- يعود اهتمامى ب " كتابات " محمد مصمولى الى زمن بعيد ، اذ يكفى انى اول من أشار الى ضرورة الاهتمام بها ودراستها دراسة علمية تتجاوز ما علق بالاذهان من المفاهيم الخرافية التى تقيم حواجز سميكة بين ما يسمى بالشعر " هذا الكلام الموزون المقفى والنثر " هذا الذى يتمتع بحرية مطلقة . . وهي حواجز زائفة ، باطلة ، تأكد فراغها بعد الاكتشافات التي حققها علم الألسنية ، فى دراسة النص ، حيث أصبح من المتأكد ان الكتابة لا تخرج عن كونها مجموعة منتظمة من الكلمات التى وزعت على مساحة معينة ، وهذا " النظام " لا يمكن تمثله الا بدراسة الهياكل الداخلية لأى نص وتفكيك وحداتها .
وقد جاء كتاب رافض والعشق معى " ليؤكد ذلك باعتباره كان " مزيجا من شعر لا يخضع للوزن ، ومن قصة تبدأ ولا تنتهي ، ومن لوحة ترسم بالقلم
راجع محمد صالح بن عمر : الملحق الثقافي لجريدة العمل بتاريخ 7/3 /
197 ص 8 - عن المجزوم بل الذى يقول فيه بعد تعرضه لغير العمودى
والحر وأشعار محمود التونسي وسمير العيادى والفلسفات الجمالية
التى بنى عليها كل منهما " ان هناك نوعا ثالثا لم يجد رواجا على الإطلاق
بل افلس فى الابان لانه لا ينتمي الى الشعر فى شئ واعني القصائد
المضادة " .
- وانظر أحمد الحاذق العرف : نحن والشعر الطلائعي التونسي . . مجلة
الفكر - السنة 16 العدد 5 - فيفري 1971 - ص 62 .
لا بالريشة ، من نقد يرفض المدارس ، ومن " كتابة مضادة " تجمع بين كافة الأشكال السابقة دون ان تأنس الى اطار من الأطر الجاهزة " ) 2 ( الشئ الذى آثار حفيظة بعض المهتمين بدراسة الأدب التونسى فى وقت بدأ فيه صوت الطليعة يتضاءل ، والعزائم تفتر ، وهو فى الحقيقة يسجل فترة تعكس المشاغل الجمالية والايديولوجية التى كان الطلائعيون " يعيشونها او يطمحون الى تحقيقها ، اذ هو يمتد منذ بداية مصمولى فى ممارسة الكتابة ، الى ما بعد 1968 اي حينما بدأ الأدب الطلائعي يشرئب نحو آفاق جديدة فى الكتابة .
قلت حينما طلب مني مصمولى رأي المجموعة بأن " الشئ الذي يربط بين مختلف أشكالها هو مفهوم صاحبها للكتابة مما يجعلها لبنة تنضاف الى الأدب الطلائعي الساعى الى " خلق " كتابة تونسية عربية متطورة ممهدة لظهور ما يسميه مصمولى نفسه ب " القصيدة المضادة " .
فى هذا الرأى ما يثير الكثير من التساؤلات باعتباره قد جاء مقتضبا ، يكاد يكون حكما قاطعا ، فرأيت أن اتعرض له بأكثر ما يمكن من التحليل والمناقشة ، وذلك على الأقل لشيئين اثنين
أولا : اننا وقد مر على الأدب الطلائعي ما يزيد عن الخمس سنوات ، حتى انه بدأ يمر بأزمة حادة - فى حاجة الى أن نتخذ موقفا واضحا من كل الكتابات السابقة ودراستها حتى يتم البحث عن آفاق أخرى للأدب الطلائعي تكون نتيجة فهم عميق للمجتمع ، وادراك واع بالمعطيات الاقتصادية والسياسية ، وتحليل للهياكل الاجتماعية ، حتى تكون الكتابة الطلائعية الجديدة منبثقة عن الواقع التونسي ، معبرة عنه ، عاكسة لتناقضاته وتطوراته .
