لست مؤرخا ولا باحثا فى التاريخ حتى يتيسر لى أن أتحدث جازما عن الكتاب الذى بين يدى وهو : قرطاج مدينة عليىسة العظيمة لصديقى وأخى الاستاذ محمد فنطر الباحث والمحقق والمختص فى الفترة البونيقية من التاريخ القديم .
ولست مالكا للمادة التاريخية الثرية التى يتصرف فيها كاتبنا بيسر حتى أدل على مواطن القوة ومواطن الضعف ولكنى سأتحدث عن الكاتب كقارئ شغوف بالتاريخ سواء فى ثوبه القديم الذى نسجه مؤرخونا القدامى كالطبرى وابن الأثير وغيرهما أو فى ثوبه العلمى الموضوعى الجديد الذى عرفناه عند الباحثين والمؤرخين الغربيين .
وليس هذا هو الكتاب الأول الذى قرأته عن قرطاج بالفرنسية بل قرأت الكثير وتتبعت مآثر هذه المدينة العظيمة عن كتب واستمعت الى دروس كنت أخرج منها محتارا إذ فى نفسى ما يدفعنى الى أن أعتز وأفتخر وفى ظاهر الدروس ما يدين ويحقر . ولكن كتاب محمد فنطر المحرر بالفرنسية وجدته يخرج عن هذه الكتب كلها ويبزها فى ميدانها : معرفة وبحثا وتحقيقا وموضوعية .
ولعل القارئ الكريم يتبادر الى ذهنه أننى وجدت فى هذا الكتاب ما يتجاوب مع شعورى فى الاعتزاز بتاريخنا ومحبته فقط إذ عند ذلك أكون متجنيا على كاتبنا الباحث بل إننى وجدت الى جانب ذلك الموضوعية والمنهج العلمى البحث الذى أنصف قرطاج ووضعها فى إطارها الحقيقى . وهو بذلك يرد على ما آعتاده المؤرخون القدامى الرومانيون أعداء قرطاج من تحقير وحط وما جرى عليه المؤرخون المعاصرون من متابعة لهذا الرأى .
هم نفوا عن قرطاج كل طرافة فى حياتها الثقافية والفكرية وأضفوا على أهلها كل النعوت التى لا تشرف مستندين الى ما عرف به القرطاجيون من
تعاط للتجارة وجرى وراء كل نفع متعللين بفقدان الوثائق ، راكنين الى الافتراضات والتخمينات .
كل هذا أسقطه الكاتب بالحجة والبرهان وأمكن له أن يؤلف بين نزعتين إثنتين بين حبه لبلاده وحبه للتاريخ . ولعل الذى قاده الى ذلك هو ما وصف به صاحب مقدمة الكتاب مدير معهد الأثار الاستاذ الهاشمى السبعى من ان للاستاذ فنطر : (( نوعا من الفهم الباطنى لواقع التاريخ القديم الذى وإن بعد فى الزمن فقد بقى ماثلا حيا فى ضمير كاتبنا )) .
هذا التوفيق الذى حالف الكاتب فى تصور تاريخ قرطاج ليس اعتباطيا بل إنه نابع من خصال يلمسها كل من يتحدث الى محمد فنطر كالصدق والاخلاص والحماس وهى خصال شحذتها المعرفة والاتجاه العلمى الذى يحلل ويشرح ويعلل ويقارن ويناقش ويضرب الامثلة .
واتجاهه هذا نجده فى كل الفصول الاحد عشر التى استعرض فيها كل نواحى نشاط أهل هذه المدينة العظيمة فى العهد البونيقى فى حلهم وترحالهم ، فى سلمهم وحربهم ، فى تجارتهم وعبادتهم ، فى اقتصادهم وثقافتهم .
ولكنه فى جميع هذه الفصول يحرص كما قال : (( على أن يبتعد المؤرخ عن كل حكم فى حدث ما مقتصرا على شرحه وفهم النسق الفكرى الذى أوجده )) .
بهذا أمكن له أن يحطم كل ما تعود لوكه المؤرخون المهتمون بتاريخ قرطاج البونيقية وذلك بطريقتين اثنتين إما بالكلمة الواحدة الراشقة التى تهدم صرحا كاملا من الافتراضات وإما بالتحليل والمناقشة الوافية .
ففى الصورة الاولى نجده مثلا يرد على من يعزو فى استنتاج مطول رسم المربع الموضوع على زوايته والموجود فى الزرابى الى أصل فينيقى يرد عليه بكلمة واحدة وهو أن مثل هذه الرسوم موجودة عند الأفارقة قبل دخول الفينيقيين . فتنهار وبسهولة وبعصا سحرية كل الاستنتاجات حتى أن القارئ يعجب لهذه القدرة الممتنعة التى تتصدى لأعلام شهد لهم القاصى والدانى بالمعرفة والتضلع فتجعلهم يتضاءلون أمامه بسرعة .
وفى الصورة الثانية تجده مثلا عندما يتصدى الى مسألة التضحية بالاطفال لا يتحمس ولا يرد رد المستنكر بل يحاول أن يضع هذه العادة فى اطارها التاريخى فيزول بذلك كل ما علق بالاذهان من وحشية القرطاجيين .
فالكتاب إذن علمى بأتم معنى الكلمة ، ومنصف كأشد ما يكون الانصاف موضوعى الى حد الصرامة والحذر ولكن فيه طلاوة هى من قبيل الروح الادبية التى تمتع وتسحر وتأخذك اليها أخذا فى لطف وتؤدة فتنصاع اليها مرتاحا متذوقا .
وهو الى ذلك يشعرك بأنه من واجب التونسى الباحث وفى قدرته أن تكون له نظرة خاصة للامور ومن بينها التاريخ تخرجه عما ألفه عند أساتذته الذين حرصوا فى كثير من الاحيان على أن ينظروا نظرة تهمهم وتخدم مشاغلهم ، فلا غرو إذن ان يكون عمل الاستاذ محمد فنطر قد أكمل من عدة نواح ما قام به أساتذته الغربيون من بحوث فى هذا الميدان إذ شهد له بذلك علنا واحد منهم ( * ) ، وشهد شاهد من أهلها .
وأخيرا فان هذا الكتاب بقيمته العلمية تفتخر به المكتبة التونسية وتعتز به وأملنا أن نجده بين يدى القراء فى لغته العربية .

