفوا ثورا بانه اصغر من احد واكبر من وعيره ، وحددوه بأنه فى يسار أحد فهو اذن منطبق على ما يعرف اليوم بجبل وعيرة ، المصغرة المؤنثة لفظا ، الكبيرة حجما وهو على نصف بريد من المسجد النبوى وعنده وعند وعيرة ملتقى حرة النار بحرة واقم فى طرفها الشمالى حيث تنتهى الحرتان يفصل بينهما وادى قناة وفى الشرق منهما يسيل وادى نقمى وبينهما
يسيل نعمان ودخل فى هذا الحد جبل أحد فهل هو حد قبل أن يحد بوعيرة ؟ هذا ما يحدثنا به الطبرانى.
روى الطبرانى برجال ثقات بلفظ : ( ما بين عير الى أحد حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال السيد : وهو كذلك لابن زبالة : فاذا ثبت التحديد بوعيرة وثور وهما في الشمال الشرقى من أحد وطرف أحد من الجنوب على خمسة كيلومترات من مسجد المصلى وطرفه الشمالى على ما يزيد عن ستة . وعير وثور هذان فى نحو التسعة كيلومترات قجبل أحد داخل ضمن حدود ثور ووعيرة ، وبقى ان اعود الى وضع خطوط حرم المدينة .
فمن الجنوب جبل عير الوارد وفى خطه من المشرق ذو الجدر أو ابو حشيف كما يقال اليوم هذا خط الجنوب ، ومن الشرق بدءا من أبى حشيف ويمضى الخط فيما يجمع بين حرة واقم وحرة النار حتى ينتهى بحصن صرار ويمضى فى قناة الى جبل وعيرة وحذوه ثور ، هذا خط الشرق ، ومن الشمال يبدأ من جبل ثور ووعيرة الى خلف احد بين أحد والأسناف حتى يهبط الى الحيدرية والظاهرية ويمضى الى خيف الفقراء وهو الحفياء ، فهذا خط الشمال ، ومن المغرب يبدأ الخط بالحفياء وفى طريق الخط طرف جبيلات الأسناف وهى غير الاولى وتعرف قديما بغريبات وفى شماله جماء العاقر وام خالد وتضارع وهنا وصلنا الى عير الوارد لولا ما يسيل من سيول البيداء وسيل العقيق وبقى بعض النقط وهى فى حدود الستة اميال سأذكرها ان شاء الله مع ما بقى فيما يأتى من حديث " مطالعات فى السيرة " . والله الموفق وهو الهادي الى سبيل الرشاد .
( المدينة المنورة )