ثانيا : ان هذه المجموعة قد ضمت أهم أشكال الكتابة ، أى انها تعطينا الخط البياني لممارسة الكتابة عند صاحبها وتطور مفهومها عند مصمولى ، منذ ان كانت بسيطة ، ساذجة ، يتحرك صاحبها تحت وطأة جبران خليل جبران ، الى ممارسة قصيدة النثر ، الى القصيدة المضادة التى هى نمط آخر من الكتابة ) 3 ( مما يدفعنا الى التساؤل : ماذا أضاف " رافض والعشق معى " الى الشعر
التونسي الجديد ؟ وما هى أهميته بالمقارنة الى " المجزم بلم " للحبيب الزناد ، و " الحصار " للطاهر الهمامى ؟ وما هى الاكتشافات الشكلية التى حققها ومدى محافظتها على الخط التصاعدى ؟ ذلك ما سنجيب عليه فى هذه الصفحات ) 4 (
فى " الغليون " ) ص 73 ) و " مائة وخمسون سنتمتر قلقا " ) ص 86 ( و " قتيل العقلاء " ) ص 115 ( لم تتخلص لغة مصمولى من وطأة التراكيب العادية والقيود التى يفرضها النثر بمفهومه القديم ) باعتماده على النحو والصرف غير ان هذه التجارب لم تسقط - من جهة أخرى - فى التراكيب الجاهزة والقوالب الجامدة ، الجافة ، والأساليب المجترة ، كما انها لم ترتق الى اللغة الشعرية ) التى يتكامل فيها البناء الفنى ، مع الصورة والايقاع ( ، وهذا لا
يعنى انها لم تخل من هندسة جديدة . وتراكيب غير تلك التى تعودناها ، وايقاعات من نوع آخر . .
بقول صاحب " رافض والعشق معى " عن غليونه : - كنت به أرى المرأة على مسرح الانوثة دمية في الف شكل ولون كالحياة عمقا ، وكالحياة بلاهة . .
ترتفع بك المرأة فتكيل حسك باجفان أجمل نجمة ، ثم هي تنخفض بك ، فاذا أنت جزء من غبار على مستنقع . . تمر عليه احذية النسيان والريح . . نعم . . كان كل ذلك فتهشم الغليون كالزجاج .
- خطواتى كانها على النار تخطو . . نار غليونى التى انطفات فجأة عندما تحطم المسكين فتدحرج مثل ملك طعن بيد غادرة فهوى تاجه على الارض . . الخ
فهذه اللغة لا تنزل الى الدرجة الصفر من الكتابة ) أى الكلام العادى ( الذي يعتمد على الايصال والتخاطب باعتبار ان الكاتب انما يريد ان يكيف بها نظرته للأشياء التى تحيط به ، فهي لا تخضع الا لذات صاحبها هذا الذي يحمل " عدة أشخاص فى كيان واحد . . . منهم الذى ينظر ومنهم الذى يمتزج بما يبدو امامه من أشياء ، ومنهم الذي لا يرى ولكنه يحس ( رافض ص . ( 30
فلا غرو ان تمتزج مستويات اللغة ، وتكثر فيها مناطق الهدوء والصخب ، وتتباين فيها الأساليب " الشعرية " و " النثرية حسب تشكيلات وتلوينات يستمدها من معاناته الخاصة ، والزوايا التى ينظر منها للواقع ، والمحيط الذي ينطلق منه بثه .
يقول صاحب " رافض والعشق معى " عن حياته فى الشركة التى " تثاءب بها شهرين من عمره . . "
- كنت في ضيعتى الشبيهة ببيت من الشعر الغزلي ، ينام فى صدر عاشق ، كالعطر في الاكمام ينام ، وكسمفونية فى خاطر الفنان تغفو . . .
ثم . . . أتيت الى المدينة . . فاذا بي مثل خيال شعري تقيده تفعيلات مفتعلة يموت فيها كل انفعال . .
وبعد ؟ .
اصبحت في الشركة كمن امتطى اقدم عربة ضمن أحط قطار ، قطار عجوز مثل ثعبان هرم جاف ، استمد صفيره وشخيره من حنجرة " عم بوكرتوشة هذا المتآمر مع الصخب على اعصابي وغيبوبة خيالى . . "
- ما أكثر ما كانت المواعيد بين شواش الشركة وفقيرات الخيال ذوات الأطماء الغنية لكنها مواعيد شبيهة بصكوك بلا رصيد ، وان هي تمت فما أشبهها باكاذيب أفريل . . .
- الزمن تراخي . . . بين الدخان والقلق . الزمن مثل حصان من خشب ، اعصابه جامدة ، وعروقه جامدة . له جلبة وغبار ، وليس له حركة . .
يجرى واقدامه مسمرة . .
وإذن فهذه الكتابات لا تخضع للمقاييس المتعارفة ، او المفروضة ، متخطية كل حدود النثر ( بنحوه وصرفه ) والشر ( بأوزانه وقوافيه ) ومتجاوزة لكل التقسيمات والأغراض والمضامين حيث تختلط الصورة بالايقاع ، ويمتزج الشعر بالكلام العادي .
- مثل قنديل هرمت شعلته ، وغار زيته ، فخنقه الفجر ، هكذا انصرفت المرأة ، فى انكسار تتمايل . .
- مصلوب أنا ، من أجفاني بخيط من كبرياء ايماني بنقاوة الخفايا . . خفايا الأشياء .
- قلق أنا ، بين زملاء ، دنياهم مثل نافورة حمقاء ، جفاف خيالهم . .
هذا " العطش الى الحرية " والتخلص من كل القيود يمتد حتى الى المستوى الهيكلى للنص من حيث بناؤه الفني ، وذلك بالاعتماد على مزج كل العناصر الشعرية والنثرية بالتراكيب العادية التى تستمد من الواقع اليومى والاساليب الفنية المختلفة من حوار ، ووصف ، وفلاش باك ، ومونولوف : واعترافات ، الخ والتى تمتزج امتزاجا بطريقة لا تخضع للتنظيم المدقق أو التدرج المنطقي ، كما انها تظل محصورة بين نقطتين الكلام العادي الذي لا يسقط في الدرجة الصفر ، وبين الكتابة المتجاوزة لكل الحدود ، المتخطية لكل الحواجز ، حتى تكاد تنغلق على نفسها . وبين هذه وتلك تتداخل
المستويات ، وتتباين الخطوط ، وتختلط الهياكل الشكلية والمعنوية والتركيبة سواء على صعيد البث أو التقبل او العلاقات والروابط . . . لكنها تظل فى النهاية خاضعة لهيكل كبير هو النص .
واذن ، فهذه النصوص تعد - بعدما تخلص صاحبها من بصمات جبران التى كانت مسيطرة على العمل والرؤيا الفنية عنده - تعبيرا عن تحفز لكتابة تتخلص من كل الرواسب القديمة ، وتنبع من نظرة جديدة للواقع والفن . . .
حينما تسقط الحواجز المفتعلة بين " الشعر " و النثر باعتبار ان الفرق بينهما فى هذه الضروريات الخارجية : الوزن والقافية والتفعيلة أو النحو والبلاغة هو فرق شكلى ، صورى ، وذلك لان الشئ الذي يجمع بينهما هو اللغة ( بدالها ومدلولها ) التى يقع بواسطتها تكييف التجربة حسب معطيات تتفاعل والواقع الذي يعيشه الباث ، فان الكتابة تصبح ممارسة واعية لهذه اللغة وتفجيرها حسب مقتضيات التجربة ، وهي بالتالي الحقل الذي يجرى فيه تجاريبه بكل حرية ، ولو أدى ذلك الى تحطيم نسقها وتكسير قوالبها ، واعادة بنائها من جديد .
فالمسألة تنحصر فى كيفية استغلال الوسائل اللغوية ، وتكييفها ، وتوزيعها وهندستها حتى يتم منها وضع " هيكل " ينطوى على مجموعة من " الأنظمة الخاضعة لتحولات يفرضها قانون كل " نظام " ) 5 ( .
فى " قصتنا التى لم تكن " ) ص 71 ) يتم بناء الهيكل النصى بكلمات معدودة والتى هى " ذات قيمة " باعتبارها المحور الذى يدور حوله النص أى انها تتأثر بالنسق الموجود ، وتؤثر فى عملية البث والتقبل ، وتكييف القناة
التخاطبية ، هذه الكلمات ذات القيمة كما وردت فى النص حسب ما تثبته الاحصائية :
أحببتك - أحبك - الابد 5 لا - الكبرياء 2 من 10 10 ( 2 ) - صحارى المعجزات 2 ( - لم ( 1 ) - أحب - لأننى - لأنك في - الحب - سأحبك
فالكلمة المحورية التى يدور حولها النص هى " حب " ) حتى ان عملية احصائية للكلمات التى ورد فيها حرفا " الباء " و " الحاء " قد بلغ 41 من 75 كلمة الرصيد اللغوي للنص كله ) ، الشئ الذي يفرض علينا تفكيك ابنيته ووحداته ، وعناصره لنرى مدى سيطرة صاحب " قصتنا التى لم تكن " على لغته ، وتحكمه فيها ، واستغلاله للوسائل الفنية فيها وتفجيرها .
ينطوى النص على ثلاث وحدات ، تفتح الاولى والثانية ب لاننى بينما تفتح الثالثة ب أحببتك " ويكون مجموع الجمل الواردة فيها 11 جملة مركبة : 6 جمل فعلية ، و 5 جمل خبرية ، تتوزع كما يلى :
الوحدة الجمل الخبرية الجمل الفعلية لا شئ المجموع
وهذه الجمل المركبة تنطوى على جمل بسيطة - فعلية كانت او اسمية - يبلغ عددها 52 جملة ( 23 جملة خبرية و 29 جملة فعلية ( تتوزع كما يلى :
الجمل الخبرية الجمل الفعلية جمل خبرية جمل فعلية جمل خبرية جمل فعلية
- - - - - - - - - - - - - - -
نلاحظ من خلال هذا الجدول
- 1 - ان النص يعتمد على التداول بين الجمل الفعلية والخبرية وذلك لان التفاوت بينها لا يتجاوز الستة جمل ، وتتضاءل هذه الكمية اذا اعتبرنا ان الجمل الفعلية الواردة في النص ، يندرج كثيرها تحت جمل فعلية مركبة تربط سنها ) واو ( العطف ، بل ان الفعل فيها يغيب عدة مرات
- 2 - ان الجمل الفعلية تتضاءل امام الجمل الخبرية فى صورة ما اذا كانت الجملة جملة خبرية كما ان الجمل الخبرية تتضاءل أمام الجمل الفعلية فى صورة ما اذا كانت الجملة جملة فعلية
- 3 - أن هذا التداول بين الجمل يكون اما بالغياب او التساوى او التفاوت اضف الى ذلك ان العلاقة التى تربط بينها اما سياقية او انضمامية ، الشئ الذي يفرض علينا ان نحلل مكوناتها
اذا استثنينا الفعل الماضى المتمثل فى ) احببتك ( الذي اعيد 5 مرات ، والمستقبل في ) سأحبك ( المعاد مرتين ، فان الفعل الطاغي هو المضارع . الذي نستثني منه ) أحبك ( التى اعيدت 4 مرات - لنجد فيه ثلاث مستويات نبرزها كما يلى :
اعرفك لم يحلم أراك لم ينبض لم يحب لم يطمح
لا افقه لا يعطى لا احتمل ليس يرضى لا ينال ( / / / يسهدنى يبدد أبحث يثير يزعزع يقهقه يتحدى تميت تحيا تخلف انتظر أحس التمس / / / / / / لن أجد / / ( / لا تموت / / / /
- 1 - باعتبار ان الفعل المجزوم يدل على عدم وقوع الفعل فى الماضي ، والفعل المنصوب يدل على عدم وقوعه فى المستقبل ، والفعل المنفي لا يدل على عدم وقوعه في الحاضر ، فان النص ، رغم وجود هذه الافعال ، لا يعتمد على الحركة بل أنه ) اى النص ( لازمني ، وبالتالي تصوير لحالة معينة خالية من الحدث .
- 2 - باعتبار ان الافعال التى تدل على الحاضر تابعة فى أغلبها الى الافعال المحورية ، التى يتكامل فيها الماضي والحاضر والمستقبل ، فان أى دراسة لمكونات الجملة لا بد ان تنطلق من هذه الافعال .
- أ - احبك
واحة ضائعة ها ( الواحة ) ها ( الواحة ) نى ( أنا الباث ( يقيني وعواطفى ابحث عن ( و ) لن اجد يزعزع ) السراب ( يثير ( السراب ( يقهقه يتحدى لا تموت تميت تخلف ) الزائر ( انتظر التمس احن الي سراب حدودى فى ( أنا الباث ( أمنية زائر المواعيد ها ( الزائرة ) ها ( الزائرة ) ها ( الزائرة (
- 1 - تتكون الجمل التى هى بمثابة نعت بالنسبة للجملة " احبك ، من 2 فعلا حسب توزيع مضبوط ) أى أننا في الجملة الاولى والثالثة نجد فعلين فقط بينما فى الجملة الثانية والرابعة نجد أربعة افعال ) وكما ان الجملة الاولى قد تعدت بحرف ) عن ( فان الجملة الاخيرة قد تعدت بحرف ) إلى ( وكما ان الجملة الثانية التى اقتصرت على فعل وفاعل ) سراب يقهقه ) فان الجملة الثالثة هى ايضا قد اقتصرت على فعل وفاعل ) امنية لا تموت ( .
- 2 - الباث ( وهو الفاعل ) يقوم ب 5 أفعال . بينما الفواعل غير العاقلة الاربعة تقوم ب 7 أفعال ، فالتفاوت يكون اذن بفعلين فقط ، لكن هذا ) الباث. الفاعل ) فى الجملة الاولى والاخيرة ينقلب الى مفعول به فى الجملة الثانية ( يزعزعنى- يثيرنى ) والجملة الثالثة ) تميتني )
- 3 - الجملة المحورية اذن هى " أحبك " باعتبار اننا اذا حذفنا منها المفعول به تصبح احب التى تصبح - اذا أضفنا اليها حرف جر - أحب فيك فى حين يكون الماضى منها " أحببتك " والمستقبل " سأحبك " أما فى صورة حذف الفاعل والمفعول فانها تصبح " حب " ، مع العلم ان هذه الجمل تحافظ على نفس مكونات الجملة المحورية .
- 4 - الشئ الذى تختلف فيه هذه الجمل عن الجملة المحورية هو هذه الحروف التى تكون بمثابة " الروابط " ، فمع " أحب فيك " يتدخل حرف - ما ( احب فيك ما لا يطاق ٠٠ الخ ( ، ومع " أحب " يتدخل حرف كما ) احب في الحب شمسه كما لو كانت ظلاله ( ومع احببتك نجد " من قبل أو تأتي مباشرة قبل أحبك ، ومع سأحبك نجد " كما " و " أى " ) سأحبك الى الابد كما لم يحلم أى وجدان . . . (
هذا الترتيب اللغوي الذي ينبنى عليه النص لا يمكن ادراكه من أول وهلة بل يحتاج الى تفكيك وحداته ، والنظر الى كيفية توزيع التراكيب اللغوية فيها مع مراعاة العلاقات المختلفة التى تشدها بعضها إلى بعض ، والروابط التى تكيف بناءها الفني ، الشئ الذى بواسطته ادراك الاقتصاد اللغوى فى النص والذي يعتبر أول درجة فى الكتابة الفنية ، التى تستدعي " خدمة اللغة وتطويعها واستغلال الوسائل الفنية المختلفة حتى تكون قادرة على " صنع نص محدد بمساحة معينة ، دون الالتجاء الى عناصر خارجة عن إطار هذه اللغة
النص الأدبي - كما يقول رولان بارط - هو مجموع منتظم من الكلمات ولا تكمن كينونته الا في هذا المجموع المنتظم . . وبالتالى فان الاكتشافات الشكلية مهمة ولا بد من اجرائها حتى تتخلص الكتابة التونسية من التسطيح وضيق الافق ، وانحسار الابعاد ، وحتى لا تسقط فى فن ذي بعد واحد وتظل مفتقرة الى التنويع والتوزيع
على هذا الاساس يمكن ان ننظر الى " خطان من دخان " ) ص 63 ( و الى أى مدى كانت التجربة فيها محسوسة من الداخل
ينطوى النص على 4 مقاطع ، المقاطع الثلاثة الأولى لها وحدة عضوية دقيقة ، بينما المقطع الرابع ) او الأخير ( يكاد يكون منفصلا عنها انفصالا تاما وذلك لأن الهيكل النصى - حسب العناصر التى تحملها وحداته - ينفتح مع المقطع الأول وينغلق فى نهاية المقطع الثالث وتتحقق خلالها ) أى المقاطع الثلاثة الوحدة الزمنية والمكانية ، والشخصيات المحورية نفسها تموت فى نهاية المقطع الثالث ، بينما يظل المقطع الرابع ) او الاخير ( بمثابة " التعليق " وذلك كله يعود الى ان الاحداث فى هذا النص تبث من وجهة نظر الباث الذى يكون بمثابة الراوى ، فهو يعلق ) بداية المقطع الثالث ( ويناقش ) المقطع الأخير ( ويروى ( فى بقية المقاطع )
وبما ان الشخصين المحورين يأخذان أكبر قسط فى مساحة النص ، فانه من الضرورى ان نتوقف عندهما وندرس هذه العلاقة التى تربط بينهما . لو رمزنا ل " هي " ب " أ " و " هو " ب " ب " لوجدنا .
أ - تنظر ولا ترى - تطل من الطابق الثالث بالعمارة الكبيرة بشارع الحرية
ب - ينظر ولا يرى - ينظر من الطابق الثالث بالعمارة المقابلة بشمال شارع الحرية
اذن : أ = ب
ولو بحثنا عن القيمة التى يحملها كل واحد منهما ورمزنا لها ج ( لوجدنا
- تطل على ايامها الماضية - تتثاب أيامها - ايامها الماضية بلا لون وبلا حرارة
ب - يعيش فى متحف ذكرياته - يعيش بلا عمر - بعثر شبابه قبل الاوان - تركه وراءه
اذن : أ ) ج ( = ب ) ج (
لكنا نجد من جهة أخرى أن :
- ايامها بلا لون وبلا حرارة - تتثاءب حياتها
ب - عرف من النساء من كانت بلا لون او بكل لون - ولدته أمه وعلى جبينه قصة الشقاء - عرف من الكؤوس العشرات . . . عرف من النساء ما لا تسعه الذاكرة
اذن : أ ) ج - ج ( ب ) ج + ج ( 1)٥ ج ( ب ) ج × 2 ) اذن : أ ب
وأهمية عنصر الخلاف هذا تكمن فى توجيهه للعلاقة التى تربط بينهما ، ففي المقطع الثالث بينما هما يتجهان نحو علاقة اتحادية تنمو كما يلى :
- رأته - اوصدت أبواب أمسها - بدت عارية كاعلان حرب ذرية - اوصدت كل شئ الا ذاتها - أخذت تتحرك كثيرا أخذت تمثل مثل دمية متحركة
ب - رآها . - اسلم لها زمام شعوره فى الخيال - لم يتساءل عن جمالها - اخذته عن بعد - أثارت الغبار عن يومه - بان أمسه - أورق بعد ذهول - فاض منه ألف وهم
نفاجأ بعلاقة تقابلية حيث تذوب ) هي ( ويبقى هو - صامتا ، كتمثال من ملح - ظل ينظر فى بلاهة . .
حتى يظهر الراوي مع بداية المقطع الرابع ليهتم بعنصر طالما ظل محايدا : وهو الطريق " ولعله رمز للطريق الذي يربط المرأة بالرجل فيقدمه لنا كما يلى :
تتدحرج كعجلة يديرها صبى قذر ، مجنون - تمشى بألف ساق - تتلوى مثل أفعي
ليدخل بعد ذلك في جملة من المتناقضات باعتبار ان الطريق
- تغنى صوت كجعجعة - تقول كل شئ * يكفنه الضياء ويطويه الظلام - ترى فيها حركة * لا حياة
الرجل + المرأة = خطان من دخان
بالرغم من أن النص كان نباءا بواسطة اللغة ، فان صاحبه قد استغل التكنيك السينمائى حيث تتحول اللغة المنطوقة التى يتلفظ بها الباث الى " عين كاميرا " تسجل الحركات والتحركات والملامح ، الشئ الذي يجعلنا نتحصل على 16 لقطة فى 4 مناظر ) اى بمعدل 4 لقطات فى كل منظر ( يختم المنظران الأولان بمنظر كبير Gros plan
المقطع - I - و - 2 ( ل = لقطة . م . ك = منظر كبير )
منظر 1 ل 1 - تطل من النافذة على الطريق ل 2 - تتثاءب ل 3 - فى عينيها يمر الطريق ل 4 - بدا رجل في عينيها م . ك 1 - فى زجاج عينيها فى عينيها الحجريتين
منظر 2 ل5 ينظر من الطابق الثالث بالعمارة المقابلة ل 6 - شد بصره الى الطريق ل 7 - الطريق المتدرج كعجلة يديرها صبى ل 8 - بدت امرأة فى عينيه م . ك 2 - فى زجاجة عينية عينيه الحجريتين
المقطع 3
منظر 11 ل 9 - بدت عارية ل 10 - أخذت تتحرك ل 11 - أخذت تمثل مسرحية المرأة ل 12 - نسيت كل شئ الا هذا الرجل م ك 3 - مثل دمية تتحرك
منظر 4 ل 13 - اسلم زمام شعوره ل 14 - بان أمسه ، خفق قلبه ل 15 - اورق بعد ذهول ل 16 - فاض منه ألف وهم م ك 4 - ظل ينظر صامتا ٠٠ ظل ينظر فى بلاهة
أما المنظر الكبير جدا فهو " فى عينيه امرأة بالطابق الثالث من العمارة الكبيرة بشارع الحرية " و " الطريق مسرح حجرى . . الخ . . . " .
ان أهم ما يرتكز عليه النص هو ترتيب الاحداث والمواد بطريقة فنية تكون بينها لحمة وانسجاما وهو ما يتطلبا تكنيكا خاصا " حتى لا تسقط التجربة فى فن ذى بعد واحد وقد استطاع صاحب " رافض والعشق معى " أن يسيطر على بنائه الفني حينما وضعه على النحو التالي
: أ - الباث ب - المتقبل الحركة الاولى الحركة الثانية
فى هذه المجموعة جوانب كثيرة ما زالت فى حاجة الى " قراءة " موضوعية واعية ) 6 ( تضعها فى مجالها الحقيقي وإطارها الخاص بها ، وقد نعود الى ذلك في مناسبة أخرى سانحة .

